Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

لا .. ليست فوضى

منذ فترة غير قصيرة ونحن نتكلم عن أن العالم في حالة فوضى. أنا شخصيا استخدمت كلمة الفوضى في أكثر من مقال كتبته ومحاضرة ألقيتها. لم أنتبه ولا آخرون انتبهوا إلى أن الفوضى حالة مختلفة عن الحالة التي نستخدم كلمة فوضى في وصفها. سلكنا الطريق السهلة بدلا من أن ننشغل ونشغل مساعدينا وزملائنا في مهمة وضع التوصيف المناسب للحالة الدولية الراهنة. تصورنا أن انفراط أو التهديد بانفراط دولتين أو ثلاث دول من مجموع ما يقترب من مائتي دولة، وأن الظهور المفاجئ لشخصية متقلبة وغير متزنة على رأس أكبر وأقوى دولة في العالم وانعكاس هذا الظهور على سياستها الخارجية والسياسة الدولية بشكل عام، وأن أغلبية في شعوب بريطانيا قررت الخروج من الاتحاد الأوروبي، وأن انحسار اهتمام الدول والشعوب العربية بجامعة الدول العربية ومنظماتها، هذه المتغيرات وغيرها كثير تصورناها علامات كافية على أن النظام الدولي والنظام الإقليمي العربي في حالة فوضى.

***

أظن أننا أخطأنا أو ربما بالغنا في تعظيم ظواهر معينة طارئة على حساب عناصر كثيرة لم تصل إليها رياح التغيير أو التفكيك. نسينا أو تجاهلنا حقيقة أن مجرد استمرار وثبات ظاهرة الدولة كوحدة الحساب والتحليل والأساس في القانون الدولي والعلاقات بين الدول أقوى دليل على أن العالم لم ينزلق إلى الفوضى، بل أنه حين تكون أغلبية الدول قائمة وشرعيتها غير مشكوك فيها والقانون مطبق فيها يكون العالم ما يزال بعيدا عن الفوضى. من ناحية ثانية لا يستقيم افتراضا أو واقعا أن تكون مؤسسات النظام الدولي قائمة وتعمل وإن على مستوى من الأداء المنحدر ثم نعلن، ونتصرف ونحلل على أساس، أن النظام الدولي تردى إلى الفوضى الشاملة أو أن مصيرا مماثلا انتهى إليه النظام الإقليمي العربي أو قد ينتهي إليه النظام الأوروبي. من ناحية ثالثة، لا يكفي أن تتجاوز دول حدود احترامها لحقوق الإنسان أو أن تلجأ حكومة أو حتى عشر حكومات إلى استخدام أساليب متوحشة لتعذيب المواطنين أو إبادة آلاف منهم حرقا بالغازات الكيماوية أو أن تعتدي دولة أو عدد من الدول على دول في الجوار أو في خارج الجوار وتخترق مختلف فضاءاتها دون قرار مسبق من مجلس الأمن، لا يكفي عمل من هذه الأعمال أو كلها في وقت واحد لنعلن حالة الفوضى في النظام الدولي أو في نظام إقليمي. إذ في مقابل هذه الأعمال الخارجة عن القانون الدولي توجد حالات أوفر عددا من أعمال تحترم قواعد القانون الدولي. نحن بالفعل شهود على تجارة تتبادلها الدول بمعدلات وقيم أعلى من كل مراحل الاستقرار الدولي. الأمن مستتب في البحار والمحيطات، حتى القرصنة حول مداخل البحر الأحمر تراجعت. نحن أيضا، بدرجة أو أخرى، شهود على أن اتفاقات دولية عتيقة وجديدة وعديدة ما زالت تحظى باحترام موقعيها. لم نشهد سباقات بين عناصر أو ميليشيات انتصرت وهيمنت في كل أنحاء العالم وراحت تمزق المعاهدات الدولية وتمزق دساتير الدول وتدمر مؤسساتها. رأينا إرهابيين يقتلون المارة والمتنزهين في شوارع لندن ونيس وباريس ومدن هنا وهناك، أعمالا مرفوضة ومتناثرة واستثنائية في نظام دولي ما زال يعمل ويؤدي معظم وظائفه وإن بانضباط وكفاءة أقل مما كنا نعهده في عقود سابقة.

***

من ناحية رابعة، لا نستطيع إنكار حقيقة أن مساحات السلم في فضاء التفاعلات الخارجية ما زالت شاسعة وإن مساحات الحرب والقتل والتدمير وإن اتسعت ما تزال أصغر كثيرا من مساحات السلم. أنا هنا لا أقارن بين مراحل تاريخية كما فعل ستيفن بينكر الذي توصل ببحثه وقرائنه إلى أن الكوكب يعيش اليوم المرحلة الأقل عنفا في تاريخه. إنما أقول أننا لا نعيش بالتأكيد مرحلة تسود فيها حروب الكل ضد الكل أو مرحلة تختفي فيها أغلب الجيوش النظامية لصالح ميليشيات مجنونة ويحكم زعماء مهووسون وهستيريون. ما زلنا، وأعني الغالبية العظمى من شعوب العالم، نعيش في حماية جيوش خاضعة لقوانين دولها. نعترف بتجاوزات بعضها وفساد بعض آخر كما نعترف بتجاوزات حكام مزقوا دساتير دولهم أو استهانوا بها وأهانوها، هؤلاء يزداد عددهم في كل أنحاء العالم، ومعظم تحليلاتنا تتنبأ بزيادات أكبر في السنوات القليلة القادمة، ولكن تبقى كل الزيادات المحتملة ضمن حيز لا تقترب مواصفاته من مواصفات عالم مجنون هيمنت عليه وسادت الفوضى.

***

إذا كانت الدولة ما تزال وحدة الحساب في النظام الدولي الراهن، وإذا كانت المواثيق والاتفاقات الدولية قاعدة العمل والالتزام فيه، وإذا كانت مؤسسات النظام تعمل حتى وإن بأداء ضعيف ومتهاوي، وإذا كانت منظومات القيم والأخلاق ما تزال أحد المراجع الأساسية للعمل السياسي والتعاون بين البشر، أقول إذا توفرت هذه الشروط وإن بدرجة أقل من المأمول فالعالم في رأيي لم يزل بعيدا عن حال الفوضى التي نستسهل استخدامها ونذهب أحيانا إلى حد تصور أننا غاطسون فيها. البديل الذي أطرحه في توصيف الحال التي يعيش فيها كوكبنا هو حال الارتباك. هذا الارتباك الذي يميز العديد من السلوكيات السياسية والاجتماعية الراهنة هو نتيجة حتمية لتشابكات المرحلة الانتقالية التي يمر فيها العالم، ونتيجة ضرورية لتفاعلات مرحلة العولمة الأخيرة التي هزت دنيانا إلى الأعماق. كلاهما: الانتقال من نظام دولي وأخلاقي ثنائي القطبية السياسية والأيديولوجية إلى شئ آخر يرفض أن يتبلور أو يعلن عن نفسه، والعولمة وما صاحبها من ثورة تكنولوجية وفي الاتصالات والمواصلات وحركة الشعوب، كلاهما معا أطلقا حال ارتباك هائل وتردد غير مألوف. إن كل ما عايشناه منذ نهاية عقد السبعينيات ونعايشه ونطلق عليه جزافا صفة الفوضى هو ليس أكثر من ارتباك اتسمت به كل المراحل الانتقالية وأبرزها، في رأيي ورأي السيدة مادلين أولبرايت وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأسبق، المرحلة ما بين نهاية الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية حين انتشر جرثوم الفاشية والنازية وأنواع شتى من الحكم الاستبدادي. انتهت هذه المرحلة كما هو معروف بحرب عالمية. ثم هناك المرحلة الصعبة التي مرت فيها أمريكا اللاتينية خلال انتقالها من نظام إقليمي للاستبداد إلى نظام آخر لسيادة القانون. هناك أيضا مرحلة الانتقال العنيف في النظام الإقليمي العربي من حال النظام المنغلق ثقافيا وقوميا إلى حال لم تتضح بعد معالمه، وإن أشارت مؤشرات إلى أن الارتباك السائد حاليا في نظامنا الإقليمي العربي والتردد الغريب في إصلاحه قد يفرزان في النهاية انفتاحا أوسع على جبهات عداء وعنف شديدين وأنظمة حكم أشد قمعا واستبدادا، قد يفرزان أيضا فوضى شاملة في التفاعلات الإقليمية.

طريقنا إلى الاستقرار يبدأ بالتخلص من الارتباك وبإقصاء التردد. كان أملي معقودا على الدورة الأخيرة للقمة العربية.

تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *