طلال سلمان

الواقع العربي عشية قمة التفكك: هل هناك دول عربية مستقلة.. فعلاً؟

تفرق العرب أيدي سبأ، واختصموا حتى حافة الاحتراب: تآمر بعضهم على البعض الآخر، وتحالف بعضهم مع العدو القومي، اسرائيل، في مواجهة أشقائهم ـ شركائهم في الحاضر والمستقبل ووحدة المصير.

صار لهم من “الدول” أكثر مما يطيقون، وأكثر مما تسمح به قدرات بلادهم وامكانات شعوبهم: ملوك وامراء ورؤساء، وقادة انقلابات عسكرية ـ وكثير من القاب الجلالة والفخامة والسمو، وثروات خرافية لصحارى بلا سكان، وفقر مقيم في البلاد ذات الملايين، وهدر للطاقات بلا حدود، وعداوات موروثة من عصور القبائل ببطونها والافخاذ.

النفط ستَّار العيوب.. فان هو لم يكفِ فالغاز جاهز لاستيلاد الدول: لا يهم أن يكون عديد سكانها محدوداً، فمن قديم الزمان قيل “إن الكرام قليل..”.

والنفط لا يعترف بالأشقاء… ومن طبيعة الغاز أن يستقل بذاته.

تهاوت دعوات الوحدة والاتحاد، وتعاظمت أصغر الدول بثروتها حتى انكار هويتها القومية ـ الفقر يفرق، أما الثروة فتوحد بين الاغنياء، بغض النظر عن أحجامهم ومطامحهم.

اندثرت جامعة الدول العربية، وصار امينها العام أحد دعاة الصلح مع العدو الاسرائيلي، من دون أن يفقد طلاقته في الحديث عن مشاريع التكامل بل وحتى الوحدة العربية، او “الاتحاد” او “الفيدرالية ” بما يضمن عدم التصادم مع المشروع الاسرائيلي.

صارت واشنطن عاصمة العرب ومركز قرارهم، بالتضامن والتحالف مع اسرائيل.. وصارت مقاومة المشروع الاسرائيلي للسيطرة على المنطقة العربية موضوع اتهام بالتبعية لإيران. وطويت اعلام تحرير فلسطين، وانصب النقاش على ما يمكن أن تتنازل عنه اسرائيل للدويلة الأخرى التي ستكون رهينتها.

أخرجت الحرب التي تشنها السعودية مع دولة الامارات “دولة اليمن” من الخريطة بعدما زرعت الموت في انحائها جنوباً وشمالاً، شرقاً وغرباً.. واحتلت الامارات بالمرتزقة بعض انحاء هذه الدولة الاعرق في الوطن العربي..

ودمرت الحرب الاميركية الدولة الممتازة في العراق التي انهكتها حروب صدام حسين ضد إيران، ثم عبر غزوة الكويت، قبل ان يتقدم جيش الاحتلال مستخدماً نار الفتنة لتدمير الدولة التي كانت تتباهى بقوتها. فاذا هي الآن اشلاء: بعضها خارج من إسار “داعش”، وبعضها منفصل بقوة الامر الطائفي الواقع.. والحكم القائم على اساس فئوي يعجز عن تشكيل حكومة جامعة..

أما سوريا التي دُمرت مدنها ومزقت جنباتها الحرب فيها وعليها المستمرة منذ ثمان سنوات، فمصيرها معلق على توافقات دولية بين الروس الذين جاءوا لنجدة النظام، بناء لطلبه، والقوات الايرانية التي ارسلت تحوطاً واسناداً لـ”حزب الله” في لبنان، وحفظا لدور ايراني متميز في خريطة المنطقة مستقبلاً.. مع الأخذ بعين الاعتبار التهديدات الإسرائيلية والتدخل العسكري الاميركي لتمزيق المنطقة، بالتواطؤ مع النزعة الامبراطورية لتركيا اردوغان.. بغير اغفال العنصر الكردي كموضوع استثمار ممتاز، للأطراف جميعاً، لا سميا الأميركان.

في هذه الاجواء المنعشة للطائفيات والمذهبيات والاعراق ثمة من يحرك العصبيات في لبنان، ويحاول اعادة تجديد النقاش حول طبيعة النظام وهل هو توافقي ومؤقت بين الطوائف، او مشروع دولة تستند إلى وحدة وطنية صامدة، تتجاوز العصبيات الطائفية والمذهبية.

وفي حين تنأى مصر بنفسها عن التحولات والصراعات الطائفية والمذهبية في المشرق، فان غيابها يزيد من تعقيدات الصراع الذي لا يجد من يحسمه او يحله محافظاً على استقلال البلاد وعلى مشروع مستقبل مواطنيها فيها.

من الطبيعي والحالة هذه أن تتزايد التحرشات الاسرائيلية بسوريا، حيث تتوالى غارات الطيران الاسرائيلي على بعض القواعد العسكرية التي تراها تل ابيب إيرانية.. في حين يتعاظم التحرش الاسرائيلي بلبنان، في جنوبه، برغم وجود قوات الطوارئ الدولية التي اوفدتها الامم المتحدة منذ سنوات بعيدة، وجددت تحديد مهماتها بعد الحرب الاسرائيلية على لبنان في صيف العام 2006، وهي الحرب التي حققت فيها المقاومة التي احتضنها الشعب انتصار مجيداً.

لقد اختلفت الصورة اليوم عنها من قبل: لم تعد اسرائيل عدو العرب جميعاً.. بل ثمة اتفاقات علنية او سرية بينها وبين عدد من العواصم العربية، ورئيس حكومتها، نتنياهو لا يكف عن التجول في المنطقة، ما بين سلطنة عُمان وتشاد متباهياً بأن لدية العديد من الدعوات لزيارة دول عربية او صديقة للعرب كانت ترفض استقباله او إقامة علاقات مع دولة احتلاله.

بل أن اسرائيل لها تعاقدات للتعاون والشراكة التجارية مع عدد من الدول العربية (في الغاز مع مصر، ومع الاردن ـ اضافة إلى علاقات اقتصادية مفتوحة.. ومع اكراد العراق، من فوق رأس النظام في بغداد، في حين انها تحالف تركيا اردوغان ضد اكراد سوريا..)

لا ضرورة للإشارة إلى أن ليبيا الآن مزق متناثرة، تتوزعها قبائل متصارعة يلقى بعضها الدعم من قطر، وبعضها الآخر من دولة الامارات، في حين أن مصر معنية بما يجري فيها لأسباب تتصل بأمنها القومي.. وبعثة الامم المتحدة تحاول جاهدة عقد المعاهدات بين القبائل والاطراف السياسية والعسكرية دون أن تضمن النجاح في اعادة توحيد هذه الدولة التي مزقها صراع القبائل الذي وجد من يوقظه ليفيد منه في الحصول على نصيب من ثروة النفط الغزير الذي يجعل من هذه الدولة ذات المساحة الشاسعة مع القليل من السكان احدى اغنى مناطق الشمال الإفريقي..

وأما تونس التي تفجرت بثورة محمد البوعزيزي فأسقطت حكم العسكر فيها، فإنها قد وجدت في ماضيها مع الحبيب بورقيبة ما هو افضل من الحكم بالشعار الإسلامي.. والصراع مفتوح بعد، والشارع هو الحكم في غياب قوى التغيير بالعسكر.


هذه صورة مقربه للأوضاع في مختلف الدول العربية، في هذه اللحظة، وقد ارجأنا الحديث عن الجزائر في انتظار أن يقرر رئيسها الذي يقتعد كرسي المشلولين انه سيجدد ولايته، ولن يتخلى عن حكم العاجز لهذه الدولة الغنية بتاريخها الجهادي كما بثروتها، والتي كان مأمولاً أن تلعب دوراً مؤثراً في صياغة مستقبل عربي افضل بتراث ثورة المليون شهيد..

لقد تهاوت الاحلام بوحدة الامة والاشتراكية كطريق للتقدم والمنعة وتحرير المحتل من ارضها بعنوان فلسطين، والمحتل من ارادتها بقوة الهيمنة الاميركية المساندة والمستفيدة من الدكتاتوريات القائمة في مختلف ارجائها، سواء تلفعت بعباءة النفط والغاز ام بقبعة الانقلابات العسكرية.

أن الامة تعيش حالة من التفكك والضياع، يتآمر بعض دولها على البعض الآخر، بذريعة الدفاع عن النفس. ودولها الفقيرة تقف عند ابواب الدول الغنية تتسول بعض المساعدات والاعانات او حتى الشرهات.

وكثير من رؤساء الدول العربية الفقيرة يتمنى واحدهم أن يحظى في ابو ظبي بلقاء مثل لقاء البابا فرنسيس الذي تميز بأناقته وبعده عن البهرجة وأكد سماحة الاسلام والعرب المسلمين في تعاملهم مع اقطاب الكنيسة.

تنشر بالتزامن مع جريدة “الشروق” المصرية و”القدس” الفلسطينية

Exit mobile version