Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

شعب العراق بين جوع الفقر ورصاص السلطة

عرفت العراق اول مرة صيف العام 1964، وكانت بغداد تعيش في ظل الحكم الذي خلع “ماكو زعيم الا كريم” أي الزعيم عبد الكريم قاسم الذي كان بطل التغيير وانهاء الحكم الملكي (فيصل الثاني الذي كان دون الثانية والعشرين من عمره) واعوانه من السياسيين القدامى بعنوان نوري السعيد، وقد تم “اعدامهم” سحلاً في الشوارع وسط هتافات الجماهير الغاضبة.

ثم عرفت بغداد بعد “الانقلاب” الذي قام به الجيش بواسطة عدد من الضباط يتقدمهم احمد حسن البكر والى جانبه ابن شقيقته صدام حسين الذي كان يكره “العسكر” ولا يحب المدنيين.. وهو قد اطاح فعلاً بالضباط الذين كانوا شركاء خاله في الانقلاب، والذي سيتفرد بالحكم، بعد ذلك، وان أبقى البكر رئيساً بلا صلاحيات.

ولقد عاشت بغداد وسائر العراق فترة قلقة حفلت بإعدام بعض السياسيين والكثير ممن اعتبروا “ضد الثورة”، مع أن واحدهم لا يعرف الطريق إلى بلدته في ارض الرافدين، وألغى الاحزاب الاخرى، ثم ألغى “البعث” ذاته لينفرد بحكم العراق حتى العام 2003.

وهو قام بحرب طويلة ومكلفة جداً ضد إيران ـ ثورة الخميني، وليس إيران الشاه، امتدت حوالي سبع سنوات، ثم أقدم على اجتياح الكويت في صيف العام 1990… لكن المعسكر الغربي الذي دعمه في حربه ضد إيران أنشأ حلفاً مع القادة العرب الذين أرسل كل منهم بعض عسكره لكي يضفي على التحالف شكلاً عربياً، وانتهت هذه الحرب بإخراج صدام من الكويت واحتلال بعض جنوب العراق، ومحاصرة بغداد، وتحريض الاكراد في الشمال على الانفصال، وزرع الفتنة او تعميقها بين الشيعة والسنة والعرب والاقليات العديدة في العراق.

ومع ربيع العام 2003 اكمل الاميركيون احتلال العراق بأكمله، وقبضوا على صدام حسين في مزرعة خارج بغداد ثم سلموه إلى “الشيعة” لتكون فتنة، خصوصاً وان الغوغاء التي احاطت بمنصة المشنقة قد اطلقت هتافات طائفية بذيئة، في حين القى “ابو عدي” خطبة قومية عصماء..

ولقد تولى الاحتلال الاميركي الحكم مباشرة بشخص جنرال أحمق بول بريمر، وتم نهب المصارف والمتاحف والمكتبات بكل كنوزها، التماثيل والتحف التي لا يمكن تقدير قيمتها فضلاً عن كتب التاريخ والشعر والتراجم، كما سيطرت قواته على مفاصل العاصمة وشبكة الطرق، وعمل على تغذية الفتنة بين الشيعة والسنة والعرب والكرد وسائر الاقليات.

ومرة جديدة عاش العراقيون عصراً من القلق والخوف على المستقبل، لا سيما حين باشروا الاستعانة بسياسيين هواة كانوا موزعين في المنافي البعيدة (لندن وواشنطن)، والقريبة (دمشق اساساً وبيروت وعمان والقاهرة)..

ولما جيء ببعض هؤلاء إلى السلطة نهبوا ما كان تبقى في خزائن الدولة من مال وذهب، وعبثوا بحقوق الناس، ودبت الفوضى في ظل الخرائب.. ثم ابتدعت خطة لبنانية “لتوزيع السلطة” على الشركاء في المنهبة، وبلغت ثروات بعض اركان “النظام الجديد” ارقاما فلكية، حتى أن أحد “عملاء” النظام الجديدة وقعت منه في مطار بيروت حقيبة ضخمة تبين انه “يهرب” فيها مائتي مليون دولار امريكي!

ضاربت بغداد على بيروت في تغيير الحكومات وقبل ذلك في تركيبة النظام بحيث يكون رئيس الدولة (كإعلان لحسن النية كرديا)، ورئيس الحكومة ـ صاحب الصلاحيات الواسعة، شيعياً، في حين يكون رئيس المجلس النيابي سنيا).. وكانت هذه قسمة ضيزى تسببت في تشريع الانقسام على قاعدة طائفية ـ مذهبية ـ عنصرية معرضة للارتجاج ـ وربما السقوط ـ دائماً.


الوضع في العراق مفزع بعدما جرت “لبننة” مواقع الحكم، بتقديم الطائفية على الوطنية والعروبة والنزعة التقدمية.

وإذا كانت الانتفاضة العظيمة قد تمددت حتى تجاوزت بغداد بميادينها إلى الوسط والجنوب وبعض الشمال (الموصل).

كان الملفت في هذا التحرك الشعبي العظيم أن أكثرية اهله فقراء، وهو الغني بنفطيه وبالنهرين العظيمين، دجلة والفرات (قبل أن تبني تركيا السدود الاعتراضية التي أنقصت كميات المياه التي تكمل مسيرتها عبر سوريا او مباشرة نحو العراق، فدجلة الذي يخترق بغداد والفرات الذي يلتقي معه في المقرن قبل أن يصيرا نهرا كالبحر قبيل البصرة ليكملا المسيرة إلى المصب عند استدارة الخليج العربي… غير بعيد عن الكويت.

وانه لأمر ملفت ومفرح أن تكون تظاهرات الغضب التي سقط فيها أكثر من مائة قتيل خلال الايام القليلة الماضية، قد تجاوزت العاصمة بغداد بضفتيها من حول دجلة إلى الجنوب والشرق وبعض الشمال، لان الجوع ـ كما الارهاب ـ لا يعرف الطائفية ولا يلتزم بها.

اعان الله شعب العراق على محنته التي عز فيها عليه من يناصره، فدول السعودية والخليج تسلك سياسة مذهبية بزعم مواجهة ايران، والطبقة السياسية تبدو عاجزة او قليلة الخبرة او يعطلها الانقسام الطائفي الذي يحاول “الشارع” في بغداد وسائر مناطق العراق تجاوزه والتصدي لتأثيراته على نظام الحكم الذي كان لفترة تزيد على العشر سنوات المتهم الاول والاخطر في جريمة نهب الثروة الوطنية للعراقيين، وتدمير مكانة العراق عربياً ودوليا وتوزع ولاءاته بين طهران وواشنطن، وان كانت ترسبات فترة الاحتلال الاميركي تفعل فعلها، وتحد من استعادة الهوية والدور الذي يفتقده العرب.. ويزيد من احزانهم الكربلائية!

المطمئن، حتى الساعة، أن هموم العراقيين تجمعهم وتوحد موقفهم في المطالبة بحكم عادل يقوم على انصاف هذا الشعب العظيم التي توالت عليه النكبات في الاربعين أو الخمسين او الستين سنة الاخيرة، فجعلته يخسر مكانته ودوره بين اخوانه العرب، ثم يفقد هيبته في الداخل نتيجة عجزه عن الانجاز، بعدما نهب حكام المصادفة معظم دخله واصول ثروته وبعثوا بها إلى مصارف الخارج..

وماذا في أن يجوع العراقيون الذين يقيمون فوق ثروة هائلة من النفط وعلى ضفاف نهرين غزيرين، حتى بعد الاعتداءات التركية، وان لم يكونا بمثل غزارة نهر النيل!

حمى الله العراق من الفتنة التي طالما دمرت دولاً وأنهكت شعوبا ذات تاريخ مجيد، وفرضت عليها الفقر بينما كان يفترض أن تكون الاغنى والاقوى بين اشقائها العرب.

تنشر بالتزامن مع السفير العربي

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *