طلال سلمان

الاستاذ طلال سلمان… النهر الذي غاب وبقيت ضفّته في القلب

العزيزة أم أحمد، والأحبة هنادي وأحمد، وربيعة، وعلي وعائلاتهم.

الأصدقاء الاعزاء، الحضور الكريم،

كم هو صعب أن أتحدث عن الاستاذ طلال سلمان بصيغة الغائب، وأنا الذي لم أعرف أبا أحمد إلا حاضراً. حاضراً في أصعب اللحظات، وفي الأسئلة التي لم نجد لها أجوبة، وفي الأحلام التي تقاسمناها، وفي تلك المسافة الضيقة بين الخوف والأمل، حين كان الوطن يبدو أكبر من قدرتنا على احتماله، وأصغر من أحلامنا به.

أقف أمامكم اليوم لأتحدث عن رجل كتب الكثير عن الناس، لكنني لا أعرف كيف أتحدث عنه من دون أن أستعيد شيئاً من حياتي. فأبو أحمد لم يكن بالنسبة إليّ مجرد صديق، ولا صحافياً كبيراً أعتز بمعرفته، بل كان أخاً في الروح، ورفيقاً في الوجع والأمل، وشاهداً على عمر من الأحلام والانكسارات والنهوض. كنا كالنهر وضفّته؛ لكلٍّ منا طريقه، لكن كلاً منا كان يجد في الآخر ما يمنحه معنى الطريق. وكانت بيننا من الثقة والمودة ما يجعل الصمت أحياناً أبلغ من الكلام.

عشنا معاً زمناً لم تكن فيه الأخبار تصلنا على الورق وحده، بل من وجوه الناس، ومن المستشفيات المكتظة، والبيوت المهدّمة، والطرقات المحاصرة، ومن الأمهات اللواتي انتظرن أبناءهن ولم يعرفن إن كانوا سيعودون. كان أبو أحمد يحمل قلمه إلى حيث يصل صوته، وأحمل حقيبتي الطبية إلى حيث أستطيع الوصول. ولم تكن المسافة بين القلم والحقيبة الطبية بعيدة كما قد يظن البعض؛ فكلانا كان يحاول، بطريقته، ألّا يترك الإنسان وحيداً في مواجهة الألم.

وما زالت تسكنني أيام لا تمحوها السنون. أيام دخلنا فيها أماكن محاصرة، ولم نكن نعرف إن كنا سنخرج منها أحياء. وكانت الأخبار تسبق الحقيقة، ويصل إلى الأصدقاء أن كامل مهنا قد قُتل. كان بعضهم يصدق الخبر، لكن أبا أحمد كان ينتظر. ينتظر صوتي، أو خبراً يطمئنه، أو عودتي من مكان بدا الخروج منه مستحيلاً. وكم من مرة خرجت من الحصار لأعرف أنه ظل ينتظرني، وأنه لم يسمح للخوف بأن يقول الكلمة الأخيرة.

كان أبو أحمد ينتظرني كلما قيل إنني لن أعود. واليوم، بعدما رحل، صرت أنا الذي أنتظره، مع أنني أعرف أنه لن يعود. أنتظره كلما وقع حدث كنت سأرفع الهاتف لأسمع رأيه فيه، وكلما ضاقت بنا البلاد واحتجنا إلى كلمة واضحة، وكلما استعدت حديثاً لم نكمله. ولعل أصعب ما في رحيل صديق الروح أن العالم يستمر من حولك، بينما يبقى في داخلك موعد لا تستطيع إلغاءه، وانتظار لا تستطيع أن تنهيه.

أيها الأحبة،

لم يكن أبو أحمد صحافياً يراقب التاريخ من بعيد؛ لقد عاش أحداثه وتناقضاته، وجعل من «السفير» أكثر من صحيفة. كانت مساحة للكلمة الحرة، وللأسئلة الكبرى، ولأصوات الذين لا يجدون من يصغي إليهم. وكان يعرف أن الصحافة ليست مجرد نقل للأخبار، بل مسؤولية تجاه الناس، وأن الكلمة قد تكون وسيلة لتبرير الظلم أو لكشفه. وقد اختار أن يكون قلمه، بما حمله من مواقف وقناعات، قريباً من قضايا الحرية والعدالة وفلسطين وكرامة الإنسان.

أما أنا، فقد عرفت وراء عميد الصحافة رجلاً أكثر اتساعاً من ألقابه. عرفت أبا أحمد الذي يقلق على صديق، ويصغي إلى وجع إنسان بسيط، ويخفي أحياناً رقة قلبه خلف صلابة الموقف. كان يحمل في داخله شيئاً من لبنان الذي حلمنا به معاً: لبنان الذي لا تُقاس فيه قيمة الإنسان بطائفته أو ثروته أو قربه من السلطة، بل بإنسانيته وما يقدمه لمجتمعه.

وقد جمعنا، إلى جانب المحبة، إيمان بأن الصحافة والعمل الإنساني يلتقيان عند الإنسان. فكما حاولنا في «عامل» أن نكون إلى جانب الناس في حقهم في الصحة والحماية والكرامة، حاول أبو أحمد أن يمنحهم مكاناً في الكلمة وفي الذاكرة. كان يدافع عن حق الإنسان في أن يُسمع صوته، وكنا ندافع عن حقه في ألّا يُترك وحيداً حين يستغيث. وكان كل منا يعرف أن العدالة لا تكتمل إذا بقيت مجرد فكرة جميلة لا تغيّر شيئاً في حياة الناس.

واليوم، ونحن نجتمع في معرض الكتاب للاحتفاء بإصدار يتناول سيرته ومسيرته، أشعر أن في الأمر شيئاً من العدالة وشيئاً من القسوة. فالكتاب يعيد إلينا كلمات أبي أحمد ومواقفه، لكنه لا يعيد صوته حين يغضب، ولا ضحكته، ولا صمته حين تثقل عليه الأحزان. لا يعيد تلك اللحظة التي كان يطمئن فيها إلى أنني خرجت حياً من الحصار. فبعض ما يتركه الأصدقاء فينا لا تستطيع الصفحات أن تحفظه كاملاً؛ يبقى في القلب، في تفاصيل صغيرة لا يعرف معناها إلا من عاشها.

العزيزة أم أحمد، والأحبة هنادي وأحمد، وربيعة، وعلي ، والعزيز الاستاذ حسين. .

أعرف أن الكلمات لا تعوّض غياب من نحب، وأن الرجل الذي عرفه الناس عميداً للصحافة كان بالنسبة إليكم أباً وزوجاً وسنداً وبيتاً من المحبة. وأعرف أيضاً أن حزنكم عليه يحمل من التفاصيل والذكريات ما لا يستطيع أحد منا أن يبلغه. لكن اسمحوا لي أن أقول إن أبا أحمد ترك في حياة أصدقائه شيئاً من هذه العائلة أيضاً؛ فقد كان لنا أخاً وملاذاً، وكان حضوره يمنحنا شعوراً بأننا لسنا وحدنا في مواجهة قسوة الأيام.

يا أبا أحمد،

كم أفتقدك يا صديقي. أفتقد أن أتحاور معك ثم أعود إليك، وأن أحمل إليك خبراً أو قلقاً، وأن أجد في صوتك ذلك المزيج النادر من المعرفة والحدّة والحنان. أعرف أنك لو كنت بيننا اليوم لسألت عن الجنوب وغزة، وعن أحوال الناس، وعن البلاد التي ما زلنا نبحث لها عن طريق إلى العدالة والكرامة. وكنت سأجيبك بما اعتدنا أن نؤمن به معاً: إن الطريق طويل، وإن الألم كثير، لكننا لا نملك ترف اليأس.

لقد انتظرتني طويلاً يا أبا أحمد، في أيام كان الموت قريباً وكانت أخبار نجاتي تتأخر. وها أنا اليوم أنتظرك على ضفة أخرى من العمر، أفتش عنك في كلماتك، وفي صفحات “السفير”، وفي ذاكرة أصدقائك، وفي كل موقف يرفض أن يترك الإنسان وحيداً أمام الظلم. كنتَ أنتَ الذي ينتظر عودتي من الحصار، وصرتُ أنا الذي ينتظر عودتك من الغياب. وبين انتظارك وانتظاري عمر كامل من الصداقة، ومن المحبة التي لا يعرف الموت كيف ينهيها.

أشكر كل من أسهم في إعداد هذا الكتاب وإصداره، وبشكل الدكتورة مهى زراقط الوفية وكل من يعمل على حفظ إرث أبي أحمد الصحافي والإنساني. فتكريمه لا يكون باستعادة ما كتب وحده، بل بأن تبقى الكلمة مسؤولية، وأن تبقى الصحافة قريبة من الناس، وأن نحفظ للأجيال القادمة معنى أن يعيش الإنسان وفياً لما آمن به.

يا أبا أحمد، كنتَ النهر الذي رافقته طويلاً، وكنتُ ضفةً تعرف صوت مياهه. واليوم مضيتَ، وبقيتُ على الضفة أصغي إلى ما تركه مرورك في القلب.

سلام عليك يا صديقي، يا أخي في الروح، يا رفيق الأيام التي لا تُنسى.

شكراً لكم.

Exit mobile version