Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

انطباعات.. الرتابة

حاولت وفشلت. حاولت على مر السنين اقناع مسؤول النظافة في مكتبي بأن بعض الفوضى في ترتيب وضع طفايات السجاير وغيرها من قطع الزينة مطلوب. فشلت معه ومع المسؤولة عن النظافة في منزلي. كلاهما أصر ويصر على أن لكل طفاية أو علبة حلوى ركنا، وأن الذوق الحسن يفرض اصطفاف الأشياء في خطوط مستقيمة. لم أنس بعد محاولات تلقيننا ونحن أطفال ضرورة ترتيب العابنا الخشبية بعد الانتهاء من اللعب في “صفوف عساكر”. بقيت استخدم هذا التعبير إلى يومنا كلما رأيت أشياء غرفة مكتبي وقد اصطفت تتحدى رغبتي الجامحة دائما إلى نفحة من الفوضى.

***

عشت حياتي مقتنعا أن الرتابة عدو الابداع. كنت من هواة مراقبة صفحة النجوم في السماء عندما كان ممكنا وممتعا رؤية النجوم تتلألأ وتتساقط وتتبادل المواقع، أو هكذا هيئ لنا. قيل لنا ونقول الآن لصغارنا إن الخالق لو أراد لاصطفت النجوم صفوف عساكر ولكان المنظر رتيبا ومملا. كانت على العكس الدرس الأول في العلاقة بين الخلق والابداع والتجديد من جهة  والفوضى المنظمة من جهة أخرى. أذكر اعجابي الشديد بأرصفة الزلط الملون في حديقة الحيوان حين كان مهندسو البلدية أو وزارة الزراعة يتمتعون بذوق رفيع فابتعدوا عن الرتابة وقدموا لنا كأطفال نماذج جميلة بقيت محفورة.

***

يفضل بعض الأهل والمعلمين الطفل الذي يمكن التنبؤ بتصرفاته، وهو في الغالب طفل لا يغامر ولا يبادر، طفل منضبط يحفظ القواعد ويعرف مكانه بين زملائه فلا يتخطاه، هو  الأول دائما أو الأخير دائما، هو المطيع والهادئ والملتزم الصف. هو كالصندوق المفتوح لا لغز فيه ولا أسرار. يكبر فينضم إلى سلالة من الرجال تفضلهم النساء أزواجا والحكومات المستبدة رعايا. يشيخ فلا تراه أو تقابله إلا في زوايا النسيان. عاش عمره يفكر كالواقفين في صفوف العساكر أو بمعنى أدق ينتظر الأمر ليفكر، يخاف إن جرب التفكير خارج الصف أن يراه القائد، فالقائد في حياته منذ طفولته وحتى شيخوخته يعرف فيما يفكر ومتى، أمه كانت تعرف ومعلمه ورئيسه وقائد صفه.

***

عشت في مجتمعات لا تعرف الرتابة وعشت في مجتمعات رتيبة. شتان بين الحياة في هذه وتلك. عشت أخشى وأتفادى المدن التي تنام في السابعة. عشت أعشق المدن التي لا تنام ومن بعدها المدن التي لا تنام إلا بعد انتصاف الليل. من المدن التي كانت تنام مبكرا عرفت معظم مدن شمال أفريقيا وبكين وبلغراد وسنتياجو عاصمة شيلي أسمع الآن أنها تتغير. من المدن الأخرى عرفت القاهرة لا تنام مبكرا وبيروت وبوينس آيرس ونيويورك وباريس وروما. عشت أيضا في مجتمعات اختارت أو خضعت لفترة رتابة وهي في الأصل كارهة للرتابة. أذكر بالتحديد المدة التي خضعت فيها مصر لرتابة طويلة حتى ضجت بالملل وانفجرت. لا شك  أيضا في أن أكثرنا يراقب بالألم الرهيب حجم العنف الذي أغرق بالدم والدمار المدن السورية والعراقية كافة بعد عقود من رتابة متوحشة فرضت على الشعبين.

***

أقول دائما، وعن خبرة، إحذروا غضب طفل شعر بالملل. حذرت أيضا من عواقب حالة زواجية “رتيبة”. إبعدوا الرتابة بكل تجلياتها وفي كل صورها عن عائلتكم. يقول صديق إنه أنقذ زواجه حين جعل وزوجته  التغيير المستمر نمط علاقتهما وتصرفاتهما بدلا من نمط  التمسك بالمألوف والعادي، أي الرتابة. سمعت وجربت حتى تأكدت من أن الفرد منا يمكن أن “يزهق” من نفسه إذا التزم الرتابة في حياته مددا أطول من اللازم. طبيعي جدا ومنطقي أيضا أن يتمكن مني “الزهق” إذا قضيت مع نفسي وقتا لا أجددها فيه أو أمارس معها عملا خارجا عن المألوف والمعتاد. النفس  أمارة بالملل. والملل، كما نعرف،  أمار بالسوء. تعلمت أن الانسان يضمحل عاطفة وذكاء إذا لم يعاشر غيره من بني البشر. النفس وحدها موحشة إذا  استفردت بنا  أو استفردنا بها ورفضت أن تتغير.

***

قرأت عن كتاب لأستاذ يحاضر في تاريخ الصين لطلبة في جامعة هارفارد. ينقل البروفسور مايكل بويت عن كونفوشيوس ازدراءه النفس بقوله إننا نخدع “أنفسنا” حين نتصور أن مقدراتنا ملك أيدينا . أكثرنا يزعم أنه يستطيع التحكم في مستقبله إذا ركز بالقدر الكافي على “نفسه” وتوغل في أعماقها لترشده وتوجهه نحو المصير الأحسن. حجتنا أن طبيعتنا الصافية موجودة في أعماق النفس. هذه الحجة، في عرف كونفوشيوس، كلام فارغ. الموجود في أعماق النفس هو مزيج من كل شيء، مزيج من أفكار وأمزجة وردود فعل وعواطف متناقضة، وبالتالي يستحيل أن تكون طبيعة النفس الانسانية صافية. إنه المزيج الذي يجعلنا أهدافا سهلة لعباقرة جوجل والفيسبوك  ينفذون من  خلال “النفس” إلي شهواتنا ورغباتنا وحاجاتنا وتفاصيلنا لنصبح صفحات مفتوحة لكل من هب ودب.

***

بكل ما أوتيت من رشد تصورت أن أنظمة حكم الرأي الواحد تخطئ في حق نفسها حين تدفع الشعوب دفعا للانحشار في خانة الرتابة. إن المشاهدين المجبرين على مشاهدة “قنوات الصدى”، أي قنوات الرأي الواحد،  مهددون بالإصابة بأمراض الرتابة. أسوأ هذه الأمراض  تدهور انتاجياتهم وانحدار معدلات إبداعهم وتفسخ منظومة قيمهم الاجتماعية  وأقلها سوءا وإن أسرعها انتشارا التمرد والاحتجاج والثورة. كونفوشيوس كان  يحث الشباب على رفض “التنميط” والرتابة فاتهمه خصومه بأنه كان يسعى لتفادي التمرد والثورة وتأمين الحكم. أراد التقريب بين الأجيال فلا يأتي جيل يتهم آباءه وأجداده بأنهم تنكروا له وخانوا العهد. الفلاسفة المعاصرون من أتباع كونوفوشيوس يحذرون ضد وسائط الاتصال الحديثة كالفيسبوك والتغاريد فهذه لا تفتح المجال الاعلامي أمام آراء متنوعة ومتعددة بل العكس. ما يحدث بالفعل هو أن الناس تختار من الأصحاب من يوافق أمزجتهم وطباعهم وأخلاقهم  وينتهي الأمر بالالتصاق بهم دون غيرهم.  إنها رتابة من نوع جديد يمسك بخناقنا وأجيالنا الناشئة.

***

قاوموا الرتابة. حاربوها. إبدأ يومك بداية مختلفة عن بداية الأمس. إلقي بتحية مختلفة أو مبتكرة على كل من تقابل في طريقك إلى عملك وعلى رؤسائك ومرؤوسيك. حاول أن لا تفعل في اليوم الواحد الشيئ ذاته مرتين. استخدم مفردات مختلفة للتعبير عن معنى واحد وشوارع مختلفة للوصول إلى نفس الهدف. لا تبدأ مقالك الأسبوعي أو تنهيه بالجملة ذاتها. فاجئ الناس بالتغيير. لا تجلس طويلا على مقعد لا يتغير. لا تكرر سرد قصة بحذافيرها ولا تستخدم صيغة في المجاملة والاستحسان والاعجاب أكثر من مرة مع أشخاص متعددين مجتمعين في مكان واحد ولا مع الشخص نفسه مرتين.

***

كن جديدا.

لا تعليقات.

شارك رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *