Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

كنت شاهداً

صورة العرب هذه الأيام صورة أمة في وضع الانتظار. أمة لا تعرف تماما أي بديل لمستقبلها تختار. لعلها ليست وحدها التي تظهر في الصورة عاجزة عن تقرير مستقبلها فالصور عديدة التي تظهر فيها أمم تقف عند مفترق طرق. من هذه الصور صور راهنة للإنجليز بخاصة والأوربيين عامة وصور لأمم إفريقية. بل هناك من الوقائع ما يشير إلى رجل في أمريكا استطاع منفردا أن يخلق حالة ارتباك في قصور حكم عديدة في شتى أنحاء العالم. أدى هذا الارتباك إلى أن أمما كثيرة صارت تظهر لنا في الصور مترددة ومتوترة وأمما أخرى تظهر في وضع انتظار، تارة في انتظار عقوبة وتارة في انتظار تغريدته التالية.

المؤكد، أيا كانت الظروف والأسباب، هو أن العالم يمر في حال الانتقال من نظام دولي انتهى عمره إلى نظام دولي جاري تحت الإنشاء. المؤكد لنا أيضا نحن المهتمين بأحوال العرب هو أن نظاما إقليميا عربيا جديدا جاري صنعه. هنا اتفق مع اعتقاد ريتشارد هاس، المتخصص في التخطيط السياسي وصنع السياسة الخارجية، في أن النظام الدولي الجديد لا يهبط علينا من السماء وإنما تصنعه عقول وظروف وأسباب. صحيح هذا الاعتقاد، فنظام توازن القوى الذي هيمن على العلاقات بين الإمبراطوريات الأوروبية على امتداد القرن التاسع عشر نشأ كرد فعل حكومات أوروبا لمرحلة الحروب النابليونية. ولكنه نشأ أيضا لأن ثلاثة من القادة الدبلوماسيين العظام، مترنيخ وتاليران وكاسلريه، تصادف وجودهم. هم الذين أبدعوا وخططوا لمؤتمر فيينا، المؤتمر الذي أثمر نظاما دوليا استمر حتى اشتعال الحرب العالمية الأولى. هذه الحرب العالمية التي نشبت عندما توقف النظام الدولي عن العمل.


بالمثل لم يهبط علينا النظام الإقليمي العربي من السماء. إنما نضجت ظروف وتوفرت أسباب ووجد قادة سياسيون شعروا بالحاجة إلى شكل إقليمي يرسم حدود العرب، حدود ذاب أكثرها في حدود أمم أخرى خضعت جميعها كما خضع العرب لإمبراطورية عثمانية طويلة العمر واستعمار أوروبي ورثنا ضمن ما ورثه من أملاك هذه الإمبراطورية المنهزمة في الحرب. وبالفعل عشنا نحن العرب لما يقرب من ثلاث أرباع قرن وربما للمرة الأولى داخل نظام حدوده صارت معروفة ليس فقط لأهل النظام الإقليمي الجديد ولكن أيضا للعالم الخارجي ممثلا في نظام دولي جديد ظهر متلازما مع ظهور النظام الإقليمي العربي.


جيلي وكان طفلا وقت نشأة النظام الإقليمي العربي عاش شاهدا. كان طفلا وشابا ثم مواطنا في أواسط العمر وشيخا. عاش شاهدا على مراحل نشأة النظام العربي وشموخه ومراحل اضمحلاله وانحساره. شعرنا باقتراب نهايته عندما اكتشفنا أن حدود النظام عادت تذوب في حدود أمم وشعوب أخرى وعندما شعرنا وتأكدنا من أن النظام الإقليمي مقبل على أزمات لن يكون أقلها شأنا وخطورة أزمات الهوية. كنا شهودا في مراحله الأخيرة على تقتير في المال والاهتمام والرعاية من جانب حكومات الدول الأعضاء لمؤسسات النظام و نقص في تبجيل أهدافه وأسباب وجوده. كنا نعرف، وهكذا لقنونا، أن الشيء يبدأ في الاضمحلال عندما ينتهي دوره أو عندما يفشل في أداء وظائفه. هذا الشيء إن لم يعد مفيدا قرر أصحابه تصفيته بالاستغناء عنه أو البحث عن بديل يقوم بوظائفه. كنا شهودا.

تعلمنا أيضا، أن هذا الشيء، وفي حالتنا هو النظام الإقليمي، تتغير صورته ثم يتدهور مستوى أدائه عندما يختل توازن مكوناته الأساسية. يستمر التدهور ليصل الشيء إلى نهاية عمره أو صلاحيته إذا تعمق الخلل في التوازن الداخلي لمكوناته إلى حد اللاتوازن المطلق، أي الفوضى أو الانفراط. هنا أيضا كنت شاهدا.


عرفنا من خلال متابعتنا لتطور النظام الدولي الذي انبثقت فكرته خلال سنوات الحرب العالمية الثانية واستمر معنا حتى عهد قريب، عرفنا أن النظام الإقليمي مثله مثل النظام الدولي يمكن أن تفشل مؤسساته وأجهزته عن التأقلم مع تغيرات العصر في السياسة والتكنولوجيا وأساليب الحرب وأدواتها وفي الاقتصاد فيتدهور أداؤه. في حالتنا تحديدا حدث أنه بالإضافة إلى أن النظام الذي لم يستوعب بالكفاءة والسرعة اللازمتين التحولات الإقليمية والعالمية فشل أيضا في التعامل مع التدهور المتسارع في قوة وفعالية إرادات الدول الأعضاء تحت وقع ضجيج العولمة وضغوطها وفجائية التحولات السياسية والاقتصادية الدولية. وقتها مثلا انتصب الكائن الكامن في أرض الصين عملاقا أو قل، كما قالوا، فراشة إن هفهفت بجناحيها هبت رياح وتدفقت المياه في الأنهار. أهلكت بشرا وأحيت بشرا.. كنت شاهدا.


تشير تجارب النظام الدولي إلى أن النظام يمكن أن يتدهور لولم يتسلح بالمرونة التي تسمح بانضمام أعضاء جدد. كانت الصعوبة التي واجهت محاولات ألمانيا واليابان الانضمام والاستفادة بالمزايا الاستعمارية التي كفلها النظام القائم وقتذاك لأعضائه سببا رئيسا في تدهور النظام ثم سقوطه ونشوب حربين عالميتين. كذلك كانت الصعوبة التي واجهت العراق للارتقاء بالمكانة داخل النظام العربي سببا مباشرا آخرا في تدهور النظام الإقليمي العربي ونشوب حربين عطلتا نمو النظام وربما إيقافه عن أداء وظائفه. من ناحية أخرى كانت مرونة النظامين الدولي الحديث والإقليمي العربي في إرساء قواعد انضمام أعضاء جدد سببا من أهم أسباب استمرار بقاء النظامين فترة طويلة وعدم انفراطهما مبكرا رغم تعرضهما لأزمات حادة، مثل أزمتي برلين والصواريخ الكوبية في حال النظام الدولي وأزمتي الحرب الباردة العربية وهزيمة 1967 في حال النظام الإقليمي العربي. التدهور الفعلى للنظام الدولي بدأ مع انهيار الاتحاد السوفيتي ثم تفاقم مع مأساة الغرب في حربه ضد العراق، أما التدهور الفعلي للنظام العربي فبدأ مع فقدان عدد مهم من الدول العربية حاجتها إلى النظام ومؤسساته، وبخاصة في أعقاب فشل النظام الإقليمي العربي منع غزو العراق. كنت شاهدا.


قرأنا في كتب التاريخ القديم والمعاصر أن الثورات الشعبية، كبرت أم صغرت، لم تؤثر جذريا في مسيرة النظام الدولي القائم. ثورتا 1830 و1848 لم تضعفا أو تقللا من كفاءة نظام توازن القوى في أوروبا وهما إن خلفتا تأثيرا ملحوظا فهو المزيد من قوة في إرادة أنظمة الحكم وفي أجهزة القمع الداخلي في دول النظام أو في بعضها على الأقل. لاحظنا كذلك أن ثورة 1968 في فرنسا وثورتي براج وبودابست لم تؤثر أي منها جذريا في أداء وفاعلية نظام القطبية الثنائية السائدة وقتذاك ولا في كفاءة أجهزة النظام ومؤسساته. لاحظنا أيضا أن ثورات الربيع لم تحدث تغييرا فوريا يذكر سواء في وقف تدهور النظام الإقليمي العربي أو حتى إبطاء سرعة تدهوره. ما حدث وله مغزاه هو أن دولا صغيرة أعضاء في النظام ولم تكن فاعلة فيه أو مؤثرة انتهزت الفرصة وراحت تتدخل بتكلفة مادية باهظة ونتائج هيكلية هزيلة، واحدة منها أظن أنها حاولت اختطاف الجامعة العربية باعتبارها أهم مؤسسات النظام العربي ونجحت لفترة قصيرة قبل أن تنهض دول أخرى لمعاقبتها. يذكر أن هذه الدول التي تولت مسؤولية فرض العقاب على عضو اعتبرته متمردا لم تنهض تحت علم الجامعة العربية ولم تفرض عقوباتها باسم النظام الإقليمي العربي، وكنت شاهدا.


الأسباب كثيرة وراء نشأة وتدهور وانفراط النظم الدولية والإقليمية. من هنا صعوبة التوصل إلى بدائل وحلول لوقف التدهور وإلى تصور لشكل نظام دولي أو إقليمي يأتي في المستقبل القريب. أما إذا طلب مني اختيار ظرف أو سبب معين أميل إليه أكثر من غيره كعنصر من عناصر الأساس في نشأة نظام بعينه أو منع استمرار تدهوره فسوف اختار بلا تردد عنصر الدبلوماسية. أقصد بها تحديدا وجود عدد من الشخصيات الواعية وصاحبة الخبرة الواسعة في العمل الدولي أو الإقليمي المشترك والمتاحة لها تفاصيل وتجارب قيادات دبلوماسية أدلت بدلوها في تطوير الدور السياسي لأوطانها. أذكر فقط بقيادات دبلوماسية من هذا النوع وجدت أو تصادف وجودها عند نشأة نظام مؤتمر فيينا وعند التفكير في نظام دولي قرب نهاية الحرب العالمية الثانية وعندما خرج إلى الوجود نظام عربي أفرز بعد قليل جامعة الدول العربية في أواخر الحرب ذاتها. هناك الآن على الصعيد الدولي يجري التفكير في مراكز البحث في مدى صلاحية المكونات الراهنة ليقوم على أكتافها نظام دولي جديد، وهنا في عالمنا العربي يكاد نظامنا العربي ينفرط ولا سعي جرى أو يجري لوقف الانفراط وجمع المكونات المناسبة لنظام عربي جديد. غائبة في الحالتين عناصر ومكونات عديدة أخص بالذكر عنصر القيادات الدبلوماسية التاريخية والخلاقة.

تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *