طلال سلمان

التطبيع والثقافة

يطغى هذه الأيام تعبير التطبيع على تعبير الإعتراف بدولة إسرائيل. جرى التحوّل من هذا التعبير إلى الآخر من حيث لا ندري. راج سوق تعبير التطبيع، وكسد سوق تعبير الإعتراف.

الأرجح أن إسرائيل هي التي بدأت بترويج هذا التعبير.  ليس بيد العرب القدرة على التفاوض بشأنه، ولا بشأن أي موضوع آخر يتعلّق بإسرائيل. يبدو أن إسرائيل تعرف أنها العدو، وسوف تبقى العدو لدى الشعوب العربية، وفي وجدانهم، وفي أعماق وجودهم. لكن لا يهمها أمر هذه الشعوب ولا مشاعرها ولا وجودها. تتفق في ذلك تماماً مع الأنظمة العربية التي لا تكترث لوجود شعوبها. هي مصدر ثورة وشغب ضدها. تعرف إسرائيل ما يفيدها أكثر مما نعرف ما يفيدنا. وإلا لما انتصرت؛ بالأحرى لما انهزمنا. نحن في حالة إنكار دائم. لا نعترف بالهزيمة. لا نعترف بالواقع. يطربنا لقب المقاومة حتى ولو وضعت حداً لعملياتها ضد إسرائيل.

هناك مقاومات عربية متعددة بتعدد المجتمعات أو الشعوب العربية. تستطيع مقاومة واحدة أن تسمي نفسها المقاومة. تختصر المفهوم في ذاتها دون إعتبار للآخرين. هؤلاء الآخرون لا يتكلمون. إستخدام “ال” التعريف يغيّر كثيراً في فائدة المصطلح. وقد أدى إلى فوائد كثيرة عملية، منها إحتكار المقاومة، وطرد المقاومات الأخرى من جنوب لبنان. يبدو أن كثيراً من هؤلاء انضموا لاحقاً إلى “ال” التعريف.

ربما يعرفون، أو لا يريدون أن يعرفوا، أن إسرائيل في غير سياق. هي إحتلال إستيطاني مارس التطهير الإثني على الشعب الفلسطيني. ويمارس الأبارتايد (التمييز العنصري) على ما تبقى من الشعب الفلسطيني في الفلسطين (مع “ال” التعريف)، وعدم الإعتراف بمن لم يبق في فلسطين. بعد إتفاقين في مصر والأردن، مما إقتضى تعريف الحدود الجغرافية، ليكن التطبيع مع دول عربية أخرى، وذلك يتضمّن الاعتراف. تعرف إسرائيل أنها لا تستطيع العبور إلى الوجدان العربي. ربما أدى مرور الزمن إلى ذلك، بنظرها.

قدمت الأنظمة العربية في مؤتمر القمة العربية في بيروت عام 2002 الاعتراف بإسرائيل، والتي أرادته أن يكون من دون مقابل. في اليوم التالي للقمة، شنّت إسرائيل حربا متعددة الجبهات ضد دول عربية، من بينها فلسطين. إسرائيل لا تريد سلاماً مع العرب مقابل الأرض أو مقابل الاعتراف بها. هي تحافظ على حالة الحرب الدائمة، ولا تتخلى عن شبر أرض محتلة للعرب. والأرض كلها محتلة. هي تريد النفاذ إلى الوجدان العربي، ولو تتطلّب ذلك وقتاً طويلاً. الانتصارات العسكرية تحققها متى شاءت، والمقاومات العربية يمكن استيعابها باتفاقات وقف إطلاق نار. بين إسرائيل ومصر والأردن اعترافات متبادلة وحدود مرسومة. لا تستطيع هذه البلدان العربية ولا إسرائيل تجاوزها. لكن إسرائيل لم تخترق الوجدان العربي في أي من البلدين. حتى البلدان التي ما زال اليهود فيها جماعة وازنة، والذين تربطهم بإسرائيل روابط حريصون عليها، يضطر اليهود إلى سلوك يشبه ثقافة العرب المحيطين بهم؛ بالطبع هذا عدا الممارسات الدينية.

لم يعد الكلام وارداً عن زوال دولة إسرائيل، بل زوال إحتلال لم يحدده العرب. إسرائيل لا تريد إعترافا بها يفرض عليها تحديد مداها الجغرافي، خاصة اذا كانت تتناقض مع قرارات الأمم المتحدة في عام 1947، أو الحدود الجديدة في عام 1967. يكفيها الحدود مع مصر حسب اتفاق كامب دايفيد (1978)، والحدود مع الأردن التي حُددت في اتفاق العقبة. ما عدا ذلك تريد إسرائيل مجتمعاً مفتوحاً على التطبيع، دون عقبة ترسيم أو تحديد الحدود. ربما يظن الإسرائيليون، ربما، أنهم عن طريق ذلك يخترقون جدار الوجدان العربي، ويقيمون علاقات جيدة وصداقة مع العرب، وتكون النتيجة هيمنة إسرائيل الثقافية. هل تريد إسرائيل احتلالاً ثقافياً؟ هو احتلال من نوع جديد، تكون فيه لإسرائيل السيطرة على الحضارة العربية، ويكون للعرب وجود يشبه الجماعات غير العربية في الأندلس. كانت الأرستقراطية العربية هي المسيطرة، بتأثير ثقافي من بغداد طبعاً، وكانت الجماعات الأخرى مندرجة في ثقافة هذه الأرستقراطية. بلغ الأمر حد تذمر المطارنة الإسبان الكاثوليك أن المستعربين من الكاثوليك لا يجيدون غير العربية. أخذوا عن العرب ما كتبه بعضهم حول “مشاكلة الناس لأيام زمانهم”. فهل يريد يهود إسرائيل الهيمنة الثقافية على المجتمعات العربية مستخدمين الأساسيات في الثقافة العربية، ما عدا الدين؟ وهم يعرفون أن الدين مغلق ولا يمكن النفاذ إليه ولا التغيير فيه. هم يعرفون أن التأثير الثقافي هو على المدى الطويل. أما على المدى القصير، فضربات محددة أو حروب يحرصون أن لا تمتد على مديات واسعة.

التطبيع بالنسبة إليهم صار أهم من الاعتراف. هذا حصلوا عليه في عام 2002. وهو مضمر في كل قول عربي حول العودة إلى حدود حزيران 1967. في هذا القول اعتراف بإسرائيل وإنكار لسيطرتها على أراض لم تكن في حوزتها سابقاً. إنكار الهزيمة هو الهزيمة الكبرى.

التطبيع السياسي والعسكري حصلت عليه إسرائيل منذ زمن. العلاقات الديبلوماسية صفقات عقدت بالسر. والتطبيع الآخر حربي. فإسرائيل تشن هجمات متواصلة على بلدان عربية، وتبقي الحرب دائمة بما يخدم أهدافها السياسية. الأنظمة العربية فقدت شرفها منذ زمن طويل. هذا الأمر يعرّض وجودها للخطر. حكومات الاستبداد أضعف من أن تغيّر مسارها. ضعيفة أمام التغيير. ضعيفة أمام شعوبها. الصفقات التي لا ترضي شعوبها تعقدها بالسر. ما خرج للعلانية هو غيض من فيض.

هم شعب الله المختار. عقدوا صفقة معه منذ زمن طويل؛ هكذا يعتقدون. ساعدهم ذلك على البقاء في البلاد التي وجدوا فيها وعانوا ما عانته شعوب هذه البلدان من الاضطهاد، وإن بأشكال مختلفة. على مدى التاريخ طردوا من بلدان أوروبية كثيرة. لم يطردوا مرة من منطقة عربية سوى في أيام الإسلام الأولى. ساعدهم ذلك على الاعتقاد لديهم باستعلاء أخلاقي وثقافي على العرب. يتهكمون في برامجهم التلفزيونية على العرب الزائرين من بلدان التطبيع. الاستعلاء كامن دائما في نظرية شعب الله المختار. القوة العسكرية تساعدهم على فرض إرادتهم على شعوب أو دول مهزومة تنكر هزيمتها، وتدعي السلام مع دولة إسرائيل، التي لا تعترف بالسلام ولا تعرف إلا الحرب لتأكيد وجودها. في أحيان كثيرة يتبنى الغالبون ثقافة الشعب المغلوب خاصة إذا كان ذلك أمراً مساعداً على تأكيد الغلبة.

لا يغيّر التبني الثقافي شيئاً من عناصر الغلبة العسكرية والسياسية. ربما إعتقد الغالبون أن في هذا التبني توسيعاً للمدى الحيوي لهم. على كل حال، صدرت كتابات عن مسؤولي احدى دول المنطقة الكبرى (تركيا) وفيها اعتبار للمنطقة العربية “مدى حيوياً” لهم. إيران تمارس ذلك فعلاً. النازية اعتبرت أوروبا (وربما غيرها) مدى حيوياً. منطق القوة يتطلّب مدى حيوياً خارج الحدود. ألا تنشر الولايات المتحدة جيوشها حول العالم باعتبارها مدى حيوياً لها؟  كل ما يحدث ضمن دولتين أو ضمن دولة معينة، في أقاصي الأرض، يقاس باعتبارات “المصلحة القومية الأميركية”.

وضع الشعوب العربية الآن لا يشبه وضعهم أيام ملوك الطوائف في الأندلس. هو يشبه وضع الإسبان المسيحيين قبل مرحلة ملوك الطوائف. كانوا مدى حيوياً لأقلية عربية انتجت حضارة زاهية ومتقدمة.

لدى إسرائيل الكثير من الذين هاجروا من بلدان عربية. هؤلاء، ومن تحدروا منهم، يطربون للغناء العربي، ويطبخون ويأكلون كما في البلدان التي هاجروا منها. ولا تمانع إسرائيل في إذاعة أغاني أم كلثوم وتسمية شوارع باسمها، وحتى باسم محمود درويش وسميح القاسم. بعض الكتاب اليهود، في إسرائيل وخارجها، لديهم هوس بالتاريخ العربي. بعضهم أنتج كتباً حوله. بعضها يُعد من أفضل ما كتب حول هذا التاريخ. وبعضها كثير السلبية. بين الموضوعية والحياد، هناك حاجة دائمة للموضوعية لكي يأتي الحياد، أو الانحياز، مدعوماً بحجج قوية. أحدهم كتب واحداً من اهم الكتب حول اللغة العربية عندما كان استاذاً في جامعة القاهرة في ثلاثينيات القرن الماضي. بعدها انتقل إلى فلسطين ليقاتل مع الصهيونية. ولفنسون صار “أبو ذؤيب”.

إذا لم يسيطر العرب على ثقافتهم، فهناك آخرون مستعدون تمام الاستعداد للسيطرة عليها. نفقد السيطرة على ثقافتنا بالانغلاق على أنفسنا، بل نحكم على ثقافتنا بالموت. علينا النظر إلى الثقافة من خارجها لنستطيع النظر بعين النقد والتقييم. عندها نحاول أن نكون موضوعيين؛ ولا نكون موضوعيين إلا في هذه الحالة، أي عندما نقف خارج ثقافتنا، وعندها يكون الانحياز إلى ثقافتنا. والنقد على كل حال يكون باستخدام العلوم الغربية ومناهجها وأساليبها. مهمة المثقفين والباحثين كبيرة. لا تقل عن ذلك مهمة إنشاء وتسيير مراكز للبحث متعددة. التعدد وحده يتيح النقاش. لا فائدة من مراكز البحوث التي لا تسود فيها حرية النقاش المفتوح. عموماً، لا خير إلا في مجتمع مشرّع الأبواب والنوافذ، مقبل على ثقافة العالم. نحافظ على ثقافتنا، نفهمها، نعطيها معاني تفيد الحياة بالخروج إلى العالم وتبني ثقافة العالم، وهي الثقافة الغربية.

الموضوع سياسي. المجتمع المفتوح قرار في السياسة. هذه ليست مهمة سهلة. سياسة الحرية هي نقيض سياسة الاستبداد الذي تعاني منه مجتمعاتنا. استبداد ثقافي كما استبداد سياسي. على المثقفين والباحثين أن يدفعوا الثمن. نحافظ على ثقافتنا ليس لأننا نرثها كما هي بل في سبيل أن نتجاوزها. عظمة الثقافة هي في أن يتجاوزها أبناؤها. أن يفعلوا ذلك هم لا غيرهم. التطبيع طريق إلى عبودية جديدة؛ تبعية جديدة. لا ينفصل الأمر الثقافي عن السياسي. الحاجة ملحة إلى حكام مستنيرين وحكومات مستنيرة. هذا لا يكون مع الاستبداد، وان كانت كتب التاربخ تحدثنا عنهم؛ بالأحرى كتاب سيرهم المرافقون لهم. القضاء على الاستبداد مهمة ثقافية. تجديد الثقافة مهمة سياسية. سيطرة العامة وجهلة الحكام على الثقافة أدّت إلى انغلاقها. لا يعيش الاستبداد الا على المزابل الفكرية، وأهمها مزبلة الثقافة، مزبلة التاريخ. هكذا نعيش المرحلة. ستكون الحالة أسوأ مع التطبيع، لأن غيرنا سيصنع ويعيد صناعة ثقافتنا، ويعيد هوية التبعية إلى نفوسنا وضمائرنا.

التقصير الثقافي فادح. نتائج التطبيع ستكون أفدح. نحتاج إلى صنع ثقافتنا الجديدة. صنع أنفسنا. صنع هوية جديدة نابعة من ضميرنا. ولا يكون ذلك إلا بالتمرّد. التمرّد على سادتنا المحليين بالسياسة والثقافة، وعدم الفصل بين الثقافة والسياسة. علينا أن نزرع التمرّد في ضمائر مثقفينا. مراكز البحوث الحرة في البحث والاستنتاج ستكون أساسية في ذلك.
ألا نعجب من ندرة مراكز البحوث في مجتمعاتنا العربية؟ مجتمعات الاستبداد السياسي والثقافي. قديماً قيل أن هواء المدينة يجعل المرء حراً. الآن نقول أن هواء البحث الحر والتمرد يجعل المجتمع حراً.

ينشر بالتزامن مع موقع الفضل شلق

Exit mobile version