طلال سلمان

اسرائيل تُخرج “العرب” من التاريخ.. اعلان “الدولة القومية” يلغي فلسطين وشعبها..

خرج العرب من التاريخ، وهم على وشك الخروج من الجغرافيا ايضاً..

لقد غدوا شعوباً شتى، مقتتلة في ما بينها، مستسلمة للعدو سواء أكان الاسرائيلي المحمي بالأساطيل الاميركية والتنازلات العربية، ام الملوك والسلاطين والامراء والرؤساء الذين تنازلوا عن هويتهم القومية وثرواتهم الوطنية مقابل الحماية الاميركية..

فكيف تبقى فلسطين “عربية” ويصمد شعبها في مواجهة العدو الاسرائيلي والتنازلات العربية التي بلغت في حالات عديدة مستوى الخيانة والتفريط بالأرض الوطنية والهوية القومية والواجب الديني، حماية الارض المقدسة؟

من كامب ديفيد إلى البحر الميت في الاردن فإلى الاتفاق المبتور في اوسلو، كانت القضية المقدسة تخرج من المزايدة إلى المناقصة وقد خسرت بعض قداستها..

بالمقابل كانت دولة الكيان الصهيوني تكتسب المزيد من الشرعية والتسليم بأنها اقوى من العرب مجتمعين، وبالتالي فمن “حقها” أن تطلب المزيد من التنازلات التي تشمل اضافة إلى الاعتراف بوجودها في هذا المحيط الذي كان اسمه الوطن العربي وتم تبديل هويته ذات ليل فغدا اسمه “الشرق الاوسط”.. ثم اضاف الاميركيون إلى التسمية “الشرق الاوسط الجديد” بعاصمته اسرائيل، والواقع تحت الهيمنة الاميركية مع التسليم بحصة محددة ومحدودة لروسيا بوتين بعنوان سوريا.

في البدء كان خروج مصر من الصراع بمعاهدة كامب ديفيد تطوراً خطيراً فتح الصفحات لتاريخ جديد لهذه المنطقة تحتل فيه دولة الكيان الصهيوني التي رفض العرب ـ برغم الهزائم ـ الاعتراف بشرعيتها والتسليم بوجودها الا كدولة ـ عدو في هذه الارض العربية، تشكل تحدياً مفتوحاً لحقهم في ارضهم وبالتالي لهويتهم الجامعة، خصوصاً وقد نجحت في قطع التواصل البري بين المشرق العربي وعرب مصر وسائر دولهم الافريقية..

وعندما لحق الاردن بمصر فعقد معاهدة الصلح والاعتراف بالعدو الاسرائيلي انقسم العرب معسكرين: دول الخليج العربي بعنوان السعودية ادارت وجهها إلى الناحية الاخرى ثم تجرأت امارة قطر فاندفعت نحو الاعتراف بالكيان الصهيوني مع ضمانة قاعدة العيديد الاميركية فيها و”عدم اعتراض” الاخوان المسلمين (جدياً) على هذه الخطوة التي تحاذي “الخيانة” بالمفهوم القديم.

كان عراق صدام حسين مشغولاً بحروبه المكلفة: سبع سنوات عجاف ضد الثورة الاسلامية بقيادة الخميني في إيران. ثم “غزوة الكويت” التي كلفت انشاء “تحالف عربي” تحت لواء الولايات المتحدة الاميركية لإخراجه من هذه الدولة الصغيرة الغنية بالنفط، والتي تعاني من رفض العراقيين في البداية (اواخر الخمسينات اوائل الستينات) الاعتراف بها “دولة” والاصرار على انها “بعض المحافظة الـ 19 في العراق، أي محافظة البصرة”..

وبالتأكيد، وبالحكم على النتائج بمعزل عن المتسببين والمنتفعين فان هذه المغامرة العبثية وطدت الوجود الاميركي العسكري، الآن، فضلاً عن النفوذ السياسي الذي كان يتزايد باستمرار مع تراجع الاتحاد السوفياتي حتى زواله تماما، وعودة روسيا القيصرية بزعامة قيصرها الجديد بوتين، الذي اعاد امجاد ستالين وخروشوف معاً، وانتزع الاقرار الاميركي به “شريكاً”.

******

وكان الشرق الاوسط الجديد (كما تسمى بلادنا العربية الآن) محور صفقة الشراكة التي تضمنت طرفاً ثالثاً في موقع الشريك كامل العضوية: إسرائيل..

ولقد اثبتت التجربة، على امتداد السنوات الماضية، أن روسيا قد اعتبرت اسرائيل شريكاً ثالثاً في المنطقة، اضافة إلى سوريا وبعض مناطق النفوذ… أخذاً بالاعتبار أن الجالية الروسية التي نزحت إلى الكيان الصهيوني تناهز المليون نسمة ليسوا كلهم من اليهود وان كانوا من “المهاجرين”، بحيث يمكن اعتبارهم أكبر جالية جاءت من “الشرق الشيوعي” السابق الى الكيان الصهيوني.

ومع تراجع حدة “الحرب الباردة” حتى انعدامها تقريباً، نشأ نوع من “الشراكة” الاميركية ـ الروسية كان بين عناوينها، فضلاً عن دولة العدو الاسرائيلي.. سوريا، مع سماح أميركي لروسيا ومعها الصين بالتعاون مع دول الجزيرة والخليج مع “دول المعسكر المعادي ـ سابقا” بعنوان النفط والغاز، حيث يحتاج ملوك النفط والغاز روسيا المنتجة كميات هائلة من هاتين المادتين الثمينتين..

هكذا صار “الحليف الدولي الاكبر” للعرب بعنوان مصر وسوريا والعراق، ذات يوم من الستينات واوائل السبعينات والذي هجره العرب دولة بعد أخرى، صديقاً كبيراً لإسرائيل وشريكاً اساسياً للأميركيين في حمايتها وتأمينها، بعد خيبة امل روسيا من العرب وتخليهم عنها عند اول منعطف..

مع الاحتلال الاميركي للعراق، بالكامل، واسقاط صدام حسين وتسليمه للشيعة في العراق، تحديداً، لكي تكون فتنة بين السنة والشيعة تشغل العراقيين عن مقاومة الاحتلال، “تخلصت” اسرائيل من القوة العربية الثانية بعد مصر..

ثم بعد انفجار او تفجير الحرب في سوريا وعليها في العام 2011، انشغلت سوريا بجراحها، فزاد اعتمادها على روسيا التي عززت وجودها العسكري فيها، واتخذت من مطار حميميم على الساحل السوري قاعدة لها، بينما جاءت بشرطتها العسكرية لتشرف على “المصالحات” بين النظام والمعارضات المتعددة.. لكن ذلك لم يمنع سلاح الجو الاسرائيلي من الإغارة على ما كان يصفها “بالقواعد الايرانية في سوريا”..

******

برغم كل هذه التطورات فقد نجحت المقاومة الاسلامية في لبنان من اجلاء قوات الاحتلال الاسرائيلي من الاراضي اللبنانية التي احتل بعضها في شهر اذار (مارس) من العام 1978 ثم اجتاح معظم لبنان، بما فيه القصر الجمهوري في بعبدا، والعاصمة بيروت في حزيران (يونيه) 1982 لإخراج المقاومة الفلسطينية منه.. وقد “تطوعت” الولايات المتحدة الاميركية يومها بدور “الوسيط” لتسهيل خروج هذه المقاومة وقيادتها بزعامة الراحل ياسر عرفات عبر مرفأ بيروت إلى تونس حيث استقرت حتى اتفاق اوسلو، الذي سمح بعودة الزعيم الفلسطيني إلى ارضه المحتلة مع ما كان تبقى من “عسكره” الذي تحول إلى “شرطة” تمارس دورها القمعي تحت اشراف الاحتلال الاسرائيلي وبإدارته.

ولفترة معينة تبدى أن المقاومة الاسلامية في لبنان “حزب الله” المدعومة من ايران، هي القلعة العربية الأخيرة التي تقاوم تمدد الاحتلال الاسرائيلي و”التسليم” العربي بالصلح مع هذا العدو القومي والديني..

وهكذا شنت قوات العدو الاسرائيلي “حرب تموز” التي امتدت من 12 تموز (يوليو) حتى 14 آب (اغسطس) عام 2006.. وكانت حرب تدمير لمعالم العمران في معظم انحاء لبنان، خاصة جنوبه والضاحية الجنوبية لبيروت، وبعض الجبل والشمال، مع تركيز على خطوط امداد المقاومة التي تأتيها من إيران عبر سوريا.

وبرغم فشل هذه الحرب الاسرائيلية في تحقيق اهدافها، وأخطرها تدمير المقاومة التي يمكن أن تكون النموذج، فقد تذرعت الدول العربية بأعذار كثيرة حتى لا تشارك في صد “العدوان”، واكتفت بإيفاد وزراء الخارجية إلى بيروت عبر القاهرة وعمان حصراً، وفق الشروط الإسرائيلية.. وبعد جولة قصيرة عاد الوزراء كما جاء واكتفوا بإصدار بيان يكاد يساوي بين القاتل والضحية، ومن القاهرة لا من بيروت حيث الحرب، وحيث تم الاجتماع الخطير..

******

هذه بإيجاز، بعض المحطات لخروج العرب من التاريخ..

هناك اليوم أربع دول عربية، على الأقل، تعترف بدولة العدو الاسرائيلي التي أعلنها وأرادها ابتداء من الامس، رسميا، “دولة يهود العالم” و”الدولة القومية ليهود العالم” متجاهلاً وجود أكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني في الارض التي يريدها مطهرة من غير اليهود..

هذا مع التذكير بالملايين الاربعة (تقريبا) من الفلسطينيين في الضفة الغربية، (من دون ان ننسى ملايين الفلسطينيين الذين شردهم الاحتلال الاسرائيلي في اربع جهات الارض)..

إن اعلان العدو الاسرائيلي، دولته دولة يهود العالم، وعدم الاعتراف بأهلها ـ اصحابها الاصليين والثابتين فيها من العرب، هو بمثابة اعلان حرب على العرب مجتمعين..

ولكن أين العرب؟

لقد خرج العرب من عروبتهم إلى هويات مزيفة او مستعارة من النفط او الغاز او الطائفية او المذهبية، في حين جاء يهود العالم إلى فلسطين ليحتلوها ويحولوها إلى دولتهم القومية، بينما يتوزع العرب بين مصالح بالتخاذل او مصِالح بالرشوة ومتطوع بالصلح مجاناً..

“وطني لو شُغِلْتُ بالخلد عنه … نازعتني إليه في الخلد نفسي”

تنشر بالتزامن مع جريدتي “الشروق” المصرية و”القدس” الفلسطينية

 

 

Exit mobile version