Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

عن المبدع ابراهيم مرزوق.. وحسين ماضي وموسى طيبا وابو علي الخطيب..

سيمر حين من الوقت قبل أن اكتشف أن عندي لوثة الاهتمام بالفنون عموماً، لا سيما منها الرسم والنحت والتصوير، وصولاً إلى “الكاريكاتور”.

وتصادف أن كان والدي الرقيب في الدرك رئيساً للدركي والد الفتى الذي سيغدو من كبار الرسامين في لبنان حسين ماضي.. ولقد جاء به اليّ، ذات يوم، وانا مدير للتحرير في مجلة “الاحد” لصاحبها المرحوم رياض طه، الذي أصدر معها جريدة “الكفاح العربي” اليومية، إضافة إلى امتلاكه “وكالة انباء الشرق” المحلية.

كان حسين ماضي، بعد، طالباً في معهد الفنون الجميلة القيّم عليه الكسي بطرس، وكان يقع بالقرب من مبنى اللعازارية في وسط بيروت، أي على مبعدة خطوات من مكاتب دار الكفاح في شارع منصور القريب..

بعد ايام جاء مع حسين ماضي بعض رفاق الدراسة، ومنهم مصطفى حيدر وحسين بدر الدين… ثم توسعت الدائرة فانضم إليهم بعض الخريجين ممن أتيحت لهم فرصة اكمال الدراسة العليا في بعض عواصم بلاد الغرب الجميلة، باريس ومدريد وروما الخ ومنهم ابراهيم مرزوق وحسن جوني ومنيرعيدو ومحمد الرواس وموسى طيبا.

كان الفنانون موهوبين ولكنهم بلا عمل وبلا دخل..

اما انا فكنت “صاحب منصب رفيع” وصاحب راتب يصلني، نقداً كل شهر.. ومع انه كان متواضعاً قياساً إلى زملائي المتقدمين في المهنة، فانه كان يوفر لي الكفاية، والقدرة على استضافة بعض “الرفاق” من فناني المستقبل.

في بداية الشهر، وحين يأتيني واحد منهم، كنا نذهب إلى مطعم شهرزاد في شارع بشاره الخوري، فنطلب صحنين من الطبخ الشهي.. فاذا جاء بعضهم بعد العاشر من الشهر فكان واحدنا يكتفي بنصف صحن.. اما في العشرة الاواخر من الشهر فكنت أقدم لهم وجبة شهية من الكعك بالسمسم.

بعد حين سيتفرق الاحبة: سيسافر ابراهيم مرزوق إلى باريس وسيلحق به بعد حين موسى طيبا وحسن جوني إلى مدريد، وبعد فترة سيسافر حسين ماضي إلى روما، لإكمال الدراسة في اكاديميات الفنون الجميلة في البلاد السابقة إلى الاهتمام بالفنون عموماً، لا سيما الرسم والنحت وصولاً إلى التجريد..

ولسوف يتلاقى بعض هؤلاء الفنانين المفلسين في “منافيهم” المرفهة، ولسوف يتدبرون امورهم “بالتي هي أحسن” حتى يتخرجوا ويعودوا رسامين متميزين بالجدية وحب الناس وعشق الجمال.

*****

قبل السفر، ثم بعده، كنا قد اكتشفنا لدى ابراهيم مرزوق موهبة الذوق الفني الرفيع، وقدرته على غناء بعض روائع الطرب الأصيل..

وكان حسين ماضي قد عرفنا على ابن خاله حسين الخطيب، صاحب الصوت المطرب حقاً، وشقيقه عازف العود الممتاز نبيه الخطيب.

هكذا انتظم مجلس الانس والطرب الاصيل الذي سرعان ما انضم اليه “الزعيم” الفضل شلق.. ولسوف ينتظم الموهوبون في فرقة غنائية موسيقية ينضم اليها بعد حين صبحي توفيق وعلي ناصر.. ثم سمية بعلبكي، تمهيداً لاندماجهم معاً في فرقة طرب اصيل، سرعان ما تباشر حفلاتها في بيروت وبعض انحاء لبنان ثم في دار الاوبرا في القاهرة.

*****

على أن الكوارث كان تتربص بنا في الطريق،

وهكذا قضى المبدع ابراهيم مرزوق بصورة مفجعة.. وهو الذي علمنا الطرب الاصيل اضافة إلى فن الرسم بالفحم (وبالألوان) وكله جميل إلى حد الروعة.

كان ابراهيم قد استيقظ صباحاً، وقصد إلى الفرن القريب ليشتري خبزاً لأسرته..

كانت البلاد في حالة حرب بين الميليشيات الطائفية، بذريعة اخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان…وصارت بيروت، بضواحيها شرقاً وجنوباً، ساحة حرب، والقذائف تتساقط عشوائياً بقصد القتل، فلا توفر مستشفى او مستوصفاً او مدرسة او فرناً يوفر للناس قوت يومهم الا وقصفته.

كان طابور من المواطنين، رجالاً ونساء وفتية، يقفون امام باب “فرن الوفاء” في محلة ابي شاكر حين تساقطت قذائف المدفعية التابعة للجبهة اللبنانية على الجمهور، فانتثر الناس بين قتيل وجريح، وعز تدخل الاسعاف حتى قضى اغلب المصابين بعنوان الفنان المبدع رسماً ونحتاً ولحناً وغناء ورقة وانسانية، ابراهيم مرزوق؟

ولم يعرف معظمنا بالخبر المفجع الا بعد حين، ولا نحن استطعنا الذهاب لتقديم واجب العزاء لزوجته الجزائرية التي باتت ارملة، وبات اولادها ايتاماً، مع انهم ولدوا وتربوا على حب الناس والفن الجميل!

فليرحمنا الله!

عن ايام زمان بين “يا حسين” و”آه يا زين”!

في ربيع العام 1963 قامت في العراق “ثورة” قادها حزب البعث العربي بالاشتراك مع الجيش الذي نفذ العملية بقيادة عبد السلام عارف، الذي كان شريك عبد الكريم قاسم في انجاز ثورة 14 تموز 1958 المجيدة، ثم خلعه منها وانفرد بالسلطة بدعم من الشيوعيين والغوغاء جامعة الفقراء من العرب والكرد والقوميات الأخرى..

ولقد وضع اهل الثورة يدهم على الصحف وغيروا ادارات تحرريها، وحاولوا تحديثها..

وهكذا تيسرت للفنان حسين ماضي، الذي كان في حال لا يحسد عليها، أن يسافر إلى بغداد للعمل كرسام كاريكاتور في جريدة “الثورة” ببغداد.

للترفيه عن النفس (!!) كان حسين ماضي يقصد كل يوم جمعة تقريبا، المقامات الدينية في النجف وكربلاء، حيث دفن بعض “اهل البيت”، ومنهم الامام علي ابن ابي طالب ونجله الامام الحسين بن علي وبعض ذريته..

مقام الامام الحسين غني في الداخل، وأمامه باحة فسيحة يتجمع فيها الآتون للصلاة او ايفاء لنذور قطعوها.. وغالباً ما تمتلئ في ايام الجمعة بحشود من ذوي الموتى، وهم يحملون جثمان موتاهم وقد جاءوا من بعض انحاء العراق او إيران او باكستان او افغانستان، وعبر طريق طويل استنزفت قواهم بحيث يصلون منهكين.

كان ماضي يتخذ موقعه وينهمك في رسم المشاهد الفريدة في بابها..

وقليلاً ما كان يدخل إلى المقام.. لكنه دخل ذات مرة مع موكب فقيد عزيز في ما يبدو، لان جماعته الباكستانيين كانوا يبكون بحرقة، خلف “المطوف” وقد غفلوا عن كل ما حولهم.

كان صوت المطوف جميلاً وهو يردد “يا حسين.. يا حسين”، وأهل العزاء يلطمون .. بعد حين، انسجم المطوف مع اللحن فبدل الكلمات حتى صارت “آه يا زين..”

بعد لحظات انتبه المطوف إلى وجود حسين ماضي يتابعه وهو يرسم، فالتفت اليه بشيء من الخجل، ولكن ماضي طمأنه بقوله: هيا كفي، كفي، صوتك جميل، كفي..

 

الردود: 2
  • حسين شعبان
    07/10/2018

    أنتم أصيل ياسيدي ، أنتم رائع يا صديقي.. أنتم وفي كما كنتم دائما، وفاؤكم و تواضغكم يسحرني.

  • شذا نصار المدني
    07/10/2018

    ذكريات عبرت أفق خيال طلال سلمان ، فانسابت تخط على الورق أقاصيص أحببتها …
    إلى مزيد من ذكرياتك أستاذ طلال ،… نحن قراء كل خواطرك …

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *