Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

آسيا في انتظار مستقبل بدون هيمنة أميركية

محظوظون شباب علماء العلاقات الدولية. هؤلاء لديهم فرصة تاريخية أن يكونوا شهوداً على آليات صنع نظام دولي جديد. لدواعي الدقة كان يجب أن أضيف كلمة أو أكثر تعبر عن حقيقة أن العالم ما يزال في مرحلة مبكرة من مراحل قد تكون عديدة تسبق نشأة النظام الدولي الجديد. هذا التحفظ يتضمن احتمال وقوع حرب عالمية في مرحلة قادمة يراها بعض صانعي النظام الجديد شرطاً تاريخياً ضرورياً بدونه لا يقوم نظام دولي. صحيح أن التاريخ يبلغنا وبإصرار أن نظام توازن القوى الذي حافظ على السلم في أوروبا، وبالتالي في العالم الغربي وفي العالم بحكم عالمية الهيمنة الغربية على أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية، هذا النظام حافظ على السلم العالمي لمدة قرن كامل، لم ينجر إلى نهايته المحتومة إلا حين خرقت دولة من الدول الأوروبية الكبرى بعض قواعد النظام، وهي القواعد التي أرساها مؤتمر فيينا المنعقد في أعقاب حرب أوروبية شنتها إحدى دول النظام الأوروبي “الدولي وقتذاك” وهي فرنسا ضد معظم دول القارة بغرض تغيير أهم قواعد نظام التوافقات الثنائية والمتعددة والأحلاف المؤقتة الذي ساد العلاقات الإمبراطورية في أوروبا قبل الثورة الفرنسية.

وقع خرق متكرر لعدد من قواعد نظام توازن القوى في العقود الأخيرة للقرن التاسع عشر وبخاصة من جانب ألمانيا، الدولة الصاعدة بسرعة وقوة في النظام الأوروبي وما وراءه. انتهى الأمر، وبعضه يتعلق بالتكالب على أفريقيا، انتهى بحرب عالمية جرّت الولايات المتحدة إلى قلب النظام الدولي  أو إلى رأسه ومهدت لاندماج أشمل وأشد فعالية وأفرزت في النهاية شكلاً مبتكراً لنظام دولي صاغته ووضعت قواعد عمله الولايات المتحدة، وهي القواعد التي نسمعها يومياً تقريباً تتردد على ألسنة أعضاء الفرز الأخير للنخبة السياسية الأميركية. لا يخفي هذا الجيل من النخبة اعتقاده الصادق بأن هذه القواعد التي وضعتها أميركا ما هي في الحقيقة سوى فصول مكملة أو بديلة  لفصول في القانون الدولي. في عرف هؤلاء أن هذه القواعد التي وضعتها أميركا لا تلتزمها الصين في علاقاتها بجاراتها الآسيويات وفي تعاملها مع جزر بحري الصين الشرقي والجنوبي،  ينتقدون الصين ودولاً أخرى مثل روسيا وإيران بينما لا يعترفون بأن إسرائيل تخرق هذه القواعد تحت سمعهم وبصرهم ضمن خروقاتها المتكررة لقواعد أصيلة في القانون الدولي.

•••

دول كثيرة تتمرد هذه الأيام على القواعد والأحكام الأميركية في إعلان صريح عن رفضها الزعم الأميركي أن قواعدها وأحكامها التي أقامت عليها النظام الدولي الراهن تساوي أو توازي في أهميتها قواعد وأحكام القانون الدولي. الصين ترفض أن تخضع أساليب تعاملها مع احتجاجات الديموقراطيين في هونج كونج أو مع النزعة الإنفصالية لشعب الإيغور في مقاطعة سنكيانج لحكم يعتمد على القواعد التي صاغتها الهيمنة الأميركية عند وضع قواعد النظام الدولي الراهن في أعقاب انتصارها في الحرب العالمية الثانية. تعتقد الصين، وربما عن حق، أن الاستمرار في تطبيق قواعد صاغتها أميركا وصدق عليها المجتمع الدولي في نهاية الحرب العالمية الثانية أمر غير جائز أو مشروع بعد أن تغيرت أوزان الدول العظمى وأصبح للصين ودول أخرى عديدة حق الاعتراض أو التمرد على استمرار هيمنة أميركا على العمل الدولي بصفة عامة رغم وضوح انحدارها بشكل مطلق أو نسبي.

أميركا في حقيقة أمرها، ونخبتها السياسية بالتحديد، لا تنكر وقائع الانحدار بدليل الشعار الذي راح يتداوله آخر أربعة رؤساء للجمهورية الأميركية، وهو الذي يعني أن هؤلاء الرؤساء معنيون أو يجب أن يكونوا معنيين باستعادة عظمة أميركا. آخرهم أخذ على عاتقه مهمة “إعادة أميركا”. لا يخفي رؤساء أميركا، وأعضاء نخبتها في الكونجرس وقيادة الحزبين ومراكز العصف الفكري حقيقة خارجية ماثلة أمام الجميع تقف عقبة أمام هذه العودة، وهي الصين التي تزداد قوة كل يوم وتفلح في تثبيت مكانها ومكانتها وتعمل بالدقة اللازمة نحو احتلال مناصب “مفتاحية” في مؤسسات العمل الدولي المشترك، وهي المؤسسات المسؤولة أولاً وآخراً عن الاعتماد على القواعد الملزمة كما صاغتها أميركا قبل ثلاثة أرباع القرن، وبمعنى آخر هي المسئولة عن عدم الاعتماد عليها وبالتالي العمل على تمهيد العمل الدولي المشترك لاستقبال قواعد جديدة تحل محل قواعد العمل الأميركية.

•••

أكاد أرى في منطقتنا تطوراً قريب الشبه بالتطور الحادث على قمة النظام الدولي. أرى قواعد للعمل العربي المشترك تنهار أو بعبارة أخرى تصرف النخب السياسية العربية النظر عنها. نعرف، أو نتصور أنه عند نشأة النظام الإقليمي العربي جرت صياغة قواعد معينة يحتكم إليها العمل العربي المشترك، وبخاصة عند اتخاذ قرارات أو سياسات تقترب من حالة الصراع مع إسرائيل. وقف وراء هذه القواعد أكثر من دولة عربية مارست إحداها لفترة محدودة دور الدولة القائد في النظام العربي، دولة ذات شأن وقتها في مجالات عديدة شاءت ظروفها الداخلية والطبيعة المتقلبة لقطاعات مهمة في نخبتها الحاكمة أن تفقد لمدة غير قصيرة بعض مكانها وشيئاً من مكانتها قبل أن تقضي السنوات الأخيرة في محاولة أظنها جادة لاستعادة المكان وبعض المكانة. نعترف أنه بسبب ظروف انحدار القوة وانطفاء الرغبة في القيادة وانحسار إرادة الفعل وحماية قواعد العمل التي صاغتها منفردة في مرحلة الريادة أو ساهمت في صياغتها في مرحلة أخرى أو تخلت عنها في مرحلة ثالثة وتركت دولاً أخرى من خارج النظام العربي ومن داخله تقوم بصياغة قواعد جديدة للعمل الإقليمي في الشرق الأوسط. أظن أن المسؤولين عن إدارة ما كان يسمى بالعمل العربي المشترك أقدر مني على التعبير عن الحالة الراهنة لقواعد في العمل المشترك جرى التزامها في مراحل وفقدت هيبتها وربما وجودها نفسه في السنوات أو العقود الأخيرة. جدير بالإشارة أن هذه الحالة التي يمر بها العمل العربي تتدنى بسرعة أكبر من سرعة تدني الحالة في نظام القمة الدولية، فانحدار الولايات المتحدة باعتبارها القائد للنظام الدولي ما يزال متدرجاً ولم يصل إلى النقطة التي تهدد تماسك النظام الدولي عند القمة. تقف الحالة الداخلية، ولا شك، عائقاً أعظم على طريق العودة. لا يفوتنا أن العامل الحاسم في تحديد مستقبل الدور الأميركي سيكون المدى الذي سوف تذهب إليه النخبة السياسية في أميركا نحو خلع الديموقراطية ومنظومة الحقوق كلية أو جزئياً والانتقال إلى صف الدول غير الديموقراطية. تقف أيضاً عوائق من نوع مختلف وأهمها، وهو ما يستحق انتباهاً من نوع خاص، هو ما آلت إليه المؤسسة أو المنظومة العسكرية الأميركية حتى أنها فرضت على النخبة السياسية الاعتراف بهزيمة أميركا العسكرية في أفغانستان والخروج المخجل منها وما قد يتسبب فيه هذا الخروج من تطورات أخرى في معادلات القوة والنفوذ في آسيا. يكفي أننا صرنا نردد مع الخبراء الصينيين عبارة أن أميركا لم تعد كما كانت القوة الوحيدة المطلقة الحرية في العمل وممارسة النفوذ أو الهيمنة في المحيط الباسيفيكي وأطرافه في جنوب آسيا وجنوبها الشرقي وفي أستراليا على وجه الدقة. الآن ينتهي لأول مرة هذا الوضع الذي امتد لمدة طويلة، وضع الدولة الأقوى على الإطلاق. لا أظن أن أميركا “ستعود” إلا إذا تغيرت، عسكرياً وأيديولوجياً، في الجوهر كما في الشكل.

ينشر بالتزامن مع موقع “بوابة الشروق

لا تعليقات.

شارك رأيك

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *