Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

قراءة سياسية لتدهور الليرة: الاضراب والسياسة

رمزي هو وضع الليرة، إنها نحن، إنها الدولة والحكم والحكومة والمؤسسات. ما يصيبها من تدهور واضمحلال وانعدام قيمة هو تجسيم لما يصيبنا نحن بالذات. إنها صورتنا وعنوان حالتنا وملامح مستقبلنا البائس.

وسياسي إلى أقصى حد هو وضع الليرة، أما المعطيات الاقتصادية فتأتي في الدرجة الثانية أو حتى العاشرة.

ولأنه شأن سياسي فقد سمحنا لأنفسنا أن نتحدث فيه متجاوزين الاختصاص، خصوصاً وإن أخواتنا الاقتصاديين هم الأعرق في علم السياسة!

….

المشكلة سياسية والعوارض، أو النتائج اقتصادية.

ولأن المشكلة سياسية، أولاً وأخيراً، فمسؤوليتها معقودة اللواء للمسؤول السياسي الأول في البلاد، رئيس الجمهورية، ثم بعده يمكن الحديث عن مسؤولية “الأفرقاء” شرقاً وغرباً، الذين ربما كانوا بين المستفيدين من استمرار الأزمة ومن تعقيداتها ولكنهم – وبغض النظر عن ادعاءاتهم – يحتلون المرتبة الثانية والثالثة وما بعد…

ثم إن دهاقنة الاقتصاد والمال والأعمال لا يقلون مسؤولية وإفادة من السياسيين، بل  لعل بعضهم يتقدم على “الزعماء”، دون إغفال حقيقة إنهم – في الغالب الأعم – شركاء دفنوا “الشيخ زنكي” معاً، وأتقنوا لعبة أن يسبقونا على الشكوى والتذمر من سوء الحال والاقتراب من حافة الجوع.

بالمقابل فإن ثمة من يلعب لعبة خطيرة ملخصها: طيب!! طالما إنهم يعملون لتدمير البلاد والعباد فلنسبقهم إلى أداء هذه المهمة “الجليلة” !! يا الله… علي وعلى أعدائي يا رب!! ولنثبت إننا الأمهر والأشطر والأقدر على توظيف هذه الكارثة في خدمة أهدافنا نحن بدلاً من أن تكون في خدمة أغراضهم الخبيثة!

ومن الواجب التنبيه إلى مخاطر لعبة الاضرابات والاندفاع فيها في اتجاه المجهول، وإلى تقسيم الضحايا معسكرين يقتل بعضهم بعضاً بينما “الجناة” والمستفيدون بألف خير: أرصدتهم في الخارج أصلاً، ومنذ أمد بعيد، ومصالحهم مؤمنة حتى لو قضى آخر اللبنانيين نحبهم جوعاً، وأرباحهم تتزايد حتى لو تناقصت مساحة لبنان إلى حد الاندثار.

إن التلفيق لا ينفع في طمس الجريمة والمسؤولية عنها،

وإعادة اكتشاف الحقائق الطبقية لا تفيد في طمس العوامل السياسية أو المسؤوليات السياسية للقيادات جميعاً، ودائماً بدءاً برئيس الجمهورية.

إن الداعين إلى الإضراب والمتحمسين له والمحتدشين في ساحة المطالبة بالمطالب الأبدية لبعض الفئات خليط عجيب غريب وهجين ومتناقض الأهداف السياسية.

ومن التبسيط القاتل أن يقال إن الحقائق الطبقية في بلد يكاد يكون بلا طبقات محددة، بالمعنى العلمي، قد طغت على عوامل الانقسام السياسي.

إن تزايد عدد المتحمسين للإضراب، والداعين إليه، يفرض شيئاً من التدقيق في استهدافاته.

إنه إضراب سياسي، أولاً وأخيراً،

فلندقق في وجهته السياسية، في طبيعة القوى الداعية إليه، وفي النتائج السياسية المحتملة له.

فلا أحد يُضرب من أجل أن يبعد الرغيف أكثر عن مدى تناوله،

ولا أحد يُضرب لأهداف تناقض طموحاته السياسية.

فهل ثمة مجال بعد لقليل من التعقل بحيث يظل المسؤول هو المسؤول ولا تضيع الطاسة ويضيع ما تبقى من أهداف وأمنيات وأحلام في وقف الانهيار بعد حين؟

….

إنها ساعة للجد واحترام جوع الجائعين، وليست فرصة لأن يزرع السياسيون في رأس بعض القيادات النقابية أوهاماً سلطوية تسرّع وتيرة الانهيار وتفاقم أسباب الانقسام والاقتتال الأهلي.

فالرئاسة، الآن، السبب الأول في الكارثة التي تطحننا،

ولسنا نريد أوهام الرئاسة، في غد، سبباً لاستمرار الكارثة حتى اندثار آخر مواطن وآخر شبر في الوطن.

مقاطع من مقال نشر في جريدة “السفير” بتاريخ 29 تشرين الأول 1987

الردود: 3
  • Wael Kayyali
    22/03/2021

    أعتقد أن النسبة الأصغر من أزمة لبنان تعود للداخل. ليس لأن الداخل يريْ بل لأن الوضع الأميريكي بعد التطبيع لم يعد بحاجة للبنان الوسيط كما كان سابقاً. بل ان ما اعتاد عليه اللبناني في الماءتي سنه الفائته من تبعية للغرب لتراكم ثروته لم يعد ممكناً. التقدم المبهر للصين و التراجع المبهر أيضاً لأميريكا في كل المجالات ماعدا تراكم المال الافتراضي جعلها في موقف حرج.
    العالم يتغير يومياً, و من لا يسنطيع أن يتابع التغيرات يترك جانباً. الشعب العادي يريد التغيير أما اكثر الطبقة الحاكمة فهم يعيشون آخر ايام الديناصورات و يتمسكون ببقايا الحيات حتى الرمق الأخير.

  • شيف
    22/03/2021

    لو كان حكام العرب عرباً، لتوحدوا وافادوا شعوبهم بثرواتهم الطائلة، بدلا من توزيعها على اعداء شعوبهم لحمايتهم من اجل باقائهم في الحكم، في الوقت الذي بلدانهم تعاني من الفقر والتخلف، وشعوبهم جائعة.

    هنيئاً لتونس وشعبها الشقيق.
    عندما كنت اكتب وهذه السطور سمعت الإداعة الفرنسية تقول : “تونس اطلقت هذا اليوم الى الفضاء اول قمر صناعي عربي، بصُناعة تونسية محضة.
    هل للأنظمة العربية ذرة من الذكاء ليأخدوا عبرة من تونس ويعوِّلون على انفسهم كي يصنعون المعجزات بطاقاتهم المادية والبشرية ؟
    بدلا من انفاق اموالهم على الآخرين يستطيعون ان يطوروا بها بلادهم ويفيدون بها شعوبهم.
    الغربيون يطورون اقتصادياتهم بثروات العرب، ثم يبيعون لهم ما انجزوه بفضل اموالهم !
    أليس موت هذه الأنظمة انفع من حياتهم ؟

  • شريف
    22/03/2021

    عندنا في الجزائر مثل شعبي يقول:
    “من يعتمد على ثياب الآخرين يبقى عريان”.

شارك رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *