Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

عن عجائب هذا الزمن العربي: من لبنان إلى اليمن.. مروراً بالسعودية!

يتوالى تفجر الخلافات بين “الدول العربية الشقيقة”: لأسباب متعددة، غالباً ما تكون غير واضحة، او غير مفهومة، لكنها ـ بمجملها ـ تُضعف روابط الإخوة، وتزيد مساحة التدخل الاجنبي، ومن ضمنه التوغل الاسرائيلي، في القضايا العربية.

آخر النماذج الفاقعة إقدام السلطات في المملكة العربية السعودية على استدعاء رئيس الحكومة اللبنانية، سعد الدين رفيق الحريري (وهو صديق وابن صديق لها ويحمل جنسيتها اضافة إلى جنسيته اللبنانية..) واحتجازه في إقامة جبرية فيها لحوالي الاسبوعين.

لم تقدم الرياض، لا رسمياً، ولا بالواسطة، او حتى بالتلميح أي سبب، ولو شكلي فضلاً عن أن يكون مقنعاً، في العلاقات العربية ـ العربية: احتجاز رئيس حكومة لدولة في دولة أخرى، فجأة، ومن دون سابق انذار، او تبرير لاحق..

ولقد تصادف أن الحكومة السعودية طلبت، في الوقت نفسه، وتمت تلبية فورية لطلبها، عقد جلسة طارئة لجامعة الدول العربية للبحث في التهديدات الايرانية للمملكة، ومن ضمنها دور “حزب الله” التخريبي في المنطقة بعنوان اليمن مع تمدد إلى سوريا، بطلب ايراني!

لم يتعرض هذا الاجتماع الطارئ والصاخب لسابقة خطيرة مثل احتجاز رئيس حكومة لبلد عربي في بلد آخر، بأوامر ملكية (غير معلنة)، ولعل المجتمعين قد افترضوا “الاحتجاز” أمراً عارضاً.. ولم ينتبه الامين العام للجامعة المعطلة عن الاجتماع كما عن الفعل، إلى هذه الواقعة، بل انه قدم مطالعة بليغة حول الخطر الإيراني على الامن القومي العربي، ثم تبارى وزراء خارجية السعودية والامارات والبحرين وجزر القمر وجيبوتي في الهجوم على إيران، من غير أن يوفروا لبنان، بشخص “حزب الله” الذي نال نصيبه من الحملة… من دون اعتبار لكونه ممثلاً في الحكومة اللبنانية (التي يرئسها الحريري) بوزيرين.

كان الاجتماع يشابه ـ أقله في الشكل ـ ذلك “الاجتماع التاريخي” لجامعة الدول العربية التي تمكنت فيه “قطر” أن “تطرد” سوريا فتخرج مندوبها المعتمد فيها لتحل محله من يمثل بعض المعارضات السورية.. لكن الامين العام آنذاك، وبعض “العقلاء” بعنوان الجزائر رفضوا تلك المهزلة.. وانتهى الامر بأن سُمح لممثل تلك المعارضة بأن يُلقي خطاباً ضد بلاده.. وينصرف!

كذلك فان هذه الجامعة لم تأخذ علماً بالاحتلال الاميركي للعراق، ولم يصدر عنها أي موقف بذلك الاجتياح العسكري لواحدة من اهم الدول العربية وأخطرها موقعاً وأعرقها نضالاً ضد الاستعمار البريطاني والعرش الهاشمي الذي فرضه على بغداد، مع نهاية الحرب العالمية الأولى..

ثم أن هذه الجامعة التي فقدت دورها ووظيفتها منذ زمن بعيد، لم تعقد ولو اجتماعاً واحداً في محاولة جمع الشمل العربي لمواجهة “داعش” عندما اجتاحت جحافل الموصل، ثم تمددت في مختلف انحاء ارض الرافدين في صيف العام 2012، وتطلب طردها خمس سنوات ونيف من الخراب والضحايا وتشويه تاريخ الامة ودينها الحنيف.

لا بد في السياق من التذكير بأن هذه الجامعة لم تأخذ علماً بعد، في ما يبدو، بسقوط معمر القذافي وسيادة الفوضى المسلحة في ليبيا التي استدعت محاولات عديدة من التدخل العسكري، لحصر النار في بلاد عمر المختار، ومنع امتدادها إلى جوارها، قبل أن يُترك لعناية الامم المتحدة وموفديها والحكومات التي أقيمت ثم انهارت في كل من طرابلس وبنغازي..

كذلك فان الحرب الاهلية في السودان التي ادت إلى انشطاره بين “الشمال العربي” و”الجنوب الافريقي”، لم تحرك هذه الجامعة العريقة التي اكتفت بدور “المراقب”.

ونصل إلى الكارثة القومية التي يشهدها اليمن التي تشن عليه السعودية (ومعها دولة الامارات) ما يشبه حرب ابادة، ومن لم تقتله صواريخ الطائرات الحربية ولا قذائف المدفعية التي هدمت مدنا عريقة بالجامعات والمستشفيات والبيوت بالفن المعماري العريق فيها وتسلقها قمم الجبال والهضاب، قتلته الكوليرا التي التهمت أطفال اليمن وهددت جيلاً بكامله بالإبادة.

ولقد ارتفعت اصوات المنظمات الدولية تطالب بفك الحصار لعلاج المرضى.. لكن الحصار استمر والغارات اشتدت مع تهديد علني بتدمير صنعاء وتعز وعدن وسائر المدن التي تعاظم فيها الخراب..

كل هذا والحكومة اليمنية المطرودة من اليمن، والتي تتخذ من الرياض عاصمة بديلة تطالب، يومياً، بتشديد الحصار حتى القضاء على الحوثيين (أي تنظيم انصار الله) بذريعة انهم يتلقون السلاح والتدريب والمال من ايران (وكذلك من “حزب الله” في لبنان).. ومعهم الحزب الذي انشأه الرئيس اليمني، قبل خلعه.

الاخطر: محاولة تصوير ما يجري لليمن وفيها على انه صراع بين الزيديين والشوافع، ونفي أي طابع سياسي عنه، والادعاء ضمناً بأن السعودية (ومعها الامارات) قد تدخلت جواً وبحراً وبراً لمواجهة الايرانيين.. بدماء اليمنيين وعمران اليمن!

*****

نعود إلى لبنان وما جرى له وفيه: لقد احتجزت المملكة العربية السعودية رئيس الحكومة (الشرعية) القائمة في لبنان، برئاسة سعد الحريري، والمشكلة من ثلاثين وزيراً بينهم وزيران لـ”حزب الله”، على جاري العادة منذ العام 2005.

تم الاستدعاء، ثم الاحتجاز في الرياض.. وقد سمح لسعد الحريري بالظهور على تلفزيون “العربية” لقراءة بيان استقالة (مفروضة عليه بالقطع)، بنبرة استفزازية، غير مألوفة منه، ولا اسباب لبنانية تستدعيها او تستوجبها.

كانت تلك فضيحة سياسية للمملكة واستفزازاً غير مبرر للبنان، دولة وحكومة وشعباً… وقد رفض رئيس الجمهورية، ومعه رئيس المجلس النيابي، بل الشعب اللبناني قاطبة، هذه الاستقالة المفروضة بالقهر.

وبعد وساطة فرنسية تولاها الرئيس الفرنسي الذي كان في زيارة لدولة الامارات، لافتتاح نسخة متحف اللوفر فيها، ثم هبط فجأة في الرياض والتقى ولي العهد الامير محمد بن سلمان، تم الترتيب لعودة كريمة للحريري إلى لبنان سبقتها زيارة لوزير خارجية فرنسا.. ثم سمح لسعد الحريري أن يصحب السيدة زوجته إلى باريس حيث لاقاهما ابنهما حسام (بينما استبقيا ولداه الاخران في الرياض).. واستقبلهم الرئيس الفرنسي ماكرون وأولم لهم غداء تكريميا.. وبعد يومين عاد سعد الحريري وحيداً عن طريق القاهرة حيث استقبله الرئيس السيسي، ثم امضى نصف يوم في قبرص ليلتقي الرئيس القبرصي.. قبل أن يعود ليلاً إلى بيروت.

*****

لا داعي للإشارة إلى أن فلسطين قد سقطت سهواً من جدول اعمال الدول العربية.. والجهد الوحيد بذلته مؤخراً القاهرة (مع محمد دحلان) فأثمر عن “مصالحة” بين فتح (أي السلطة في رام الله) وسلطة حماس في غزة.. لسوف تستغرق ترجمتها على الارض زمنا وجهوداً مضنية.. مع احتمال أن “تتبخر” كسابقاتها. او تنتهي بصدام جديد!

وهكذا فإن لقصة المصالحة بقية معلقة على الايام… وان كانت قضية فلسطين تكاد تضيع بين القيادة الفاشلة والتخلي العربي..

والجامعة العربية في شغل شاغل عنها، خصوصاً وأن مندوب فلسطين ـ السلطة ـ يحضر اجتماعاتها بانتظام!
وأما السودان، وما جرى له ويجري فيه،

وأما “الحرب الصامتة” بين مصر وأثيوبيا حول نهر النيل وحصة المائة مليون واكثر في مصر منه، فمستمرة.. وتنتظر “هبة النيل” أن تعرف نهاية المفاوضات لتقرر موقفها الاخير.

*****

الطريف أن الامين العام لجامعة الدول العربية قد زار بيروت، في أعقاب اجتماع مشترك بين الجامعة والاسكوا، وقام بجولة على الرؤساء الثلاثة في لبنان خص بها رئيس الجمهورية بقبلتين على خده، لعله يطوي صفحة ما جرى في القاهرة، لا سيما الحملة على “حزب الله” الذي كان له الصوت المرجح في انتخاب العماد ميشال عون رئيساً والذي له وزيران في الحكومة.

والعجائب العربي في هذا العصر “العربي” لا تنتهي..

فإلى اعجوبة جديدة!

الردود: 4
  • الشاذلي خالد المهرك
    03/12/2017

    الأستاذ طلال بعد التحية ، أوافقك الرأي في كل ما قلت ، فيما عدا ما ذكرته عن العميل المستقل الذي عشعش بين الحكام العرب طيلة أربعين سنة ، وهو يدعي العروبة والوحدة والنضال ضد العدو الصهيوني ، ليخترق الصفوف ويطلع على اسرار القوى الحقيقة المناضلة ضد العدو الصهيوني وينقلها لاسيادة المضمرين في الموساد والسي اي ايه ،، بل نفذ مجموعة أعمال لصالحهما ، من ذلك ، إخفاء موسى الصدر ، ومكن الموساد من إغتيال فتحي الشقاقي في مالطا بعد زيارة لليبيا مباشرة ،، وكان له الدور الأساسي في تقسيم السودان بتأسيس حركة جون قرنق ، تحت شعار إسقاط جعفر نميري آنذاك ، إنه ايلي كوهين ليبيا ياعزيزي ، ألم نتعظ ممن مارسوا الأدوار بأسلوب العميل المستقل ، الذي يدعي الوطنية والقومية ثم يستقطب الشرفاء ليعرف خططهم ثم يرسلها إلى أسياده أذا كانت هذه الممارسات انطلت على أمثالك ، وأنت المثقف العربي المتميز فما بالك بالبسطاء من أبناء الأمة ، وربما تسأل ، لماذا إذن تخلت عليه الدوائر الغربية إذن ، أجيبك بالآتي : تخلت عليه لخلق فوضى خلاقة على حد تعبيرهم ، وتفسح المجال لانقسام الشعب بين طوائف وقبائل متناحرة ، لتتاح لها فرصة إيجاد عميل جديد بعد أن استنفذت أغرضهم من العميل الأول ، وقد شمل هذا المخطط حتى عملائها المعلنين كحسني مبارك وزين العابدين لتحقيق هذه الغاية ، ثم أنظر إلى ليبيا وماذا فعل بها طيلة عقود الظلام التي حكم فيها : ظلم وتخلف وحروب وسرقة ونهب ودعارة هو وأبناؤه وزبانيته ، والحالة الوحيدة التي استهدف فيها الأعداء حاكم مخلص لوطنه وأمته متمثلة في سيادة الرءئيس بشار الأسد ، لأنه لم يعترف بأسرائيل ، وساند حزب الله في صموده ومقاومته،

  • مؤيد داود البصام
    30/11/2017

    ليس هناك اعجوبة من يوم اكل الثور الاسود….
    لم تكن السعودية صنيعة الغرب العجوز او الغرب الشاب، الا الذراع الايمن للسياسة الغربية في العهد البريطاني الذي كان يرعى مصالح الامبراطورية التي لاتغيب عنهاالشمس او عندما سلمت الملفات الى امريكا الناهضة بعد الحرب العالمية الثانية لتقوم بدورها السابق وتكون هي المستشارة للثور الهائج. وعلى امتداد النصف الثاني من القرن العشرين ولغاية الان فان السعودية تقوم بدورها المنوط لها بكل جارة، تختفي حينا حينما يشتد النضال العربي وتقوى زعاماته ، وتظهر عندما تضعف القوى الوطنية والقومية والثورية، لتقضم الجهد النضالي وتتسيد وتحرك بيادقها، وما الجامعة العربية الا تلك المؤسسة التي اوجدتها بريطانيا العجوز وجعلت منها العصا المشروغة التي يتكا عليها القرار العربي، فلا هي نافعة في الهشولا عي نافعة في الاتكاء عليها، وتستخدمها السعودية ودول الفقاعات الخليجية لتمرير الاجندة الاستعمارية متى احتيج لذلك. لهذا اما م هذه الحقائق ليس هتاك استغراب بما يحدث من لامعقول لسياسة في الوطن العربي،خونة الامة وخدام الدول الغربية علنا، هم الذين الان يتحدثون باسم الامة، ومناضليها ارهابيون ومطاردون، فاي عجب او استغراب لما يحدث هذا زمن الانقلاب لتسيد الخونة والقتلة وسراق المال العام، واستغلال كل صغيرة وكبيرة من اجل احلال القوى الامبريالية لتدير المنطقة العربية.
    استطاعوا عبر غقد او عقدين من الزمن من تغيير البوصلة، فاصبح الكيان الصهيوني هو المقبول الوجود، واوجدوا بديلا للصراع التاريخي (ايران) لاشك ان لايران اطماع في اجزاء من الوطن العربي وبالذات العراق والبحرين، مع اهتمامها بالتوسع واخذ مكانة اقليمية ودولية، ولكنها تبقى بشعوبها الجارة التاريخية والعلاقات التي تجمع امة ( الاسلام) وليس بالمستحيل ان تتغير النظرة الاستعماريةلبعض الزعامات الايرانية امام الضغط الجماهيري لو امتلكت المنطقة العربية قرارها الموحد، ولكن بوجود التشرذم والتفرقة وتسيد البداوة والريف على القرار العربي سيبقى صوت المتشددين الايرانيين اعلى من صوت المعتدلين. وهو ما تريده وتستغله القوى الامبريالية لرسم خارطتها وجعل الكيان الصهيوني جزء من المنطقة.

  • أ. د. حسن محمد السيد
    30/11/2017

    حياك الله يا أستاذ طلال … وأطال عمرك وقلمك الحر …
    كنت أتمنى لو توسعت في خلفية “أبو الغيط” -أمين الجامعة المهترئة – السياسية قليلا ومقولاته عن النهضة الشعبية المصرية أيام “حسني مبارك”

  • محمد جواد
    30/11/2017

    المفكر الاديب الصحافي الاستاذ طلال سلمان تحية الوعي العربي المخضرم.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *