Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

كتاب مفتوح إلى الرئيس ميشال عون

القلم بين أصابعي ثقيل. لا يملك خفة القول. من عاداته أن لا يتأنى. يرى ويكتب. كلامه قاس وحقيقي. ودائماً من دون جدوى. البلد ماضٍ في غيه وعلى هوى قياداته المتناوبة على إضاعته.

لا أخاطب رئيس الجمهورية إلا بما يليق. لذا قلمي ثقيل بين أصابعي. سألزمه بأن يكون حقيقياً لائقاً، فلكل مقام مقال.

فخامة الرئيس. هذه أول مرة أخاطب فيها رئيساً. من قبل، كانت الرئاسة بلا رئيس حقيقي. كانوا استعارة مؤقتة. هذه المرة، لدينا رئيس ورئاسة. لذا، وجب التنبيه والمتابعة والنقد. ثم، أن الرئيس، يشيع عنه، انه “رئيس قوي”. هكذا تعرف يا فخامة الرئيس.

انما، اتفاق الطائف، لم يترك للرئيس صلاحياته التي تآكلت مع الحروب اللبنانية، وقد كنت في آخر فصولها الدامية. كان الرئيس في ما سبق، رئيساً قوياً، بما يملكه من سلطة نص عليها الدستور. بعد الطائف، بات الرئيس فقيراً جداً. انتقلت السلطة إلى مجلس الوزراء، فتوزعت وتدنت وتبعثرت.

قوتك يا فخامة الرئيس هذه انتقلت إلى من سيبها ويسيبها. صارت مشاعاً موزعاً على الطوائف ومن يدعي تمثيلها. قوتك انت، منك، ومن الزخم الذي دشنت به عودتك من المنفى. خافوا منك. سموك التسونامي. غيرهم، رأى فيك المنقذ، وهؤلاء آل بيتك وتيارك الواسع، الذي ضم الألوف من غير الموارنة والمسيحيين. صدقوا اطلالتك العلمانية. صدقوا رغبتك بالإصلاح والتغيير، صدقوا “الإبراء المستحيل”. صدقوا تفاهمك والسيد حسن نصر الله. صدقوا عنادك البناء. ثم … ثم… ثم… ذابت تلك المواقف. انصرف العلمانيون عنك. استبدلت العلمانية بالطائفية المستفزة، و”الإبراء المستحيل” تحول إلى التنسيق المستدام، أما الإصلاح والتغيير، فلم يطرأ عليه جديد.. شعار بلا عمل، أو أحياناً، بعمل يضر بالإصلاح ويطيح بالتغيير. ولم يكن هذا التبديل مقنعاً، لغير تيارك. أكثرية اللبنانيين رأوه شعاراً بدون قدمين.

جئت الرئاسة بعد “اضراب دستوري” عن الانتخابات. جئتها بعد “مصالحة” مع “القوات”، وبعد تسوية مع “المستقبل”، مدعوماً بتفاهم متين مع “حزب الله”، الذي يعترف ويقدر، مع كثيرين، صمودك الشجاع في عدوان 2006 الإسرائيلي. إنما، السؤال، يأتي من باب الحساب. لقد دفع اللبنانيون الثمن، وفزت بالرئاسة.

دعنا، يا فخامة الرئيس، نسرد ملاحظاتنا المقلقة. بدوت بعد ذلك، شبيهاً بمن أنت كنت ضدهم، على خط مستقيم. صرت الممثل الشرعي الأقوى للمسيحيين فقط لا غير. وليس لكل المسيحيين، بل للمسيحيين المستعدين أن يذهبوا معك في أي اتجاه. تماماً، مثل غيرك من زعماء الطوائف المكرسين، سنة وشيعة ودروزاً. ولا تختلف عنهم، إلا بما تتمتع به انت من مزايا شخصية… فما الجديد فيك؟ وأين الإصلاح والتغيير؟ ثم انك تفوقت عليهم جميعاً من خلال تقريبك ذوي القربى، إلى درجة مبالغ فيها. العائلة الحاكمة يشار إليها بالأصابع. وعند هذا الحد، أضع نقطة، خوفاً من اساءة فهمي، وإحالتي إلى “بيت خالتي”.

ثم أن العائلة، صارت حزباً سياسياً غير مستقل عنك. عرفناً عهوداً لحكم العائلة، ولكننا لم نعرف هذا الحجم من التدخل العائلي في الحياة السياسية. ولا يقنع القول، أن الرئاسة هي لكل اللبنانيين. هي أولاً للمقربين من العائلة، وللمحظيين في التيار، وللأثرياء جداً جداً جداً من الموقع الأول ومواقع القيادة… ثم اننا لا نقتنع، والأدلة كثيرة، على أن العهد لكل لبنان وأنك والتيار اثنان. انت والتيار المحظي واحد أحد.

هذا التطور، أساء إلى العهد وأكل من هيبته. ولا يحتاج اللبنانيون إلى أدلة، يندر الحصول عليها بسبب اكتوائهم المسبق بآليات الفساد الرأسمالي، فحيث الرأسمال يكون الفساد. السلوك شاهد على الصواب وعلى الصح. السلوك السياسي في الحكومات السابقة والحكومة الأخيرة، دل على شطط كبير عن الإصلاح وبراءة الذمة. معسكر الرأسماليين الكبار جداً، جداً، جداً، صار يبز معسكر “المستقبل” و”أمل” و”الإشتراكي” و”القوات”، وهي الفئات التي تشكل معكم، قيادة العمل الحكومي والإداري والقضائي.

ما كنا نتوقع هذا الإنقلاب الكبير. يوم عودتك عيد. أيام ما بعد ذلك، يصح عليها، “عيد بأية حال عدت يا عيدُ”. يصدقك تيارك، كما تصدق التيارات الطائفية الأخرى، زعماءها. خارج هذا التماثل الطائفي التام، هناك شكوك عميقة بأن عهدكم سينجح بمحاربة الفساد ووقف الهدر و.. و.. لم تترك بين يديك ما يفيد بأنك قادر، مع أن نواياك راغبة في ذلك، على ما يؤكد مقربون وعارفون. فات الأوان. الحكومة الطائفية المقبلة، تشبه كل الحكومات المرتكبة السابقة. لا يحارب الفساد بالفاسدين أبداً. ولا يصلح القضاء، بتوليه موال لك وزيراً للعدل، ولا تعود الكهرباء بتولية موال آخر، ولا.. ولا… هذه بديهيات. من هنا عودة اليأس وفقدان الأمل بالعهد. ولقد جاء ذلك سريعاً، بكل أسف.

لا اتهام البتة لذمتك. لا شك في رغبتك في أن يكون عهدك ناجحاً، نظيفاً، نقياً ليعيد السلطة إلى نصابها، وليعيد الإدارة إلى المواطن. (حزب الإدارة الكبير، ضد كل إصلاح من فوق أو من تحت). لا اتهام أبداً للنوايا. انما النيات بالأفعال، والأفعال أسفرت عن انحراف عن الكلام والشعار والخطاب والماضي الواعد.

فخامة الرئيس. نراك تكثر من استعادة مقولة السيادة. ترى أن عهدك اليوم، سيداً على السيادة، باستثناء الأراضي اللبنانية المحتلة.. يلتبس علينا المشهد. هل السيادة هي على تراب الوطن، أم على مؤسساته وسياساته ومقدراته وشعوبه؟ لبنان، من هذه الجهات، فاقد لكل سيادة. طوائف لبنان تفيض عن حدوده. سياسيو لبنان يعيشون خلف الحدود. يقيمون أواصر السياسة والقربى مع الأغلبيات الطائفية المتحكمة خارج الحدود. سيادتنا منتهكة اسرائيلياً قليلاً، ومنتهكة كلياً سياسياً، من خلال الولاءات الخارجية، السنية والشيعية والمسيحية. أن للدول ذات النفوذ، وزراء ونوباً وإدارات، ويداً طويلة على القوى السياسية.

السعودية عندنا. إيران عندنا. اميركا تتدخل بكل شاردة وواردة.

لذا يصعب تنفيذ شعارك السيادي، لاضطرارك إلى المشاركة اليومية في رسم سياسات، قيل عنها، انها تنأى بالنفس.

أما الديون التي انفقت على ذوي الحظوظ وحاشياتهم، فمن المستحيل استردادها. ولا رئيس يستطيع ذلك. ومن المستحيل، وقف الهدر. نموذج عن ذلك، وزارة الثلاثين وزيراً، فيما يمكن الإكتفاء بستة عشر أو أقل. نترك هذا الدين جانباً، مع التمني في أن لا يقود المزيد من الإستدانة إلى الانهيار الكبير في عهدك، وهو من مسؤولية كل العهود قبلك.

يا فخامة الرئيس القوي، لست قوياً بما فيه الكفاية، ورصيدك من القوة ينفق ويستهلك بسرعة. وآمل ألا يغرنك فوز تيارك في الانتخابات. فالديون في أثينا قصمت ظهر أقوى حزب بعد انتصاره في الانتخابات. وكانت الكارثة. الديون شيء، والرئيس القوي شيء آخر.

ماذا أحدثك عن اللبنانيين؟ تعرفهم أكثر مني. إلا أن هناك شريحة لبنانية مكتومة، لا تعلن عن مأساتها. هؤلاء، كانوا الأكثرية التي امتنعت عن التصويت. أكثر من 50% لم يدلوا بأصواتهم. انهم معترضون على الجميع، بمن فيهم مقامك الرئاسي.. هؤلاء لبنانيون يعيشون حالات انعدام الأمل والبؤس وفقدان الرجاء. لبنان كله عندهم مريض ولا شفاء له. انهم عاطلون عن الأمل. يرون لبنانهم ينسحب منهم. قراهم أقفلت وباتت مأوى للعجزة ومقبرة للميتين خارجها. تجاراتهم الصغيرة أقفلت. زراعاتهم بارت، مصانعهم أنهكت، فرص العمل ندرت. وحدها البلاد الأخرى بلادهم. واليوم، بات السفر أصعب. فكل البلدان الغنية تعيش أزمة بحبوحتها.

ماذا بعد؟

كنت أتمنى أن يكون هذا العهد، محصلة تيار كبير ليضع لبنان على سكة الدولة الديمقراطية العلمانية العادلة. عندما حضرت يا فخامة الرئيس من منفاك، كنت هذا الوعد. نحن لم ننحرف. ما زلنا بانتظار اللبنان الجديد. أنت جئت لتصبح ركناً من أركان لبنان المخلع والقابل للإنهيار. ليتك بعدك حيث كنت عندما اخترت. أخذت الطائفية. وها انت اليوم أسيرها ونبيها معاً، خصوصاً مع نظرية “القوي في طائفته”. وهي نظرية قد سبقك اليها الشيعي مع الإمام موسى الصدر، عندما كان الشيعة مهمشين مسيحياً وملحقين سنياً. ولقد دخل الشيعة الدولة، وأخذوا حصتهم وزيادة. وها انتم اليوم تفعلون مثله. تريدون المساواة في الوظائف والنقص الديمغرافي المسيحي رصيدكم المفلس. فما العمل؟

أخيراً، اعترف انني ما قلت كل الذي يجب أن أقوله. أخفيه، لا خبثاً. أخشى أن يكون عهدك قد مضى، وبقيت أنت. يا للخسارة القاسية. يا للخوق على لبنان. يا للشجاعة المرة في أن نظل لبنانيين أسرى الخوف والعبث وانعدام الأمل.

باحترام.

 

الردود: 5
  • فايز
    08/07/2018

    بل كلام حق تفوح منه رائحة الألم وحرقة القلب وخيبة الأمل

  • يوسف ناصر
    07/07/2018

    كلام حق يعبر عن مشاعر و إحساس معظم المواطنين و الى ما نصبو اليه و عسى ان يساهم في الوصول الى الديمقراطية الحقة و تحقيق العدالة الاجتماعية و تجسيد فصل السلطات كما ينص عليه الدستور و عدم تسييس كل شيء و العمل على وقف الهدر و المحسوبيات و استنهاض الاقتصاد و تحويله من ريعي الى تنموي و إنمائي و زيادة فرص العمل تجنبا للمصير المؤلم الذي يهددنا جميعا إذا ما استمرينا السير على هذا النحو المتصاعد

  • سوزان ضو
    06/07/2018

    تسلم الأنامل والأيدي، قلت ما لا نستطيع التعبير عنه بالكلمات، كلام يقال به حق ويراد به حق!

  • Gisele
    04/07/2018

    كلام حق يراد منه باطل

  • مقال يستحق القراءة بتأمل..

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *