طلال سلمان

القسوة طريقاً للحب!

طفلان، وكلاهما على باب المراهقة، عادا مع الأهل من الخارج. أجادا لغتين أوروبيتين وافتقرا العربية. بعد عامين كانا يكتبان العربية ويتحدثان بها حتى أن أحدهما اجتاز امتحان الاعدادية واجتازت الأخرى امتحان الابتدائية. راح الفضل لمعلم لغة عربية قيل إنه استخدم بعض القسوة خلال العامين، أو هكذا تكررت شكوى الطفلين العائدين لتوهما من نظام تعليمي يحرم على المعلم ممارسة القسوة في أي شكل وبأي درجة. في مؤتمر علمي عالي المستوى حضر عالم وقور إلى والد “الطفلين” ليسأله عنهما بالاسم ويخبره أنه يتابع تقدمهما في الحياة، فهو الذي لقنهما أصول اللغة والدين قبل ثلاثين عاما. أجابه الأب بأنهما يذكرانه بكل التقدير والحب. وكان صادقا.

***

كنت صغيرا جدا ككل أطفال المدرسة الابتدائية في ذلك الحين. إن نسيت بعض التفاصيل عن تلك الأيام فلن أنسى لسعة عصا مدرس الحساب وعصا معلم الدين واللغة العربية عند اصطدامها بأطراف أو “عقل” أصابعنا، أصابع في أيدي رقيقة وضعيفة وفي شتاء كان بالفعل قارسا. الوحيد بين معلمي السنة الرابعة الابتدائية الذي لم يمارس معنا أي نوع من العنف كان معلم الرسم، وقد صار فنانا وممثلا سينمائيا عظيما فيما بعد. حاول كمال الشناوي إقناعي لتبني هواية الرسم فكان يرسم لي رسما في كراستي في الصفحة المقابلة لكل صفحة أرسم فيها رسما مقبولا. لم أنس فضل من لسعني بعصاه الرفيعة ولا فضل من رسم لي في كراستي. نسيت القسوة وبقي الحب، حب معلم العربية وحب معلم الرسم.

***

كبرنا. كلنا كبرنا ولكن لم ننضج كلنا. كبرنا وعاش من كان في مثل ظروفي يجوب الدنيا شرقا وغربا يسمع ويشاهد ويقارن. كانت هوايتي في التجوال مراقبة الحكام كبشر وليس كآلهة. عشت مع حكام لم يمنعهم عن ادعاء النبوة إلا الخوف من عامة الناس، ولكنهم مع ذلك مارسوا من أعمال النبوة ما استطاعوا أن يغلفوه. عشت مع حكام آخرين أكثر تواضعا. هؤلاء تقمصوا شخصية معلم المدرسة واتقنوا أداء دوره ورسالته. الشعوب في نظرهم أطفال في مدرسة ابتدائية يتلقون العلم قسرا. لو خير التلاميذ لاختاروا اللعب في “الحوش” أو في الشارع عن الجلوس لساعات ينصتون في انتباه إلى معلم. المعلم له حقوق لا ينازعه فيها أحد. له الحق في أن يذنب التلاميذ فيحبسهم في غرف لا يدخلها إلا الجرذان. له أيضا الحق في أن يعذبهم بضربهم بالعصا الرفيعة في عز البرد أو بالوقوف ساعة أو أكثر ووجوههم للحائط. للمعلم في بعض المدارس وربما في أحياء معينة الحق في أن يسب التلميذ بأقبح السباب وأرذله وحجته أن التلاميذ لا يفهمون لغة أخرى. هذه اللغة هي لغة الحي العشوائي الذي يقيم فيه ولغة البيت الذي نشأ فيه.
عشت في دولة كان حاكمها يقود المظاهرات أملا في أن يتعلم الشعب كيف ومتى يتمرد على حاكم ظالم يأتي بعده. حاكم آخر أقسم قبل أن يصل إلى الحكم أن ينقل بلده من عالم التخلف إلى عالم التقدم والتكنولوجيا الحديثة سمعته وملايين غيري بعد وصوله إلى الحكم يدعو شعبه الى التمسك بقيم الريف وعاداته.
أذكر أن حاكما آخر قام من مقعده غير الوثير ولكن الصحي واتجه إلى حائط غرفة المكتب لينتزع بكل الحزم الممكن السيف المعلق ويعود به مشهرا ويضعه أمامنا ثم يشير إليه بيده ويقول، عفوا أنا لست المعلم، هذا هو المعلم الأول للشعب. عشت وسط شعب يكاد ينام والأطفال على بطون خاوية، تعرفت هناك على أستاذ جامعي اشتهر بالشكوى الدائبة فكان مصيره معسكر اعتقال. قابلته بعد سنوات وقد صار سياسيا هاما. سمعته بأذني يحكي عن الزعيم الذي بادله الحب حتى وهو في المعسكر يتعذب. بعدها قابلت أصدقاء عاشوا سنوات من حياتهم في معسكرات اعتقال صحراوية قضوا بعض وقتهم هناك يصرحون بحبهم للزعيم الذي وضعهم هناك، لم أصدق حتى اجتمعنا جميعا في بلد آخر، اجتمعنا أصدقاء من معسكر اعتقال وأصدقاء من القصر الذي صدرت منه أوامر الاعتقال والافراج وأصدقاء أجانب وأصدقاء من الاعلاميين الكبار، كلهم اشتركوا في حديث طويل عن الحب المتبادل بين زعيم ومعارضين. سمعت بينهم من يبشر بأن الحاكم عذبهم لأنه يحبهم. وما كان ليعذبهم لو أنه لم يكن يحب شعبه ويحبهم.

***

قضيت وقتا في شبابي أبحث في قواعد العشق عند الانسان البدائي. قرأت ما كتبه بعض علماء الأجناس وأشهرهم فرنسيون وأمريكيون. فهمت مما قرأت أن الغزل في المجتمعات البدائية كان من الظواهر العنيفة، وأن القسوة كانت المدخل الضروري وربما المناسب للغزل وممارسة العشق. لم تكن بعيدة دائما عن الذهن تلك الصورة الكاريكاتورية عن رجل شبه متوحش وعار يجر خلفه امرأة عارية من شعرها الطويل. كان ولا شك يحبها أو يريد أن يحبها وتحبه.
يجرني الحديث عن الحب في عصور التاريخ القديم، إلى الطفل في عائلتي الممتدة الذي كان معروفا عنه شغفه باللعب مع الفتيات من عمره مفضلا إياهن على الأولاد، وكانت وسيلته الوحيدة لطلب اللعب معه هي شدهن من شعورهن. كانت البنات تبكين وكان الأهل يعاقبون الطفل قاسي القلب، وما هي إلا دقائق ونفاجأ بعدها بالطفلة تسعي إليه دون غيره لتلعب معه.

***

أراد صديق التعقيب على حكاياتي عن علاقة الحب بالقسوة فأشار إلى اتساع ظاهرة التحرش الجنسي، ليس فقط في المجتمع المصري بل في أغلب المجتمعات المتحضرة والسائرة على طرق التحضر على حد سواء. لعله رأي في حكايات العشق عند الأولين ما يقترب من حكايات التحرش التي نسمعها وما نشاهده من ممارسات غزل وقور أو مبتذل في الشوارع والمكاتب والمحلات العمومية ووسائل النقل. يتساءل الصديق عما إذا كان انسان العصر الحديث عاد يتقمص شخصية وسلوكيات الانسان البدائي في التعامل مع الجنس الآخر، أم يكمن السبب في انتشار سلوكيات العنف، سواء صدرت من السلطة التي تزعم أنها تمارس القسوة حبا في الشعب ودفاعا عنه، أم من قطاعات في الشعب تتمرد، أم صدرت من عناصر متشددة وأصولية وارهابية تكره كل أنواع ودرجات الحب وتنبذ من يمارسه ومن يحميه ويدعو اليه أو يبشر به؟.

***

جاء دوري في تأليف سؤال. هل صحيح أن حبك لشخص يسمح لك بأن تخبره أن خطأ فادحا ارتكبه ـ ويظن أن أحدا لا يعلم عنه ـ صار سرا معلنا، أصدقاؤه وخصومه يعلمون به. تعرف أن الصدمة قد تصيبه بضرر كبير ومع ذلك تصر على ابلاغه لأنك تحبه؟. سؤال آخر، هل صحيح أن حبك للشعب يسمح لك بأن لا تترك فرصة تمر دون أن تصف هذا الشعب بكلمات هي بالفعل من صفات الشعوب الفقيرة ومن سمات الشعوب التي لم يسمح لها حكامها بأن تتعرف على حياة ديموقراطية وتتمتع بحقوق وعدالة حقيقية؟.
أظن أنني لو أحببت شخصا كل هذا الحب لما ذكرته كل صباح ومساء بعيوبه وفقره. لو فعلت لما جنيت حبا بل الكره والغضب.

تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق

Exit mobile version