Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

موتك ممنوع.. إلا اذا…

هناك خطأ فادح: الموت ليس عادلاَ. تمييز عنصري بين ميت وميت. لا مساواة البتة بين الراحلين. من حظ المؤمنين أن يجدوا ارضا تحضن اجسادهم. الباقون، تسرقهم الطوائف، وتسجنهم في موت مسروق.

هذا النص لا ينتمي إلى الشعر. انه واقع وعادي جداً: الاموات في لبنان لا يتساوون. التفاوت في الحياة صارخ وجارح. والمفترض، عادة، أن يتساوى الاموات. حق الانسان في لبنان أن يُدفن. إلا أن هذا الحق لا يسري على عدد وافر من الطيبين الوافدين الينا من بلاد بعيدة.

حدث ذات حقبة، أن توجهت مجموعات للتخصص في دول المعسكر الاشتراكي. البعض حاز على التخصص وعاد، والبعض حاز على شهادة جامعية وشهادة زواج وعاد. سكن وأنجب وربى إلى أن دخل العمر في مرحلة الاستعداد للغياب. بعض الازواج، ليسوا من دين واحد. معظم الزوجات مسيحيات، وبعض الازواج ليسوا كذلك. فأين تُدفن المرأة الاجنبية التي لا تنتمي إلى دين زوجها؟

نعم، أين تدفن؟

إعادتها جثة إلى بلادها، مستحيل. اهلها ماتوا، واخوتها شاخوا، ولا أحد من اقاربها يتذكرها. لقد أمضت حياتها هنا في لبنان. غير مسموح أن تدفن في مقابر المسلمين، سنة وشيعة ودروزاً. هناك مشكلة مستعصية. المطلوب حفرة صغيرة فقط… ممنوع. الدين او التقليد او ضيق الاجتهاد، يفرض على الميت، أن يسافر إلى حيث لا أحد… لا أحد البتة.

والآخرون الذين اختاروا أن يكونوا خارج طوائفهم، إما لقلة إيمانهم او ضعف التزامهم او لإلحادهم. هؤلاء، وليسوا قلة، يفضلون ألا تنتهي حياتهم، بعودة قسرية، إلى تقاليد الوفاة، وفق المنطوق الديني، الطائفي والمذهبي… هؤلاء. تحرروا من التقليد، وعاشوا حياتهم خارج الواجبات الدينية والايمانية، ويرغبون في أن يختموها، خارج مراسم الدفن الدينية… هم احرار. فليحاسبهم ربهم، إن كان يهتم بهذا التفصيل الدنيوي.

مشكلة بحاجة إلى حل. الطوائف والمذاهب واضحة. تفتقت عبقرية هؤلاء المحرومون من الموت الصادق، عن فكرة بسيطة: لا بد من ايجاد ارض محايدة، لا دين لها ولا طائفة لدفن موتاهم. او ليندفنوا هم فيها، كونهم يلتقون كمرفوضين اجانب، او رافضين للتقليد الديني.

سعى هؤلاء بكل جدية. بحثوا عن ارض محايدة. وجدوها. كانت خلاصاً لمشكلة الزوجات الأجنبيات، وحلاَّ لمن أمضى حياته بعيداً عن الايمان والتقليد الديني. ولما وجدت الارض، ووضعت خريطة لمقبرة متعددة الصيغ، يصار فيها إلى تكريس تقليد صادق وأمين، تحترم فيه ارادة الميت، ولا تختصر بالتقليد السائد… لما صار كل ذلك كذلك، اجتمعوا، او اجتمعنا لأني واحد منهم، في مطعم جبلي، وشربنا نخبنا ورفعنا كأس موتنا الجميل. موتنا المتحرر من التقليد الالزامي المناقض لرغبة بعض الراحلين إلى نهايتهم… كان الأمر جديداً، أن نرفع الأنخاب لموتنا، امر متناقض مع مبدأ الحياة… كان ذلك الكأس نخباً لصحوة ومشروع وصدق وتصالح، مع كل واحد، مع موته المتحرر من التقليد.

وبدأ العمل الانشائي في ورشة المقبرة. كل شيء على ما يرام.

بعد ايام من التفاؤل البنّاء، وردنا الخبر التالي: لقد تم جرف المقبرة بكاملها. ممنوع أن تموتوا خارج طوائفكم.
صح. النظام الطائفي توتاليتاري واستبدادي ومتحكم بحياتك وموتك. ممنوع أن نموت الا على يدي رجل دين، ويُصار إلى تأبينك بكلام لا يمت لحياتك، ويصلح لكل ميت آخر، حيث ترصف الجمل الركيكة، والمبتذلة والعادية وغير المطابقة للميت.. والخ

نصحو في ما بعد، على هشاشة وضعك، وعلى صلابة ومتعة الطوائف والمذاهب، وعلى شراستها كذلك. ممنوع أن تشطب طائفتك عن بطاقة هويتك. ممنوع أن تتزوج على هواك. رجل الدين حارس لمصالح الله والطائفة. ممنوع أن تدفن… ممنوع أن… ممنوع دائماً. أنت من الطائفة والى الطائفة تعود، غصباً عنك، حتة ولو كنت ملحداً.

تقول الاغنية: لبنان يا قطعة سما.

كفى كذبا. لبنان في الدرك الاسفل انسانيا وحقوقياً ومدنياً وبيئياً واقتصادياً وقضائياً وجامعياً وعفافاً، ونقاءً، و… ولا يصح فيه الا الغلط والفضيحة ونجاسة الكف.

ولبنان السياسي، نسخة أمينة، لمثالب الطوائفيات.

مؤخراً، عاد الفريق الخارج على الطائفية، يبحث عن قطعة ارض، تستقبل موته، بلا واسطة أحد. لم يجد. ولن يجد.

لبنان هذا، منيع جداً. يقبض على احيائه، ويأسر امواته.

فيا الله، ما هذا البلد؟

اسمع جيداً. انت تراب والى التراب تعود. بعد ترخيص من اصحاب المقامات الطائفية. وحدك، لا وجود لك.

أنت ممنوع أن تموت خارج طائفتك ولو كنت ملحداً وكافراً وزنديقاً. كن ما شئت. مآلك اخيراً أن تموت طائفياً لا يقبل موتك ابداً.

إذا، انت طائفي غصباً عنك، من المهد إلى اللحد.

الردود: 2
  • Hassan skaine
    24/08/2019

    شيئ مؤسف للغاية .. الطوائف سوسة تنخر الاموات قبل الأحياء

  • عايد علي الصالح
    21/08/2019

    لا فض فوك ايها الكاتب الرائع والشجاع والجريء نصري الصايغ! هذه مشكلة اجتماعية في قاموس المذاهب والطوائف ويحتكرون حتى طقوس الموت ! بشخصيات دينية لا تفقه معنى الشعور الانساني وتصادر حتى خيار الموت بالطريقة التي يحب او يختار الانسان موته.. ماذا بعد ! نحن نحتاج الى ثورة اجتماعي تضع حدا لهذه السفاسف من الامور وتعطي حرية العقيدة لصاحبها واحترام ارادته والا سيتأصل فينا الاستبداد والاكراه لرجال الدين من كل الطوائف ويجعلنا نرفض هذا المجتمع الاستبدادي مما يجعلنا نختار العيش غرباء عن هذه البيئة الفاسدة من اجل ان نموت كما نحب ان نموت وليس كما يفرضون علينا كيفية الموت !!

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *