Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

محاولة لرسم مسار خريطة التغيير من الجزائر إلى السودان ولبنان وصولاً الى العراق

تبدو الدول العربية، في هذه الحقبة، متباعدة، وأحياناً الى حد العداء، متنابذة، متكارهة، انفصل أغنى أغنيائها بالنفط والغاز عن فقرائها حتى لكأنهم لم يكونوا في أي وقت أمة واحدة، ولن يكونوا في غدهم أشقاء متضامنين متكافلين في السراء والضراء.

قصد أهل النفط والغاز الولايات المتحدة الأميركية فارتهنت ثرواتهم، وذهبوا الى أوروبا بعنوان باريس فاشتروا عقارات فخمة لا يمكن نقلها الى بلادهم الصحراوية، وان هم جاءوا بنسخ من متاحفها، مثل اللوفر ـ نجمة باريس ـ الى بعض عواصمهم بأهلها الذين ما زالوا يتدرجون في فهم الفنون ولا سيما اللوحات المصنفة على قائمة التراث الانساني المميز.

ومع تقديرنا للرغبة العارمة في التقدم التي تجتاح أبناء هذه الأقطار الغنية بنفطها والغاز،

ومع وعينا بأن الشعوب طالما أخذت عن بعضها البعض أسباب الحضارة، فأكمل “الناقل” مهد “المبدع”، وأضاف المتأخر ـ زمنياً ـ الى جهد المتقدم في مختلف مجالات الإبداع، رسماً ونحتاً وعمارة وموسيقى وغناء الخ..

إلا أن علاقات الأخوة الأغنياء مع اخوتهم الفقراء تضعف مع الأيام حتى تكاد تنعدم بعدما تحولت من موجبات الأخوة الى مواضع الاستثمار حيث تتعاظم وتتضاعف الثروات على حساب عرق جباه أولئك “الأخوة الفقراء”.

صار مال أهل النفط والغاز من العرب مكرساً للاستثمار والتوظيف حيث يعفى أكثر فأكثر، فان هم وجدوا “شركاء” لهم في نهب ثروات الأقطار الشقيقة اعتمدوه، وإلا اكتفوا بتوظيف هؤلاء الأخوة، أو بعضهم، لأنهم أرخص أجراً من الخبراء الأجانب، ثم ان بوسعهم أن “يطردوهم” في أية لحظة.. مع التحية لموجبات الأخوة!


حتى جامعة الدول العربية باتت مفرغة من أي مضمون، وأمينها العام لا يملك غير الكلام “العاطفي” أو “المجامل” وان هو ظل منفصلاً عن الواقع.

ولنتذكر أن مشيخة قطر العظمى قد نجحت بقوة غازها في طرد دولة عربية هي بين الدول القليلة التي اسهمت في إقامة جامعة الدول العربية في القاهرة، قبل أن تظهر قطر بقوة غازها الى الوجود وتمتلك “حق النقض” ضد الدول المؤسسة لهذه الجامعة العجوز.. وأبرزها سوريا.

ولنتذكر ايضا أن القضية المقدسة، فلسطين، قد بات لها مقعد في هذه الجامعة، لكن “القضية المقدسة” قد غابت عنها، ثورة وسلطة وبين بين، وصار عدد الدول الاعضاء ممن لها علاقات مميزة مع الكيان الصهيوني كبيرا بما يمنع أن تكون هذه “الجامعة” منطلقا للجهاد من اجل تحرير فلسطين او للمساعدة على انجاز هذه المهمة المقدسة.

بل أن قادة العدو الاسرائيلي، بشخص رئيس حكومتها (حتى الساعة) نتنياهو، باتوا يقومون بزيارات علنية لبعض الدول العربية التي لم تكن قد اعترفت بدولة العدو الصهيوني، ويلقون من مسؤوليها الترحاب.

هل من الضروري التذكير بأن دولة العدو القومي ما تزال تعمل قتلاً في شعب فلسطين، بشبابه وشيبه، وتهدم القرى واحياء في المدن التي لها تاريخ، وتحاصر المسجد الاقصى وتطارد المصلين القادمين اليه، كما تحاصر كنيسة القيامة وزوارها.

لقد صار قطاع غزة اهم من فلسطين، التي هو بعض منها،

كذلك فان مدن الضفة الغربية وقراها صارت مسرحاً لعمليات الاغارة والقتل وهدم البيوت.

كل ذلك وسلطات العدو الاسرائيلي واثقة أن ردود الفعل في مختلف العواصم العربية ستتراوح بين الاستنكار الفارغ من المضمون وصمت التواطؤ المكشوف..


في البداية، اقيم مجلس التعاون الخليجي، ليكون بمثابة نادي الاغنياء من العرب، بعيداً عن جامعة الدول العربية التي تركت للفقراء. بل أن هذا المجلس صار بديلاً من الجامعة، وصارت له سياساته “المستقلة” وتعاقدت اقطاره مع دول أخرى بديلة من اشقائه العرب، بينها تركيا فضلاً عن دول الغرب ثم روسيا ومجموعة الدول التي كانت في “الاتحاد السوفياتي”، فضلاً عن اوروبا، بعنوان بريطانيا اساساً، وان كان تملك الخليجيين قد اجتاح باريس ولندن وبعض المدن السويسرية الخ..

ثم خرجت مصر، او اخرجت من جامعة الدول العربية بعد اتفاق كامب دايفيد والصلح مع العدو الاسرائيلي “فانتقلت” إلى تونس واختير لأمانتها الامين العام السياسي التونسي المخضرم الشاذلي القليبي قبل أن تعود إلى القاهرة بعد اغتيال الرئيس المصري انور السادات، بعد زيارته تل ابيب وخطابه امام الكنيست الاسرائيلي.

لكن هذه الجامعة التي عادت إلى القاهرة واعادت امينها العام إلى مصر كانت قد فقدت بعض أبرز اسباب وجودها، لا سيما وقد لحقت بمصر المعترفة بإسرائيل… ثم عقد ملك الاردن، بدوره معاهدة صلح مع العدو.

اسقطت صفة العدو عن العدو الاسرائيلي، الذي لم يضيع الفرصة فأخذ رئيس حكومتها يجول بين العواصم العربية، وصولاً إلى مسقط عاصمة عُمان، وايفاد بعض دبلوماسييها إلى بعض دول الخليج العربي..

وكان سبق ذلك ترتيب لقاء بين الراحل ياسر عرفات ورئيس حكومة العدو الاسرائيلي مناحيم بيغن في البيت الابيض في واشنطن ضمن “احتفال” يشبه المهرجان، وسيعود ياسر عرفات (المريض) ليدخل فلسطين ليحول فيها اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير إلى “سلطة وطنية” بحكومة ووزراء وارادة ومحافظين على بعض الضفة الغربية، في حين احتفظت دولة العدو بحقوق السيادة، وبينها حق مطاردة المقاومين ونسف البيوت واعتقال من تشتبه بأنه ما زال “يحلم” بتحرير فلسطين.


صار العرب بلا قضية جامعة: سقطت شعارات الوحدة العربية وحلم الاشتراكية وتحرير فلسطين، وجاء زمن تفجر او تفجير الخلافات العربية ـ العربية..

ثم تم تفجير سوريا العام 2011، بعد الاحتلال الاميركي للعراق في مطلع 2003، والانقلاب العسكري في تونس الذي اطاح الجنرال زين العابدين بن علي بالحكم المدني شبه الديمقراطي، قبل أن تطرده انتفاضة شعبية رائعة فجرها البوعزيزي…

وحدثت انتفاضة شعبية رائعة في مصر، سرعان ما احبطت واقيم حكم انتقالي انتهى بانتخابات رئاسية فاز فيها مرشح الاخوان المسلمين محمد مرسي، قبل أن يعود الجيش إلى السلطة ليكون المشير عبد الفتاح السيسي هو الرئيس.

يبقى الامل قائما بثورة الجزائر التي تعيش في الشارع منذ سبعة شهور بعد اسقاط الرئيس والممد له ولم يتعب عبد العزيز بوتفليقة.. ويناور الجيش حالياً لانتخاب رئيس جديد بدل تحقيق مطالب الثورة بالتغيير الشامل واستيلاد نظام ديمقراطي.

كذلك الامر في السودان. لقد انفجر الشعب في تظاهرات عارمة اقامت في الشارع شهوراً حتى اسقاط الدكتاتور حسن البشير ونظامه..

وسبق الجيش الثوار فأقال البشير وسجنه تمهيداً لمحاكمته..

لكن الشعب ظل لشهور في الشارع حتى خضعت القيادة العسكرية فتم التوافق على حكومة تمثل الثوار ويشارك فيها الجيش بمقعدين..


وها هو شعب لبنان في الشارع، منذ اكثر من اربعين يوماً، على امتداد مساحة هذا الوطن الصغير يطالب بالتغيير، وقد استقالت الحكومة من دون أن تتمكن الطبقة السياسية من تشكيل غيرها، حتى الساعة..

كذلك فان الشعب العراقي يملأ شوارع بغداد والبصرة فضلاً عن النجف وكربلاء ومدن أخرى كثيرة، مطالباً بالإصلاح والتغيير… ويتساقط القتلى يومياً، بعد استقالة الحكومة معترفة بعجزها عن تلبية مطلب شعبها المفقر بينما ارضه اغنى ارض في الكون.

والايام حبلى ببشائر التغيير، بعد..

والخوف يتجاوز العدو الاسرائيلي إلى ما ترسمه الامبريالية الاميركية من مخططات لاستيعاب هذه الانتفاضات واجهاضها او حرفها عن المسار الطبيعي إلى مطالبها، وهي هي حقوقها..

تنشر بالتزامن مع جريدة “الشروق” المصرية

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *