Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

وقفات عتاب مع شعوب

تعودنا أن تكون وقفات عتابنا مع السلطة السياسية كلما احترنا بحثا عن تبرير أو تفسير لتقصير أو عجز في أداء دولة أو أخرى، إلا أنني بدأت ألاحظ منذ مدة تغيرا واضحا في مواقفي من مسؤولية أزمات وتطورات في دول كثيرة. بدأ التغير نتيجة تعدد حالات سوء الفهم أو انعدامه كلية. أنا مثل كثيرين، كنت أركز على سلوك القوى المؤسسية، أركز على سلطات الحكم من قوى تنفيذية وتشريعية وعلى الأحزاب والنقابات وجماعات المجتمع المدني. وفي النهاية كنت أخلص بتوجيه انتقاد أو عتاب إلى هذه الجهة أو تلك التي تتحمل في نظري المسؤولية، وفي أحيان أشارك في احتجاج أو أجرب التمرد عليها. اكتشفت أننا في حالات غير قليلة كنا نركز على جهات لم ترتكب خطأ جسيما ولا ذنبا عظيما.


تشير التقارير الواردة من واشنطن إلى حقيقة مذهلة. تشير إلى أن الرئيس دونالد ترامب ما زال يحظى مع مرور الوقت بزيادات في درجات مستوى شعبيته. يحدث هذا بالرغم من أن هناك في الولايات المتحدة ما يكاد يقترب من أغلبية ساحقة حتى بين مؤيدين للحزب الجمهوري يدركون أن للرئيس ترامب منظومة أخلاقية لا تتناسب من قريب أو بعيد وما عرفناه عن منظومة الأخلاق والسلوكيات المبتغاة. تصورنا في بداية العهد أن شعبية الرئيس تكونت خلال معركة انتخابية أنفقت فيها حملة الرئيس أموالا طائلة واستخدم فيها المرشح كل ما أتقنه من أحدث أساليب وفنون التصوير السينمائي وإخراج أفلام الواقع وما أجاده من خبرة طويلة في مهنة المقاولات واكتناز المال. في الوقت نفسه أثبتت الحملة المضادة لخصمه وأقصد السيدة هيلاري كلينتون نجاعتها سواء شارك في التخطيط لها أو في تنفيذها أجهزة استخباراتية روسية كما يزعم خصوم الرئيس في الحزب الديموقراطي والاستخبارات الأمريكية أو خططت لها ونفذتها أجهزة أوكرانية كما يزعم اليوم الرئيس ترامب وأنصاره وكبار مساعديه. بمعنى آخر كاد الطرفان يلتقيان عند نقطة أضافت مزيدا من السخرية على موقف هو في الأصل مثير للسخرية، التقيا عند اعتراف مشترك بأن آخر انتخابات رئاسة أمريكية أتت بالرئيس ترامب واستبعدت السيدة كلينتون كانت مزورة.

أحاطت بالرئيس الأمريكي خلال الحملة الانتخابية ثم خلال أكثر من نصف مدة حكمه سير وشائعات وقضايا، ولم يقصر الرئيس في أن يصبغ الأغلبية العظمى من تصريحاته ومواقفه بصبغة البعد عن الحقيقة، ولم يتوقف عن اتخاذ قرارات والإذن لمساعديه بالعمل من أجل الاستمرار في تعظيم موارده المالية، ولم يمتنع عن تعيين أقاربه في وظائف حساسة بالبيت الأبيض. ليست سرا أو خبرا مدسوسا محاولته تأجير مقره السياحي بولاية فلوريدا للدولة الأمريكية لإقامة وفد قمة الدول الصناعية في دورتها القادمة.

لن أتمكن في هذا الحيز الضيق من حصر كل ما ألحق بالرئيس ترامب من اتهامات بتجاوزات تصورت خلال جمعها على امتداد أكثر من ثلاثين شهرا أن العائلات الرشيدة في الولايات المتحدة لن تسمح لأطفالها ومراهقيها الاطلاع عليها أو حتى مناقشتها في حضورهم. كنت مخطئا. هكذا حكمت أنا نفسي على تصرفي مع سيرة الرئيس الشخصية وفهمي لها. لم أتصور أن سيرة على هذا النحو المتردي أخلاقيا وسياسيا تصلح لتستمر نموذجا يعززه موقف نواب الأقلية الجمهورية في مجلس النواب وأغلبية الأعضاء في مجلس الشيوخ بالإضافة إلى ملايين الناخبين من المزارعين والعاطلين عن العمل والسكان البيض الأصليين الذين يجددون يوميا عزمهم الاستمرار في دعم الرئيس ترامب. لم أتصور أننا سنصل إلى بداية حملة الرئيس الانتخابية للولاية الثانية بين توقعات متصاعدة بفوزه. الشعب يريد ترامب. يريده بمواصفاته سيئة السمعة.


عشت في الهند ردحا من الزمن ودرستها ردحا آخرا. كنت خريجا حديث العهد بالممارسة العملية للعلاقات الدولية عندما وطأت قدماي أرض مطار ممباي في أول زيارة للهند، بل ولعالم الدبلوماسية. وصلت بالليل واعتزمت التجول في اليوم التالي في المدينة الصاخبة، مدينة الفن حيث الاندماج مبهر بين الهندوس والمسلمين والبارسيس. عرفت كيف استغل التاج البريطاني التنوع في المجتمع الهندي ليصنع منه تربة خصبة لا غنى عنها إذا أريد للهند أن تعيش مستقرة في ظل نظام مشتق من النظام البرلماني البريطاني. لقد اعتمد البريطانيون في حكم البلاد على ثقافة سائدة بين المتعلمين الهنود والمثقفين بخاصة تمجد السلوك العلماني وتناهض التعصب الديني. وعلى هذا الأساس نشأ النظام الحزبي الهندي وفي طليعته حزب المؤتمر الشبيه أو لعله القرين بحزب الوفد المصري. استطاع الحزب الهندي قيادة مرحلة ما بعد الاستقلال بنجاح وبأقل مقاومة ممكنة من جانب عناصر التطرف.

أسباب متعددة أحالت حزب المؤتمر إلى الاستيداع، لم ننتبه في حينه إلى أن العلمانية سبقت الحزب إلى التراخي فتراخت. وفي المقابل خرج حزب متطرف صغير من ولاية جوجارات الفقيرة والضعيفة ليصبح في سنوات قليلة حزبا حاكما للهند قاطبة بأغلبية ساحقة. ومعه تفجرت كل نداءات التعصب الهندوسي ومنها الدعوة للعودة إلى ثقافة السانسكريت القديمة قدم عهود مصر القديمة. اليوم يحذفون أسماء لمعت خلال المرحلة الاسلامية المغولية في تاريخ الهند. يريدون محو هذه المرحلة. هكذا تندثر مراحل مهمة في تاريخ الهند، راح ظني البرئ ذات يوم إلى أنها ستبقى أبد الدهر نموذجا باهرا لتقلده عشرات الدول حديثة الاستقلال. شعب آخر أعجبني بدأ يخيب ظني فيه.


بشغف، اشتهرت به بين أصدقائي وتلاميذي، تابعت قبل سنوات تشكيل إيفو موراليس حكومة شغل أغلب مناصبها وزراء ومسؤولون ينتمون إلى سكان بوليفيا الأصليين. وقتذاك شاهدت مزارع شجيرة الكوكا في الصور محمولا على الأعناق كأول مواطن من السكان الأصليين يحكم دولة في أمريكا اللاتينية. تشير التقارير الدولية إلى أن السكان الأصليين نجحوا بزعامة موراليس في إدارة دفة الحكم، وإلى أن الفجوة بين الدخول في عهد حكومته كانت الأضيق وأنهم حققوا في التعليم والرعاية الصحة والتوظيف إنجازات مرموقة. موراليس مثل كثيرين غيره من حكام العالم النامي أراد تحقيق المزيد فراح يعدل دستور بلاده ليبقى في الحكم ولاية إضافية. جرت الانتخابات وكان واضحا من نتائجها الأولية أن قبائل من شعبه الأصلي انتقلت من تأييدها له إلى المعارضة التي تسيطر عليها أرستقراطية بيضاء، تدعمها مصالح غربية خاصة وأن هذه القبائل المنقلبة عليه تعيش فوق كنوز غاز الليثيوم الضروري لصناعة سيارات الركوب الكهربائية. وقعت الفتنة وانقسم شعب موراليس على نفسه. أما موراليس الزعيم والبطل فقد لجأ إلى سفارة المكسيك في العاصمة البوليفية أملا في أن تنقله سالما إلى المكسيك ليعيش فيها لاجئا سياسيا بعيدا عن قطاع من شعبه المفتون بوعود رخاء على أيدي طبقة سياسية نيوليبرالية، هي الطبقة التي خاصمته قرنين ورد لها الخصومة وهو في الحكم. هأنذا أمام شعب آخر أو قطاع كبير فيه، شعب مستجد على السياسة والسياسيين، أراه لم يتعظ بمآسي أو إنجازات جيرانه في شيلي والأرجنتين وكولومبيا والإكوادور وفنزويلا والأوروجواي. هذا الشعب بما يفعل الآن، وإن لم يغير موقفه ويعود إلى مبادئ تبناها، سوف يتحمل في رأيي مسؤولية ما سوف يفقده من إنجازات اجتماعية، يتحمل أيضا المسؤولية عن خيبة أمل أصابت عشرات الملايين من السكان الأصليين في القارة.


ذات يوم استأت فيه أيما استياء. كنا قد اجتمعنا لنناقش أمرا هاما. كدنا نمر مرور الكرام على ما ورد في مداخلة مشارك عالي المكانة الثقافية ذكر فيها أن الشعوب أيضا تختلف فيما بينها من حيث قابليتها للتحديث. تدخل أحد رؤساء الدول ممن أبدوا الرغبة في حضور المناقشة. قال ما معناه أن في بلاده توفرت القيادة السياسية الراغبة في التحديث وتوفرت الثروات الطبيعية اللازمة لتمويل عمليات التحديث وتوفر الاستقرار السياسي باعتباره البيئة الحاضنة لمشروعات وخطط التحديث. كل عناصر عملية التحديث متوفرة باستثناء العنصر الأهم، الشعب. أضاف بما معناه أن عنده شعبا يرفض الحداثة والتقدم، بل يرفض كل أنواع التغيير. “شعب كم تمنيت لو استبدلته بشعب من الشعوب التي تتحدثون عنها بحب وحماسة وإعجاب”.

حاولت على مدى سنوات نسيان هذه المداخلة وفشلت. درت خلال هذه السنوات أركان العالم الأربعة. عدت بحصيلة ثقيلة. ليست كل الشعوب في كل الأزمنة وتحت كل الظروف بريئة من كثير مما سمعت من اتهامات لها.

تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *