طلال سلمان

آن وقت إعلان “نقابة الصحافيين اللبنانيين”


يوم الثلاثاء الماضي 15 كانون الثاني، إلتأمت الصحافة اللبنانية بجناحيها (مجلس نقابة الصحافة ومجلس نقابة المحررين) بمبادرة من النقابة الاولى برئاسة النقيب عوني الكعكي على رأس وفد من الزملاء الأعضاء لتهنئة مجلس النقابة الثانية المنتخبة برئاسة النقيب جوزف القصيفي وزملائه الأعضاء.

على أعلى درجات الود والإحترام المتبادل كان اللقاء، وقد حضرت مهنة الصحافة بكامل وجوهها الذاتية والمعنوية، وعلى مختلف قضاياها وهمومها، وطموحاتها، وهي بالنتيجة قضية واحدة، وهمّ واحد، أما الطموحات فهي متعددة، وكذلك الأمنيات، وأولها أن تتحد النقابتان في نقابة واحدة، فتصير (نقابة الصحافيين اللبنانيين) كما في جميع دول العالم، المتقدمة، والمتخلفة، إذ ليس في العالم، حتى المتخلف، (نقابة صحافة) أو (نقابة محررين). هناك نقابات صحافيين. وهناك جمعيات مراسلين للعاملين في الصحافة خارج أوطانهم.

وحدها الصحافة اللبنانية في العالم تعيش هذا الانقسام، أو الانفصال القسري، ولو على تفاهم وتعاون بين مجلسي النقابتين، وقد كانت هذه الصحافة اللبنانية بجناحيها المنشطرين، حتى في حالات الضيق، والخطر، والأذى، تواجه الحاسدين، والظالمين، والمفترين، بوقفة واحدة، وبصوت واحد، دفاعاً عن مبادئها، وعن رسالتها، وإن إختلفت المبادئ، والرسالة (وأحياناً المصلحة).

ولعلها، بل إنها، هذه الصحافة اللبنانية، أعطت شعبها، والعالم العربي الذي تنتمي إليه، كوكبة، بعد كوكبة، من الشهداء الابطال الذين نذروا اقلامهم، وأفكارهم، ومبادئهم، ودماءهم وأرواحهم، دفاعاً عن حقوق شعبهم، وعن شعوب شقيقة، وصديقة، بالحرية، والكرامة، والعدالة، والتقدم.

ومن دواعي الحزن، والاسى، ان كل ذلك الرصيد من الشهادات والتضحيات يتحول، سنة بعد سنة، تذكارات، تمضي مع الزمن، ومع عبور الاجيال، جيلاً بعد جيل، حتى تصير صفحات لتاريخ يظل مفتوحاً على حلم لا تدري هذه الأجيال متى يتحقق.

ما جرى في لقاء التهنئة بين “نقابة الصحافة” و”نقابة المحررين” كان مثيراً لاهتمام الصحافيين اللبنانيين المقيمين والمنتشرين في جميع أنحاء العالم، بدءاً من عواصم دول الخليج العربي ومؤسساتها الرحبة التي ما تزال تصدر مطبوعاتها على الورق، كما على “الانترنت”.

فقد تحولت زيارة التهنئة جلسة مراجعة وتبادل آراء بين الزملاء على الجهتين: نقيب الصحافة الزميل عوني الكعكي قال “ان الصحافة رسالة وليست تجارة”. وهذا رأي أدبي معنوي محترم، لكن الصحافة، في تدرجها مع العصر ومجاراة أحكامه تحولت صناعة متطورة ملزمة بشروط التفوق التقني والإعلامي، وهذه الشروط تجعل الصحيفة والصحافي رهينة اللحظة على مدى الزمن.

ولم تغب الرؤية المشتركة عن اللقاء لمواجهة التحديات الاعلى من الامكانات لتستمر الصحافة اللبنانية الورقية في مسيرتها الصعبة، وكانت الآراء المطروحة واقعية للنهوض مع ما يتطلب ذلك من دعم مادي وتقني، على ان تعقد النقابات جلسة مشتركة يوم 15 شباط المقبل في دار نقابة الصحافة لمتابعة خطة النهوض بالمهنة وحمايتها، على أن تشكل كل نقابة لجنة لهذه المهمة الصعبة.

لكن، مع الاحترام التام للنقيبين وللزملاء والزميلات الأعضاء، ومع التقدير للنقابة المشتركة بين الجهتين، لا بد من المصارحة والمشاركة في الرؤية والرأي، والبداية من الخطأ الأساس، وهو في بنية كل من النقابتين:

فالصحافة اللبنانية هي إحدى خمس مهن حرة ينص النظام (ordre) على تأسيسها، وهي: نقابة المحامين، ونقابة الأطباء، ونقابة الصحافيين، ونقابة المهندسين، ونقابة الصيادلة.

وببساطة نلاحظ، بل نكتشف، ان كل مهنة من المهن الأربع يُعرف عنها باعضائها شخصياً، أي: نقابة المحامين، ونقابة الأطباء… لا نقابة محاماة، ولا نقابة طب، ولا نقابة هندسة…

أما مشكلة الصحافيين اللبنانيين فهي إعطاء الصفة للمهنة، وليس للصحافي… وعلى هذا الخطأ الواضح الفادح تأسست “نقابة الصحافة” و”نقابة المحررين”، في حين ان هذه المهنة هي مهنة الصحافيين، وليست مهنة “الصحافة”، وعلى هذا الخطأ الفادح تداول الصحافيون اللبنانيون، محررين، وأصحاب صحف صحافيين، على نقابتين منذ نحو سبعة عقود.

والآن حان وقت تصحيح ذلك الخطأ لتنهض “نقابة الصحافيين اللبنانيين” الذين يفوق عددهم الألف، على أن يكون لاصحاب الامتيازات السياسية، اليومية والاسبوعية، والمجلات غير السياسية الاسبوعية، والشهرية، والفصلية جمعية يعود لهم إختيار إسمها، ووضع قانونها، وحقوقهم.

وهذا وقتنا، نحن، الصحافيين السياسيين، المستحقين صفة المهنة بسنوات أعمارهم وجنى أقلامهم، لنسترد صفتنا، وبيننا عدد محترم من أصحاب الامتيازات الصحافية السياسية / اليومية والاسبوعية، وهم، في عمق شعورهم المهني الطويل والعريق، يسعدهم أن يكونوا زملاء، لا أصحاب إمتيازات مضت سنوات على احتجابها بسبب إنتهاء فرص إستمرارها مع إرتفاع هائل في كلفة صدورها من دون ضمانة حد أدنى من مردودها.

فنحن لسنا ضحايا مهنة الصحافة أبداً. نحن ضحايا إستلابنا أقلامنا، وعقولنا، وعافيتنا، ونور عيوننا لحساب تشييد الدور الصحافية، وتعاليها، كي ندخلها، ونحن نتطلع إليها، ونحسب كم إستلبت من أعمارنا، ومن عافيتنا، ومن هناء معايشة عائلاتنا، وقد نشأ أولادنا وأحفادنا في حرمان حضورنا ومشاركتنا سهرهم، ومراجعة دروسهم، والتمتع بانسهم ولطفهم، ومراقبتهم وهم يكبرون في غيبتنا الليلية، سنة بعد سنة، حتى كبروا فننظر إليهم وكأنهم كانوا في غربة، ونحن الذين عشنا في غربة عنهم.

ولماذا لا نقول الكلمات بمعناها الواضح والصريح: فمن حرير أقلامنا، وغزارة أفكارنا ونقاء ضمائرنا، ووجداننا، وبارواح الشهداء منا، تعالت دور ومؤسسات، وحين ضاق ببعضها نقص ضئيل بالمداخيل تعالت أصوات التهويل، وكأنها الكوارث، بل ان بعضها ذهب إلى حد المطالبة بالتعويض والدعم، وإلا التوقف، وصرف الصحافيين، والإداريين، والعمال، والمصورين، والمراسلين، والمخرجين الفنيين، مع الإحتفاظ بحق الادعاء على من كان السبب!

قد يقال، وقد يكون من الصعب، أن يحصل الصحافيون المظلومون على جزء من حقوقهم على مدى سنوات من أعمارهم، وبينهم من يتساءل إذا كان الصديق الأول للصحافيين اللبنانيين الرئيس نبيه بري، وعدد من النواب المعروفين بصلاتهم الوثيقة معهم، على استعداد لإعادة النظر في قانون الإعلام اللبناني، بحيث تُلغى “نقابة أصحاب الصحف” ونقابة “محرري الصحافة” لتنشأ “نقابة الصحافيين اللبنانيين” فيستعاد بعض حقوقهم، ويتساوى الصحافيون اللبنانيون مع زملائهم في الدول التي تحترم مهنة المتاعب والتضحيات، حتى الشهادة.

هناك 128 نائباً وعشرات الوزراء الذين يدينون بالثقة والأمانة والإخلاص مع الصحافيين اللبنانيين.

والأمل معلّق على من يأخذ المبادرة.

فهذا وقت إنصاف الصحافيين باجراء دستوري يضمن إعلان تأسيس “نقابة الصحافيين اللبنانيين”.. وهذا حق دستوري ووطني مشروع، كما في سائر الدول المتمدنة، وفي الدول البائسة..

“نقابة الصحافة” و”نقابة المحررين” عنوانان لا يليقان بالشعب اللبناني وبالدولة اللبنانية في عصر الصحافة الضوئية.

تنشر بالتزامن مع جريدة الانباء اللبنانية

Exit mobile version