طلال سلمان

  إبراهيم عامر.. بورتريه وأسئلة الذكرى الخمسين لاستشهاد كاتب صحافي مصري في بيروت

يوم 23 فبراير شباط 1976، وقف نقيب الصحافيين المصريين عبد المنعم  الصاوي خلال مواراة جثمان الكاتب والصحافي اليساري إبراهيم عامر ثرى بلاده،  ليحمل المسؤولية ” لمن تسببوا في خروجه من مصر” إلى بيروت وصحافتها ومخاطرها.

أصيب عامر في هجوم مسلحين من منظمة “الصاعقة” الفلسطينية الموالية للنظام السوري حينها، على مكاتب جريدتي “بيروت” و”المحرر” المتقابلتين “بالشياح” جنوبي بيروت 31 يناير كانون الثاني  1976، وذلك بعد نحو عشرة شهور، من اندلاع “الحرب الأهلية” بلبنان، وأيام معدودة من هدنة مراوغة بعنوان “المبادرة السورية”.

وكانت صحيفة “المحرر” صباح يوم الهجوم قد خصصت الصفحة الرابعة كاملة لتحقيق مصور بعنوان: ” بيروت تستعيد ثقتها بنفسها وتسير نحو الحياة الطبيعية”، بينما انتهت مجلة “البلاغ” من إعداد صفحاتها لطبع عدد 2 شباط، لتصدر حاملة عنوان “أسبوع الأمل الكبير”.

ظنوه عامل طباعة

بينما مات زميلة الفلسطيني الشهيد الكاتب الصحفي نايف شبلاق مدير تحرير “المحرر” في التو، لفظ الكاتب والصحافي المصري أنفاسه الأخيرة في العناية المركزة بمستشفى الجامعة الأمريكية بالحمرا 19 فبراير شباط من العام نفسه، متأثرا بمضاعفات استنشاق رئتيه دخان مواد محترقة بمطبعة جريدة “بيروت”، وإن كانت حروق الوجه والجسد اخذت في التماثل للشفاء، فبعثت أملا عند أسرته و أصدقاء وزملاء سرعان ما تبدد.

في العدد التالي لرحيله 20 فبراير شباط خصص صاحب “السفير” ورئيس تحريرها طلال سلمان المقال الافتتاحي “على الطريق” بالصفحة الأولى تحت عنوان “إبراهيم عامر”، كتب بتوقيع “السفير” ناعيا أحد مؤسسيها قبل عددها الأول 26 مارس آذار 1974: “حين نقل إلى المستشقى ظنوه عامل طباعة، كان الحبر على أصابعه، ورائحة الكلام تفوح من ثيابه، وكانت في جيوبه أوراق قليلة عليها بعض الكلمات”. وجاء بالمقال معلومات عن الشهيد تختصر رحله عمر لم يتجاوز الخمسة والخمسين عاما، من عامل في مصنع نسيج بكفر الدوار، فمناضلا نقابيا تحول إلى الصحافة مخبرا، فمحررا، فسكرتيرا فمديرا للتحرير، فمراسلا ومعلقا وباحثا ودارسا مجتهدا.. لايعرف أن يتوقف عن العمل.. عن الركض وراء الحقيقة”.

وعندما زرت مبنى “السفير” بالحمرا أوائل 2024، علمت بأن قاعة الاجتماعات الرئيسة تحمل اسمه، ومازالت لليوم، وبعدما توقفت الصحيفة عن الصدور نهاية 2016، وفاءا لذكراه وإسهامه في واحدة من أهم تجارب الصحف اللبنانية استعانة بالصحافيين العرب غير اللبنانيين، يتقدمهم المصريون.

قال لي أحمد طلال سلمان: “عند التأسيس كان مابين 30 و40 في المائة من الصحافيين (بالسفير) من غير اللبنانيين، فلسطينيون كناجي العلي و بلال الحسن والمصور أكرم هلال وسوريون كسعد الله ونوس،  أما المصريون فكان لهم إسهام كبير منذ التأسيس لعلاقات الوالد السابقة عندما كان يتردد على القاهرة”.

وهذا ما كانت عليه أحوال بيروت وثقافتها وصحافتها إلى نحو بداية التسعينيات. وهي ظاهرة لا تخلو منها صحافة اليمين اللبناني بمصطلحات هذا الزمان، كمجموعة إصدرات مؤسسة الصياد” وصحيفة “النهار”، وإن بدرجات أقل كثيرا مما كانت عليه صحف اليسار والحركة الوطنية حليف الثورة الفلسطينية وذات التوجهات العروبية، فهل من الممكن أن نتخيل هذا في بيروت اليوم؟

 شهيد الثورة الفلسطينية

المقارنة بين وداع بيروت والقاهرة استنادا إلى تغطيات عدد من الصحف والمجلات اللبنانية “كالسفير” و”المحرر” و”البلاغ” وبين صحف مصرية “كالأهرام” و”الجمهورية”، تفيد بأن عامر حظي باهتمام أكبر من زملاء بيروت، وبوداع وموكب جنائزي وإعلان عن تكريم بنقابة الصحافة بلبنان لم تمنحه بلده مصر.

لا شوارع القاهرة ولا صحفها، إلا بعض مقالات نادرة، ولا نقابة صحافييها منحت عامر ما يستحق بعد مسيرة مهنية استمرت  20 عاما في وطنه، مع أن بعض هذه الصحف تناقلت أصداء بيانات المقاومة والحركة الوطنية في بيروت التي منحته أوصاف: “شهيد الثورة الفلسطينية”، وفق قرار رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات، و”شهيد الصحافة العربية” كما أطلقت عليه صحف في بيروت، فالقاهرة وغيرها من العواصم العربية.

حتى “الأهرام”، حيث كانت تعمل زوجته الفلسطينية “جاكلين خوري” بالقسم الخارجي، اكتفت بخبر محدود الكلمات مدفون بالصفحة السادسة في عدد 22 فبراير شباط 1976 بعنوان “جنازة إبراهيم عامر تشيع في بيروت”، وإن وصفه المتن “بالكاتب المصري البارز”.

ربما وحده الشاعر ورسام الكاريكاتير صلاح جاهين من كتب بالأهرام مهتما، فخصص مساحة مربع رسومه اليومية بأعلى يسار الصفحة السابعة في عدد 21 شباط 1976 تحت عنوان:” إلى الزميل الشهيد إبراهيم عامر”، ونشر قصيدته “الموت في المطبعة” مع رسم بريشته لعامر رافعا قلما بيده اليسرى.

  جاء في القصيدة:

يامطبعة

يا معبد الديمقراطية العظيم

 على مذبحه

 قتلوا إبراهيم وكان خسارة إبراهيم

 هجم الوحوش

 حرقوا الورق واللي عليه من كلام

 بالرشاشات

كسروا المحابر .. دهسوا على الأقلام

ما يهمناش

الفكر عايش في من صميم الفؤاد

والمطبعة

لساها دايرة بكبرياء وبعناد

نزل الجدع

ما معاهش غير قلبه وغير الكفوف

صحفي أصيل

أعزل يدافع من صفوف الحروف

يا میت ندم

انفجرت فيه الحروف العزاز

فارت لهيب

طاشت رذاذ واتحولت سم غاز

آه يا صديق

يا للي ما عدناش تاني نسمع له صوت

إحنا كده

مانموتش غير

باللى احنا بنحبه موت 

رحلة عامر مع صحف بيروت استغرقت أقل من أربع سنوات، تنقل خلالها من “بيروت المساء” و”المحرر” و “السفير” إلى “بيروت”، وجميعها صحف  إلى جانب الحركة الوطنية اللبنانية المتحالفة مع الثورة الفلسطينية، وفي زمن الاستقطاب الحاد والصراع بالكلمة والسلاح مع معسكر اليمين الإنعزالي.

وجاءت النهاية في مطابع جريدة “بيروت”، التي كان منذ أيام معدودة قد بدأ العمل لإطلاقها، إذ كان “يختار دائما العمل في تأسيس الجرائد والمجلات”، كما جاء بمقال الأمين العام لاتحاد الصحافيين العرب كامل زهيري “بالسفير”، عدد 26 شباط 1976 تحت عنوان ” إبراهيم عامر شهيد الصحافة”.

  وجه آخر لصحافة بيروت

لكن بيروت المرحبة حد الغواية بالمثقفين والكتاب والصحافيين العرب حينها جراء ” أكبر هامش حرية وأحدث مطابع الصحف والكتب”، وحركة تدفقات الأموال من خارجها إليها، كان لها وجه آخر، يجعل من مغادرة كاتب وصحافي كإبراهيم عامر بلده  مصر إليها والاستمرار بها بعد اندلاع الحرب الأهلية نيسان 1975، مغامرة، بل ومقامرة بالحياة.

فخلال سنوات الحرب الأهلية الخمس عشر، راح نحو 29 صحافيا على الأقل ضحية الاغتيالات والتفجيرات والعدوان على دور الصحف، وفق إحصاء يمكن استخلاصة من كتاب “قصة الصحافة في لبنان” لصقر يوسف صقر الصادر من المركز العربي للمعلومات ببيروت ابريل نيسان 2010، ومن بينهم نقيب الصحافة اللبنانية ” رياض طه” 1980.

 ضبط نفس حديدي

بمراجعة سرديات الصحف اللبنانية عن الهجوم على مكاتب “بيروت” و”المحرر”، يلفت النظر كون الصحف المحسوبة حينها على اليمين، أو لنقل بعبارة أوسع أنها خارج اليسار/ الحركة الوطنية/ الثورة الفلسطينية، أغزر معلومات في تجسيد بشاعة الهجوم، وتعليقا للجرس في رقبة منظمة “الصاعقة” كما هو حال “الأنوار” في 2 فبراير شباط.  نقلت عن بيان لمجلس نقابة المحررين برئاسة النقيب ملحم كرم تفاصيل مروعة من قبيل وصف البيان للهجوم “بالمجزرة”، ومشاركة 22 سيارة “لاندوفر” تحمل نحو مائة مسلح، واستخدام القذائف الصاروخية ومتفجرات (تي. إن. تي) والمازوت ومادة سامة لإحراق المطابع. كما جاء عنوان الصفحة الأخيرة من جريدة”العمل” الناطقة باسم حزب الكتائب، بعدد 1 فبراير شباط 1976 على هذا النحو:” اشتباك بين العاصفة وجبهة التحرير: تدمير جريدتي بيروت والمحرر”.

أما صحف الحركة الوطنية اللبنانية والثورة الفلسطينية، فقد تبنت في الأغلب وصف المهاجمين بأنهم “عناصر غير منضبطة من الصاعقة”، جريا على المصطلحات التي اعتمدتها بيانات مكونات الحركة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها واجتماعاتها الطارئة المشتركة، وحملت هذه الصحف “العناصر غير المنضطبة” وحدها المسئولية عن “الحادث”، مع إنكار خلفية صراع البعثين السوري والعراقي، وحيث كانت الصحيفتان المستهدفتان محسوبتين على الأخير، وإن أكدت المصادر المختلفة أن عامر لم يكن بعثيا.

النفي نفسه حرص أن يشدد عليه صديق سنوات العمل “بالسفير” باسم السبع ( الوزير لاحقا)، الذي أوفدته الصحيفة لمصاحبة الجثمان إلى القاهرة، عندما التقيته في بيروت 22 شباط 2024.  إلا أن عدم الانتماء اليساري المصري لبعث العراق لا يدفع عن الصحيفتين المستهدفتين الهوى والتمويل العراقي. ولذا اعتبرت بغداد عامر وزميلة شبلاق، شهداء تلتزم بصرف معاش شهري لأسرتيهما، وأوفدت طبيبا إلى مستشفى الجامعة الأمريكية ليساعد في محاولة إنقاذ الكاتب الصحفي المصري.

في مقال بالصفحة الأولى “بالسفير” 1 شباط 1976 تحت عنوان “مع الكلمة ضد الرصاص”، كتب بلال الحسن ما يفيد أن اعتبارات سياسية حالت دون التصعيد ضد الفصيل الذي ينتمي إليه القتلة مرتكبي جريمة الاعتداء على “المحرر” و”بيروت”، وأيضا من يدعم هذا الفصيل “سورية”.

كرر الدعوة  إلى “ضبط النفس” مرتين، وأضاف إليها وصف “الحديدي”. كتب: “إننا نخاف على وحدة الموقف الفلسطيني أن تنقلب إلى صراع داخلي مرير”، وتمنى “للمبادرة السورية أن “تنجح نجاحا كاملا معيدة لبنان إلى أمنه واستقراره”. واختتم المقال بما يراه وغيره منطقيا وضروريا : ” أن نرد على الرصاص بالكلمة.. والكلمة دائما أقوى”.

ولعل أولوية ما هو سياسي جبهوي، وفي مواجهة اليمين الإنعزالي المدعوم أمريكيا وصهيونيا ومن حكام بالخليج وخطر الفوضى ومزيد من الدماء على لبنان والمنطقة،  تفسر كيف لم يتطرق المقال إلى التمسك بمحاسبة الجناة، ومنظمتهم، ومن يدعمهم؟ وضمان عدم إفلات استهداف الصحافة والصحافيين على هذا النحو.

لكن الإفلات من العقاب على استهداف الصحف وقتل الصحفيين والمثقفين المبدعين ظل من سمات الحالة اللبنانية الصحافية، قبل عامر وشبلاق وبعدهما. وعندما سألت عوني الكعكي نقيب الصحافة اللبنانية حين زرت مقر النقابة بالروشة 16 فبراير شباط 2024 قال:” تمت محاكمة قاتل كامل مروة 1965 وجرى سجنه، وربما هذه هي الحالة الوحيدة التي لم يتم فيها الإفلات من العقاب”.

أما بالنسبة لنظام البعثي السوري بالأخص، فقد امتد خيط الدم ليبلغ “سمير قصير” و ” جبران تويني” 2005. وأليس في هذا أيضا نوع من تدمير الذات ؟ تماما كما هو مفعول القمع والاعتقال والاضطهاد، الذي استهدف إبراهيم عامر والكثير من المثقفين المصريين بين 59 و 1964 داخل الوطن، وإن كانوا أكثر حظا من الشهيد شهدي عطية الشافعي، الذي اختار الكاتب صلاح عيسي عنوانا لسيرته مقتولا تحت التعذيب في معتقل الواحات 1960، هو: “الموت في تشريفة الحليف الوطني”، في إشارة للرئيس عبد الناصر.

سلطة تقتلك بقفازات زملائك

لكن ما الذي دفع عامر والعديد من زملائه المصريين بالأصل للمخاطرة بالحياة في بيروت؟

بالطبع هناك دوافع فكرية سياسية لهؤلاء اليساريين المصريين وراء الالتحاق ببيروت الثورة الفلسطينية وحلفائها الوطنيين والقوميين والتقدميين. وأيضا لا يمكن نسيان مفعول القمع بالقهر والحكم “بالموت المهني” ضد الصحافيين والكتاب والمثقفين المبدعين في بلدانهم، ولمن لاينصاع للسلطة داخل المؤسسة الصحفية والثقافية وخارجها، وصولا إلى الحاكم مطلق أو واسع السلطات المقدس، ولاينخرط في بناء أهرامات “عبادة الفرد”.

فقد كان بإمكان عامر وصحافيين مصريين، كالفنان حلمي التوني أحد فرسان تأسيس “السفير” بدوره، العودة إلى أعمالهم بمصر، وذلك بعدما أصدر السادات قبل حرب أكتوبر بقليل عفوا يعيد الصحافيين المطرودين إلى عضوية الاتحاد الاشتراكي، فالنقابة، فممارسة المهنة، فأماكنهم بالصحف، ولكن.

 في عموده “الدنيا هيك” بالصفحة الأخيرة  “للمحرر” 21 شباط 1976، وتحت عنوان “الأشجار تموت واقفة”، يشير الكاتب والناقد المصري غالي شكري إلى زيارة وزير الإعلام المصري أحمد كمال أبو المجد إلى بيروت ( 9 و10 أيار 1975): ” قالها (عامر) بصراحة كاملة للدكتور أبو المجد حين اجتمع مع الصحافيين المصريين: ليس بيني وبين مصر ما يمنعني من العودة، لست سياسيا يتعاطى الصحافة، بل أنا صحفي أولا وأخيرا، ومن هذه الزاوية لا استطيع أن أعمل من خلال صالح جودت ورعاية مصطفى وعلى أمين، وفي عهد إبراهيم الورداني”. والاسماء التي ينسب المقال إلى عامر ذكرها تنتمي لليمين العائد بقوة للصحافة والثقافة في مصر بعد حرب 1973، والشاعر والصحافي جودت، ممن أمسكوا بالسلطة داخل المؤسسة الصحفية والثقافية بمصر السبعينيات، والمصور ودار  الهلال تحديدا، حيث كان الشهيد.

فهل أراد عامر، ومن بعده شكري، لفت الانتباه إلى قسوة قتل السلطة الصحفي مهنيا ومعنويا وتجويعه وإذلاله باستخدام قفازات الزملاء؟ وأليس هذا الأسلوب مازال معتمدا في مجتمعاتنا العربية لليوم، وبينها مصر، أين تهيمن السلطة على معظم المجال الثقافي والصحافي، فتحدث تدميرا ذاتيا بحرمان المجتمع من الكفاءات والطاقات؟

تحذير من وصاية أمريكية زاحفة

في مقال للكاتب صحافي المصري نبيل زكي بعنوان “كلمات إبراهيم عامر الأخيرة” بعدد “البلاغ” 28 فبراير شباط 1976، ما يدعو للاستنتاج أن كتابات لعامر لم يكن  بالإمكان نشرها بالقاهرة، سواء تحذيره في أبريل نيسان السابق 1975 مما أحدثته الدبلوماسية الأمريكية من تمزيق للصف العربي ، ومن “الوصاية الأمريكية الزاحفة” على مصر بعد حرب أكتوبر تشرين الأول”، و”موافقة الحكومة المصرية على قيام الولايات المتحدة بمراقبة تحركات القوات المصرية في سيناء”، ما يجعلها بنص عباراته:” تجعل القوات المسلحة رهينة بين أيدي أجهزة التجسس والرقابة الأمريكية”.

بالعودة لمقالات عامر بالأرشيف الإلكتروني “للسفير” يتبين أن الاقتباس السابق من مقال “الوصاية الأمريكية” بعدد 10 يوليو تموز 1975، وحذر خلاله إبراهيم عامر، وكأنه يستشرف ما سيقدم عليه السادات لاحقا، من “وضع حد للاختيار العسكري” في المواجهة العربية ـ الإسرائيلية، ومن “القبول بقاعدة ( قطعة أرض مقابل قطعة سيادة) على غرار الثمن الإسرائيلي المشهور ( قطعة أرض مقابل قطعة سلام)”.

والملاحظ أن مقالي عامر جرى نشرهما بين اتفاقي فض الاشتباك الأول والثاني بين السادات وإسرائيل يناير كانون الثاني 1974 وسبتمبر أيلول 1975.

 تحولات معتقل المحاريق بالصحراء

في دراسة بالإنجليزية  أمدني بها الصديق عالم الاجتماع الياباني إيجي ناجاساوا، وله إسهامات بحثية منذ الثمانينيات عن مثقفي مصر وشيوعييها من جيل عامر الذي  ينتمى للحلقة الثانية من الحركة الشيوعية المصرية الممتدة من نهاية الثلاثينيات إلى حل المنظمات في 1964 والانخراط في الاتحاد الاشتراكي، نبه إلى ريادة عامر في استلهام نظرية نمط الانتاج الآسيوي والاستبداد الشرقي والمجتمعات النهرية المركزية وتطبيقها على مصر وتاريخها، و ذلك في كتابه ” الأرض والفلاح: المسألة الزراعية في مصر” الصادر من القاهرة 1958.

ينقل ناجاساوا في دراسته هذه “رسائل من الصحراء: ذكريات مصطفى طيبة” ما سمعه من اليساري المصري إبراهيم فتحي و كتبه اليساري المصري أيضا خليل كلفت أن كتاب عامر ” كان يمثل نظرة تاريخية متفردة خارج بقية الأدبيات الماركسية في العالم العربي،  وأيضا التاريخ الاجتماعي لمصر”.

باستثناء تحريره “موسوعة الهلال الإشتراكية”، الصادرة عن الدار الصحفية من القاهرة 1970، يلاحظ بمناسبة خمسينية استشهاده كونه توقف عن نشر كتب مؤلفة تتضمن تطوير إسهاماته النظرية والبحثية بعد خروجه من المعتقل 1964، ولم أعثر بمكتبة الجامعة الامريكية ببيروت إلا على كتاب وحيد صدر من دور نشر المدينة 1974 بعنوان: ” صراع الحيتان الكبيرة على الجزيرة الصغيرة: قبرص فلسطين أخرى؟ “، فلماذا؟

 أما كتاب اليساري المصري من الجيل نفسه مصطفى طيبة “رسائل سجين سياسي الى حبيبته”، الصادر من القاهرة 1980، فيروى قصة اللقاء الأول مع عامر بسجن المحاريق بالصحراء 1959، وكيف تمكن الاثنان القادمان من تنظيمين شيوعيين كسر جدار التوجس وتعليمات قيادتيهما بتجنب التعارف والاختلاط والحوار، ورحلتهما إلى التمرد على شكلية ” النقد والنقد الذاتي”، نحو طلب ديمقراطية داخلية، ومراجعات تسعي للتغلب على أمراض التشرذم والاعتقاد بامتلاك الحقيقة المطلقة، والإيمان المطلق بصواب القيادة، والتطبيع مع أخطائها دون نقاش أو اعتراض.

كتب طيبة عن عامر في رسالته 59 لحبيبته بالجزء الثاني من الكتاب: ” بعض الذين عرفوه ألصقوا به تلك الاتهامات التقليدية ( مراجع، مرتد، تروتسكي..ألخ)، وحين التقيت به لم يكن اسمي قد وضع بعد على لائحة هذه التهم، لهذا كنت أخاف منه”، ص 130.

 

وأضاف:” لكن رغبتي في المعرفة كانت تشدني للجلوس معه ساعات طويلة، اسمع منه خلالها إلى قراءاته العديدة والمتنوعة والتي لم أقرأها، ورغم أنني كل مرة كنت أضع التحصينات اللازمة حول عقلي حتى لايتأثر بكلام (المرتدين المراجعين المدانين من الأممية)، فقد كان بعض هذا الكلام يخترق تلك التحصينات، ويلتقطه عقلي ويختزنه”،ص 131. 

لاحظ ناجاساوا وتذكر طيبة أن إبراهيم عامر كان يساريا يحاول تجاوز أمراض التنظيمات الشيوعية التقليدية الأرثوذكسية والتعافي منها، فكرا وممارسة. ويلفت نظر من يطالع ست كتب منشورة له بالقاهرة بين 56 و1958، كيف اختار إهداءا واحدا لمؤلفيه الأهم:”الأرض والفلاح” و” ثورة مصر القومية” 1957، ونصه:

 ـ ” إلى ملايين الأيدي القوية التي تبنى المستقبل، مستقبل ابنائنا وبناتنا جميعا.

 إلى ملايين صانعي الحياة والسلم والأمل والحب .. حياة أبنائنا وبناتنا جميعا”.

ما يعني أن الكاتب اختار التوجه للناس “جميعا”، للمستقبل والأجيال القادمة.

 الملف رقم 237

 قبل نشر كتبه الستة بالقاهرة، وفي ديسمبر كانون الأول 1953، قبلت نقابة الصحافيين المصريين قيد وعضوية إبراهيم عامر، أي عشية الالتحاق بجريدة ثورة الضباط الأحرار “الجمهورية” مباشرة. وعندما راجعت ملفه بأرشيف النقابة، رقم 237، لاحظت ما خطه بيده بقلم حبر أسود عند التقدم بطلب الالتحاق بها، تعريفا بسنوات عمل صحفي سبقت بتسع سنوات ، بدأها في جريدة “السياسة” بين 44 و 1948 مترجما بقسم الأخبار الخارجية، ثم بجريدة “المصري” إلى حين التقدم للنقابة. 

إجادة عامر للإنجليزية والفرنسية، بينما توقفت مسيرته الدراسية بعد الحصول على البكالوريا/ الثانوية العامة كما يشير ملفه بنقابة الصحافيين، تكشف عن جلد وقدرات استثنائية على التعلم ذاتيا. وفي هذا قال الفنان حلمي التوني، عندما زرته بمستشفى يعالج بها في القاهرة مارس آذار 2024 قبل وفاته، أن عامر أبلغه يوما ما بكيف كان يحفظ قواميس اللغتين الإنجليزية والفرنسية، ويدمن الاستماع إلى الإذاعات باللغتين الإنجليزية الفرنسية؟

كما كتب عامر بخط يده في ملف النقابة:” من أكتوبر 1948 ـ أغسطس 1950 مراسل جريدة (المصري) بالهند وجنوب آسيا ـ معين بإذاعة الهند العربية في نيودلهي ـ محرر بمجلة ( ثقافة الهند) في دلهي”. ومن جانبه أشار ناجاساوا، في دراسته نقلا عما استمع إليه من إبراهيم فتحي، أن فكرة نمط الانتاج الآسيوي ربما وصلت إلى عامر عندما عمل بالهند، و إلى جوار صحفي هندي حدثه عن الفكرة.

لكن التحول الذي جرى لعامر، كما طيبة، نحو نقد أمراض التنظيمات الشيوعية بمصر، الأرجح أنه تطور بعد دخول المعتقل ضمن حملة عبد الناصر الكبرى ضد الشيوعيين فجر رأس سنة 1959 لاختلاف المواقف السياسية من ثورة العراق/ عبد الكريم قاسم والوحدة المصرية السورية. وهذا لأن ثلاثة من الكتب الستة قبل المعتقل مترجمة من الإنجليزية بإذن من “مؤسسة نشر الكتب الشعبية السوفتية بموسكو”.

 بيروت غير ما كانت

خلال زيارتين إلى لبنان بين 2023 و2026 امتدت الأولى ثلاثة أشهر والثانية لشهرين، تتبعت سيرة الشهيد إبراهيم عامر وصحافيين مصريين آخرين جاءوا للعمل في صحف بيروت خلال الحرب الأهلية، وعلى الرغم من مخاطرها، ماقبلها بسنوات.

حينها، ألحت مقارنات مع صحافيين مصريين شباب لجأوا إلى بيروت بعد صيف 2013، معظمهم أمضى سنوات في المحابس، والمحظوط بينهم ملاحق ولو بالمنع من النشر والحصار والاختناق و”الموت المهني” والتجويع، وبأشباح الخوف من الأسوأ في الشوارع وداخل البيوت، وعند الدخول والخروج من مطار القاهرة.

لذا افترض بعد مقابلات وحوارات مع هؤلاء الشباب، أن اختلاف أحوال بيروت وصحافتها بعد الغزو والشراء  البترودولاري الخليجي، وبالأخص السعودي، للكيانات والنخب، وكذا ظهور إيران آيات الله منذ 1979 كقطب منافس مناوئ لآل سعود بلبنان والمنطقة، وانفراد إسلاميي حزب الله بالمقاومة، جعل من بيروت بالنسبة لشباب الصحافة المصرية القرن الحادي والعشرين مجرد “صالة ترانزيت”، إلى حين قبول اللجوء لدول أوروبية وكندا.

إذن ألم تعد بيروت ما بين الستينيات ونهاية الحرب الأهلية 1990، هي بيروت التي يقصدها منذ سنوات صحفيو مصر الهاربون من جحيم بعد صيف 2013؟ وحتى لو كانوا من غير الإسلاميين، أو بالأصل نقاد ومعارضون للإخوان، أو صحافيون مستقلون بلا انتماء فكري أو سياسي محدد. 

 ولأن بيروت لم تعد كما كتب عنها المسرحي اللبناني روجيه عساف، في ورقته المعنونة “العمل المسرحي والسياسي للبنان” المؤرخة بعام 2007: ” العاصمة العربية الوحيدة حيث تجد المطالب الديمقراطية والتحررية والقومية والاجتماعية حيزا للتعبير عنها ومنبرا لمخاطبة العالم… ومركزا لالتقاء القوى الفكرية الحركية ومختبر تحولها إلى روائع تاريخية”، وكما كان يقول الصحافي والناشر رياض الريس:” كنت صاحب مهنة لم يكن مسموحا بممارستها إلا في لبنان، وكان لبنان يعتز في ذلك الزمان بأنه أمسى البلد الوحيد في العالم العربي القادر على احتضان صحافة حرة”.

في مارس آذار 2024، زرت حي الشياح جنوبي بيروت، واهتديت بصعوبة إلى ما اعتقدت أنه المربع الذي كانت تقع به مكاتب جريدتي “بيروت” و” المحرر” 1976، وشهد إصابة  إبراهيم عامر المميتة، سألت غير شخص من سكان الحي وأصحاب المحلات، وبخاصة من كبار السن، لكن لم أعثر على أثر لهما، أو بالأدق تلقيت معلومات متضاربة ممن قالوا بأنهم يعرفون ويتذكرون، وكأن من كثرة ما مر ويمر بنا أصبحنا بلا ذاكرة. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*) تم النشر الساعة الثانية عشر إلا دقيقة ليل الخميس 19 فبراير شباط 2026 بصفحة الفيس بوك،  احتراما لذكرى الشهيد إبراهيم عامر في خمسينية رحيله ببيروت 19 فبراير شباط 1976، وأيضا  التزاما بأبجديات مهنة الصحافة.

(**) صورة المرحومين الأستاذ عامر ( إلى اليمين) و الأستاذ طلال سلمان من أرشيف جريدة “السفير، و يتعين الشكر لكل من تعاون في أرشيفها، وكذا أرشيفات الجامعة الأمريكية، و جامعة الكسليك في بيروت، و أرشيفات دار التحرير/ صحيفة الجمهورية بالقاهرة ونقابة الصحفيين المصريين.

تنشر بالتزامن مع السفير العربي

Exit mobile version