Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

في الشكر على التكريم

أتوجه، بداية، بالشكر لمن دعا ولمن جاء مشاركاً ولمن حضر متضامناً متخففاً من الشعور الثقيل بأنه قد استدعي لحضور مجلس عزاء.
وأصدقكم القول انني أعيش في هذه اللحظة شعوراً يختلط فيه الزهو بالاعتزاز حين التفت خلفي فيتأكد لي، كما يتأكد لكم، ان “السـفير” التي يصادف اليوم عيدها الرابع والأربعين، قد أدت دورها في خدمة قضايا شعبها وأمتها على أكمل وجه قدرنا عليه، في ظروف تجاوزت أحياناً الصعوبة الى ما يشبه الإستحالة.
وفي ما يعنيني شخصياً فإنني افترض انني قد أسهمت، مع جيلي ومن تبعه، في مسح صورة مهينة عن أهلنا وعن منطقتنا، اذ كانوا مجاميع من القتلة والطفار والهمج في أرض قفر لا تنبت غير الحشيشة والثأر الوحشي والتهريب وكل ما هو خارج على القانون.

أيها الاخوة والأخوات
… وبين ما أخذني الى الصحافة الإهانة شبه اليومية التي كانت توجه، بقصد أو من دون قصد، الى كرامتنا الإنسانية وجدارتنا بالحياة في بلاد الأرز!
كان العابرون في ساحة البرج، قبيل الظهر، ينتبهون الى أصوات باعة الصحف الظهرية وهم يهتفون بحماسة ترويجية: صورة اللي قتل أمه في بعلبك..
صورة اللي قتل اخته في بعلبك. القبض على عصابة مخدرات في بعلبك الخ.
لم يكن لبلاد بعلبك ذكر إلا كمنبت للجريمة، القتلة، العصاة
وكنت مثل غيري من أبناء هذه المنطقة، أشعر بالمهانة: أليس في هذه البلاد إلا القتلة والمهربون والخارجون على القانون؟!
أين الآخرون؟ الناس الشعب لا يؤتى على ذكرهم وهم في وهدة الإهمال والفقر المفروض بإسقاطهم من ذاكرة الدولة، فلا مشاريع للتنمية، ولا مدارس كافية، ولا طرقات تصلح للسيارات، هذا على فرض انهم يملكونها؟!
هل هذا حديث في الماضي وعنه؟
ليس تماماً، وان اختلفت المسؤولية عنه، ومن الواجب الاعتراف بأن أهل هذه المنطقة، الذين يوصفون غالباً بشجاعة تفيض عن الحاجة، مقصرون في حق أنفسهم، يائسون من الدولة بحيث اسقطوها من حسابهم، يتعصبون لمراجعهم السياسية على حساب مصالحهم: لا يهم أن تخرب المدرسة، وماذا لو خربت الطريق؟ هل من الضروري ان يكون في المنطقة مستشفى حكومي وأن يكون مؤهلاً لخدمتهم؟
تأخذهم النكاية ببعضهم بعضاً الى حد تقبل الضرر للجميع وليبق النائب المقصر نائباً الى الأبد، وليعـط الوزير الذي لا يتذكر المنطقة إلا في التعازي موقع الصدارة!
هل هذا تحريك للمواجع؟
بل هو مدخل للحديث عن “السفير” وعن المهمة التي انتدبت نفسها لأدائها، والتي صدمتها الحرب الأهلية وهي لما تكمل سنتها الأولى، فساعدت في تحديد مسارها لتكون مع الناس كمواطنين ضد الطائفية التي تستولد الفتن، مع العروبة بوصفها الهوية الجامعة، وضد الصهيونية كقوة احتلال واستيطان للأرض العربية على حساب شعب فلسطين والأمة جميعاً. مع المدرسة ضد التجهيل، مع الناس البسطاء ضد الإقطاع والزعامات المقدسة، مع الفلاحين أيام كانت الزراعة تطعم أهلنا فلا يدفعهم إهمال الدولة لها ولهم الى الهجرة الجماعية الى ضواحي بيروت يعيشون كلاجئين، أو الى المهاجر البعيدة منها والقريبة يبيعون عرق الجباه ليعيشوا وقد أماتت الدولة فيهم الوطن.

أيها الأخوة والأخوات، أهلي ومفخرتي
أصدقكم القول أن طريقي كانت شاقة وحافلة بالمصاعب.
لقد بدأت من الصفر، معتمداً على الله سبحانه وتعالى، وعلى إيماني بأنني أقدر، فلست أقل اجتهاداً وصبراً من الذين يحفرون الجبل بالإبرة.
ولقد تعبت كثيراً، وعشت ظروفاً قاسية (وبين أهلي هنا من عشت في فنادقهم المتواضعة آل الحاج حسن وآل قاسم ردحاً من مرحلتي البيروتية الثانية، بعد مرحلة أولى عشــت فيها ضيفاً ثقيلاً على أقاربنا من آل ســيف الدين في جديدة المتن…)
عملت بالسخرة وأنا بلا دخل، وعملت براتب لا يطعمني وأنا بلا بيت، ونمت على كنبة في مكتب مجلة “الحوادث” شهرين أو ثلاثة، أحرر وأصحح وأشرف على الطباعة وأجري مقابلات سياسية وصاحبها غائب. وانتقلت الى مجلة “الأحد”، سعياً الى راتب أفضل وموقع مسؤول ..
ثم جربت التوقيف بل السجن بتهمة كاذبة وظالمة لمدة 8 أيام في نظارة الأمن العام و12 يوماً في نظارة المحكمة العسكرية، ثم 15 يوماً في زنزانة انفرادية بحبس الرمل قبل أن انُقل مع زميلين أفقر مني نفوذاً وجاهاً ومالا الى القاووش.. وبعد ذلك “البراءة” التي لم تحمِ سمعتي وموقعي في عملي.. فتصوروا! كان ذنبي انني صديق قريب من ممثل الثورة الجزائرية في بيروت، عشية انتصارها الباهر الذي ساهم في كتابة تاريخها الجديد.
خرجت فاذا مجلة “الأحد” التي أعمل فيها قد حذفت اسمي عن ترويستها، ولم يكن عندي خيار، فعدت اليها صاغراً حتى توفرت الفرصة لمغامرة في الكويت اندفعت اليها بحماسة وقد صحبت نفراً من زملائي من الكادحين في الأرض..
لكنني بعد إصدارها بثلاثة أشهر جاءني صاحبها مهدداً: ترى يا ولدي يسألون عنك في الداخلية! وفهمت الرسالة فذهبت الى السفارة اللبنانية التي كانت قد افتتحت حديثاً راجياً من القائم بالأعمال أن يتكرم فيعطيني جواز سفر بدلاً من ضائع، فأنقذني مشكوراً، وركبت الطائرة عائداً … وقد تخلصت من أعباء كلمة “لو”.

أيها الأخوة، ربعي وأهلي، أبناء شمسطار وسائر بلاد بعلبك ـ الهرمل. هل تعرفون أن كلمة “بلاد” كانت تطلق على الذين مثلنا من أبناء المناطق المحرومة: بلاد بشارة، بلاد بعلبك، بلاد جبيل، بلاد عكار..
بعد العودة مكثت لشهور عاطلاً عن العمل. وان أخذت اتبرع بالكتابة لجريدة “المحرر” في بداياتها، وكانت اسبوعية .. ثم كان ان اتصل بي المرحوم سعيد فريحة وعهد اليّ بإدارة التحرير في مجلة “الصياد”. وبين الصياد والأحد ومعهما “الحرية” ثم “الحوادث” مجدداً “فالصياد” كريبورتر عربي متجول وليس كمدير للتحرير بدأت تكوين نفسي مجدداً عبر السفر الى مواقع الأحداث في البلاد العربية، مصر أساساً، وأردن الثورة الفلسطينية، وعراق صدام حسين، ودمشق بطبيعة الحال، ثم ليبيا القذافي وجزائر بومدين بعد أن كنت شهدت استقلالها والانتخابات الأولى فيها وتسلم أحمد بن بله رئاستها، كواحد من أبنائها، لأول مرة في التاريخ.
على هذا فقد كنت ممتلئاً خبرة، وعندي ثروة من العلاقات والصداقات مع قادة عرب، ومع نخب من المفكرين والكتاب وكبار الفنانين في مختلف العواصم العربية …
ولقد أعانني ذلك في إصدار صحيفة مختلفة، أكثر وضوحاً بل شجاعة في خطها ـ القومي ـ التقدمي ـ، يشارك في تحريرها واخراجها ومراسلتها نخبة من الصحافيين والكتاب والرسامين المبدعين، بينهم حلمي التوني وابراهيم عامر من مصر والعظيم ناجي العلي من فلسطين.
كذلك ساعدني ان لبنان كان في حالة نهوض عشية حرب تشرين، مع العدو الإسرائيلي، والحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية تلعبان دوراً قيادياً يخفف ـ نسبياً ـ من بشاعة النظام وطائفيته..
شقت “السفير” طريقها الى القمة منذ عددها الأول نتيجة الكفاءة المهنية وصدقها في التعبير عن خط سياسي في غاية الوضوح: صوت الذين لا صوت لهم، جريدة لبنان في الوطن العربي، جريدة الوطن العربي في لبنان.
لم تمهلنا الحرب الأهلية إلا سنة واحدة.. وهكذا فرض علينا امتحان بالنار لإثبات صدقيتنا والتزامنا بخطنا.. ولقد عانينا كثيراً، كما عانى الناس جميعاً، وكدنا نتوقف عن الصدور لافتقاد النصير.

أيها الأخوة
واجهنا تعنت الرقابة وانتصرنا عليها لغباء الرقباء أكثر مما بفضل ذكائنا. واجهنا الإعتداءات المتكررة: بنسف المطابع فجر أول تشرين الثاني 1980، محاولة تفجير البيت مرتين في صيف العام 1981 ثم في خريفه مما اضطر المدير العام في “السفير” آنذاك محمد المشنوق ـ وأنا مسافر ـ الى اتخاذ قرار بتسفير العائلة الى فرنسا حماية لها، فلاقيتها الى هناك .. ومع بداية حزيران 1982 حزمنا الحقائب للعودة، ولكن النيران الإسرائيلية بقيادة شارون أجبرتنا على تجديد نفي العائلة …. بينما واجهت مع شعبنا الإجتياح الإسرائيلي، ثم انتخاب بشير الجميل بعد المذابح في صبرا وشاتيلا وأنحاء أخرى من لبنان،.. وعندما أعدت العائلة الى بيروت في خريف العام 1986 فاجأنا الجنرال عون بحرب التحرير فرحلتها الى القاهرة مجددا لسنة أخرى..
خلال هذه المرحلة جاءت محاولة اغتيالي فجر 14 تموز 1984، وأنا عائد الى بيتي، وقد أثبت فيها أهلنا في لبنان وفي سوريا وسائر أنحاء الوطن العربي صلابة دعمهم “السفير” وخطها الوطني القومي التقدمي الواضح..

أيها الأخوة
النجاح مكلف. ولقد كبرت “السفير” حتى عجزت عن حملها الثقيل، مادياً. وحاولت تأمين استمرارها بتحويل المؤسسة الى شركة، فنجحت قليلاً، ثم لم يلبث الشركاء ان انسحبوا أو رفضوا زيادة رأس المال.
وهكذا كان عليّ أن أوقف “السفير” قبل أن تبدأ رحلة الإنحدار، حماية لتألقها واخلاصها لدورها في خدمة الوطن والأمة.

أيها الأخوة
أشعر بالراحة لأنني قاتلت حتى آخر نفس.
وأشعر بالزهو لأنني قد اخترقت الحصار على هذه المنطقة كي لا تظل موضع امتهان، بوصفها أرض القتلة وزراع الحشيش وخاطفي السيارات والأغنياء طلباً للفدية.
وأشعر بالفخر انني قد انجزت فأنشأت، مع زملائي، جريدة كانت الأولى لبنانياً، وبين الأعظم تأثيراً عربياً، وذات سمعة دولية ممتازة.
افترض انني قدمت الى أهلي هنا ما يؤكد اعتزازي بانتمائي اليهم والى هذه الأرض المباركة..
ولقد آن لي أن أرتاح وأريح.
وهذا صعب.. لذا حاولت التعويض بموقع على الانترنت، باسمي مجرداً، مع بعض الاصدقاء، اكتب فيه ما أراه في أحوالنا في لبنان والوطن العربي، متحرراً من أي قيد، لا سيما القيد المالي..
اتمنى أن أكون قد نجحت في مسح بعض الظلم عن أهلنا هنا، عبر إثبات الكفاءة بالتعب والاجتهاد وحسن القراءة في أحوالنا … وأننا مثل غيرنا من أبناء وطننا نطمح ونعمل لبناء الغد الأفضل.
وإذا كان لي من كلمة نصح فهي أن نطلب العلم ولو في الصين، وأن نسقط من يخون الأمانة من ممثلينا، وأن نحاسب أنفسنا قبل الغير: هل أنجزنا؟
وليحفظكم الله جميعاً، مع الشكر لكل من أسهم في إقامة هذا الحفل الحاشد، البلدية والثانوية ورابطة المختارين وأهلي أهل البلدة وجوارها من فوق بدنايل الى دير الأحمر ومن غرب بعلبك فإلى قلبها وشمالها في الفاكهة.
ولن انسى أن احييكم تحية العيد، فاليوم تبلغ “السفير” عامها الرابع والاربعين ..فكل عام وأنتم بخير..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كلمة القيت في الاحتفال التكريمي الذي اقامته بلدية شمسطار في 2017/3/26

الردود: 1
  • غريغوار مرشو
    27/03/2017

    كانت السفير منارة ورائدة في الوطن العربيي وجسدت بالفعل صوت الذين لا صوت وسيظل ارثها التنويري منهلا ثرا للاجيال القادمة

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *