Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

قديم يتنحى وقديم لا يغادر

نبالغ، نحن كبار السن، في إعلان عشقنا للقديم. نعشق سينما الأبيض والأسود ونحث صغارنا على مشاركتنا هذه المتعة المتجددة. أثق في أن كثيرا من الآباء والجدود اجتهدوا في ابتكار مبادرات وهم يحاولون شد انتباه الصغار إلى بعض القديم الذي عشقناه. أنا شخصيا اجتهدت وحاولت. كانت الاستجابة في معظم الحالات ضعيفة ولا تخلو من رغبة في إرضاء كبير العائلة واحترام رغبته. أخفيت عنهم، ولكني لن أخفي عن أوراقي الخاصة، أنني كنت في كثير من الأحيان مفعما بالرغبة في ألا تفوتهم فرصة للاستمتاع بما أتيح لي من أنواع متعة في الماضي. كنت أيضا مشبعا بالاقتناع بأن الجديد الذي يشاهدون ويسمعون كل يوم وطول اليوم غير مثير وغير ممتع وأنهم في واقع الأمر غير سعداء به.

***

أذكر كيف كنت أفتعل المناسبات لنجتمع أمام شاشة التلفزيون أثناء عرض فيلم قديم صامت وأحيانا ناطق. كثيرا ما لمحني الصغار خلال العرض وأنا أسترق النظر إليهم من طرف عيني أراقب بخيبة أمل عجزهم عن استظراف مشية ممثل معين وتعبيرات وجهه. كان هذا الممثل بالتحديد مشهودا له من الكافة في عصرنا بخفة ظله وروعة أدائه. افتعلت مناسبات أخرى أقنعت فيها صغاري، على غير المعتاد وخلافا لما جرت عليه أصول التربية في بيتنا، بقضاء السهرة العائلية المزودة بصحون المأكولات الخفيفة والمكسرات معنا يشاركوننا متعة الاستماع إلى أم كلثوم.

أخطأنا التقدير. لم نقدر حقيقة أن لهؤلاء الصغار جديدهم في السينما، كأفلام الألوان الطبيعية ورعاة البقر والاستعراضات الراقصة. لم نقدر أيضا أن لهم جديدهم كذلك في الموسيقى والأغانى. لم نقدر في ذلك الحين أن الأذواق لا تورث، وأنها متغيرة دائما وأبدا، متغيرة مع الزمن ومع المرحلة العمرية ومع جغرافية المكان وأجوائه المناخية ومتغيرة مع الظروف المادية والنفسية وبخاصة الظروف العاطفية.

خلصت من تجاربي مع الصغار إلى نصيحة أوجهها لكل من يهمه الأمر. لا تجبر صغارك على الاستماع أو مشاهدة القديم الذي تعشقه. لن تكسب لقديمك معجبين جددا، هذا إذا لم تكن قد فقدت بالفعل عند صغارك وأصدقائهم سمعة ذوقك الرفيع ومكانتك الراقية كمحب للفنون وربما راع لها. حاول أن تستعيد دورك عندما كنت تمجد أمامهم خصال التقدم والقيم والأذواق العصرية وتسفه كل قديم من السلوكيات.

***

سألتني صديقة: كنت صغيرة عندما تعرفت عليه. كنا في عرس صاخب ككل الأعراس أشارك أهلى المائدة التي خصصت لنا. أذكر أنني كنت سعيدة بشكل خاص في تلك الليلة ليس فقط لأن أقرب قريباتي إلى قلبي ومكمن أسرارى تتزوج، ولكن أيضا لإحساسي الأكيد بأنني متفوقة على الكثيرات جمالا وأناقة. لم أكن ليلتها في حاجة لمن يلح من الصديقات والقريبات وأمي بشكل خاص لأنضم إلى الزهرات اللائي يشاركن العروس والعريس الرقص. رقصنا ورقصنا فأبدعت وبين الراقصين معنا ومن حولنا رأيته وصعقت انبهارا. لم أجد صعوبة في فتح حديث وتبادل كلمات بلا معنى، بل ولا أذكرها الآن. لم أنتبه إلى وجود أهلي إلا عندما جاءتني في الحديقة من تنبهني إلى أنهم يبحثون عنى لنرحل عائدين إلى بيتنا، وكان الفجر قد حل.

لم أتزوجه. تزوجت رجلا آخر لم تربطني به قبل الزواج عاطفة. قضينا معا ما يزيد على خمسة وعشرين عاما ننجب ونربي. عشت حياة، أو المرحلة الأهم فيها، خالية من الإثارة. تمر السنوات ولا يحدث جديد. يقترب الصيف وأنا أكاد أكون واثقة من تفاصيل تحركاتنا خلاله يوما بيوم ولا أبالغ إن قلت ساعة بساعة. ولن يختلف الشتاء عن الشتاء الذي سبقه.

أعتذر يا صديقي عن هذه المقدمة الطويلة. أردت فقط أن أحيطك بخلفية السؤال الذي نويت التوجه به لك. أردت فقط أن أعرف منك توقعك لما يمكن أن أفعله لو ظهر أمامي فجأة الشاب الذي صعقتني انبهارا رؤيته في عرس قريبتي قبل أكثر من ربع قرن. هل تظن أنه بقي في من هن في مثل عمرى وظروفي ما يمكن أن يدفعهن إلى الانبهار؟ سؤالي هذا يجر معه سؤالا ثانيا وأهم وأعرف تماما أنك توقعته. لا شك عندي أنك توقعت مني أن أسأل السؤال بنصه التالي: لماذا تراني سألت السؤال الأول؟

***

نعم. بقي في من هن وهم في مثل عمرك وظروفك ما يمكن ويكفي لدفعهن ودفعهم إلى الانبهار، ولكن ليس إلى الانبهار بقديم. الإنسان منا، حسب اعتقادي وتجربتي، لا ينبهر إلا بالجديد. أنت لا تنبهرين بالقديم لأن الانبهار استغراب، والإنسان لا يستغرب الشيء مرتين. لن تنبهري بالقديم مرة ثانية. القديم بعد قليل يتحول إلى نماذج نتوق لها ويستمر أعجابنا بها لما تثيره في نفوسنا من أشجان وأشواق. لن يتجدد انبهارنا بالقديم فالقديم لن يعود إلينا طبق الأصل إلا إذا احتفظنا به مجمدا في مكان لا يتعرض فيه لقيظ السنين وصقيعها أو لتقلبات الحياة ونكساتها أو لخيانات الدهر والبشر، ولن نفلح حتى لو شئنا. كذلك لن يعود القديم كقديمه تماما إلا إذا سجلناه صوتا أو صوتا وصورة أمناء عليه فلا يتغير وإن تغيرنا. وقد تغيرنا. نستعيد القديم خاليا من العاطفة وخيالاتنا متوقدة العواطف. وإليك أعود.

أنت نفسك تغيرت. أؤكد لك أنك لم تحتفظي بنفس ذوقك في الرجال الذي دفعك ذات يوم قبل خمسة وعشرين عاما للإعجاب برجل إلى حد الانبهار. أما الرجل فهو كغيره من الرجال سرعان ما فقد المواصفات التي كانت في ليلة من الليالي وليال أخرى وراء انبهارك. تغيرتما. كلاكما لا ينفعه الآن ولن يشبعه قديمكما.

***

أتذكرين عندما كنت تقولين عن الرجال يعجبنى منهم الأكبر سنا والممتلئ قليلا وخفيف الشعر. أنت الآن تفضلين أنواعا مختلفة. القديم يتنحي عن مكانه في أولوياتك لصالح جديد أتى بالفعل أو ربما آت. هكذا حال كل قديم. أستثنى القديم من الموسيقى والرسم والتصوير والنحت والغناء. هذا النوع من القديم يزداد روعة وجمالا ويتضاعف الطلب عليه كلما ازداد قدما. أتسمعين ما أسمع الآن. أسمع صوتا خلابا يشدو بكلمات تختتم أوبرا مدام بترفلاي. أمثل هذا القديم يجوز أن يتنحى لصالح جديد؟

تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *