Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

سفير اللغة العربية

طلال.. سميّتَـكْ لغه / واللغه قصَبْ / يا مين ياخدا ويبريا / ومن كاس التعب / يدلقْ ويسقيا / ويغمِّسْ صابيعو بحبر الوجَعْ / ويترُكْ النهداتْ ع صدر الورق / يقْعُدْ لحالو سفير الآخ … ويحْكيا.
أن تدخل السفارة، يعني أنّك تريد السفرَ أو الهجرة إلى مكان آخر، لكن أن تدخل إلى مكتب “السفير”، فهنا السَفرة التي لا تنتهي. يتعبُك السفيرُ في الحديث عنه، ويشدُّك للحديث معه. لقد عرفتُ هذا السفيرَ من خلال سفارته “جريدة السفير”. لم أكن في عداد أسرتها، لكنّي كنتُ من قرّائها ومن المدّمنين على إفتتاحيات و”هوامش” طلال سلمان. أنا اليوم أكتب عن طلال سلمان الشمسطاري الذي أعتبره قدوةً لشباب لبنان وللعالم العربي. ولا شأنَ لي بالسياسة وزاوريبها ولا بتوقّف السفير عن العطاء، ولا لماذا، ولا كيف؟ التاريخ يشهد كيف أنّ السياسة لا تتفق والشعر.
طلال سلمان، هذا البقاعي الذي تربّى في بيتٍ متواضع كسائر بيوتنا، كان ابن الدركيِّ الذي يعيل عائلته من معاشه، ولا يمدُّ يدَه لأحد. هذا المتواضعُ الحال الغنِيِّ بالقيم والأخلاق، قال للسفير عندما بلغ سنَّ الرشد: “يا ولدي لا أملكُ سوى هذه الأربعين ليرة وفّرتُها من معاشي ومن أمام قوت إخوتك، خُذها وتدبّر أمرك بها يا طلال”. كانت هذه الأربعون بالنسبة لطلال ثروةً ضئيلة بالحسبة المادية لكنّها كانت الأغلى والأكبر في شقِّ الطريق إلى سفارة مهنة المتاعب الصحافة. طلال سلمان، باع الخرضوات وتاجر بها ليؤمِّنَ معاشاً له ومصاريفَ المدرسة الرسمية في المدينة. لكنّه كان صائغَ الحروف في جريدة الشرق آنذاك. هذا الشمسطاريُّ الكبير حملَ صورة بيته إلى مجتمعه، فحمل قضايا الناس والوطن والأمّة، وكتبَ في كُبريات الصحف والمجلاّت آنذاك، فكان صوتَ الذين لا صوتَ لهم، وصوتَ لبنانَ في العالم العربي، وصوتَ العالمِ العربي في لبنان. لأنّه يؤمن أن بيروتَ أعظمُ مدينة في العالم، وهو المتشامخ المتعالي ببيروته، الأميرة المشاغبة والمتمرِّدة على مرِّ العصور. طلال سلمان، سفير اللغة العربية العاشق للكلمة والمتعبّد لها، فالكتابة حياته وقوته اليومي، يستلذُ صُحبةَ القلم، ويغيبُ في عبير الحبر، ويحمل قضايا الناس فوق كراريس الورق، تنساب من بين أصابعه حروفُ الثورة، والثقافة، والأمانة، والموضوعية، والصدق، والحوار، فهو المؤمنُ بكلّ ما يَكتبُ، لكنّه لا يَكتبُ كلَّ ما يؤمن به.
طلال سلمان، أحبَّ الصحافةَ حتى الثُّمالة، فهو الناصريُّ الإنتماء، واليساريُّ اللبناني والعربي، نصير الثورة الفلسطينية على العدو الإسرائيلي، والنصير لحركات التحرّر في العالم، المتفاني في دعمه للمقاومة وخطِّها في لبنان. ولأنّه هكذا لم يصرفِ الأربعين ليرة من الدركيِّ على الأمور الشبابية آنذاك، بل كانت ذخيرةً لجهد مضني منذ الخمسينيات إلى السبعينيات إلى يومنا هذا، فأنبتتْ هذه الأربعون أربعين عاماً ونيّف على صدور جريدة “السفير”، وللمصادفة أن أوّلَ عدد صدر لجريدة “السفير” كان في 26 أذار 1974 واليوم هو السادس والعشرون من آذار 2017  نكرّم الرقم الأوّل من سفراء الكلمة والوطنية والعروبة الشمسطاري الكبير الأستاذ  طلال سلمان.
طلال سلمان، قدوةٌ لنا ولأبنائنا ولكتّابنا، هذه القامة العصامية التي شقّتْ طريقها محفوفةً بالفَقر المادي، وبالمخاطر المحفوفة بلبناننا وبعالمنا العربي، هذا القلم العنيد الذي لا يهدأ، ولا يساوم على قضايا الوطن والأمّة، دخلَ السجنَ لأنّه نشر وثائق عن المفاوضات السريّة مع العدو الإسرائيلي، تعرّض لمحاولة إغتيال وكان الله دائماً يحميه من أعداء صوت الحق، ودُمِّرَ مبنى جريدته ولم يتوقّف رغم الإجتياح الإسرائيلي لبيروت عن إصدار صوت الذين لا صوت لهم جريدة “السفير”.
طلال سلمان، الشاعر والأديب المختبئ بعباءة الصحافة، حاور الملوك، والسلاطين، والرؤساء، والزعماء، والثوّار، فكان يحترف الإستقلالية السياسية في كتاباته وحواراته، ويحترم عقول محاوريه وقرّائه ومَنْ يختلفُ معه بالرأي والعقيدة، لأنّ الصحافة في قناعته، ليستْ مهنةَ التجنّي على النّاس، بل هي الأرضُ الصالحة التي توّحدهم، فالبعضُ من الكتّابِ يأخذون الصحافة إلى الموقع الخطأ لأنّهم هم الخطأ.طلال سلمان لم ينزح قلمُه عن الأدب والشعر والجمال، كان عاشقاً للأدب الرفيع  وللإستماع للموسيقى، عاصَر، وعرفَ، ورافق، وصَادقَ الكتّابَ الكبار من نجيب محفوظ، وتوفيق الحكيم، وبدر شاكر السيّاب، ومظفّر النّواب، وسعيد عقل، وغادة السمَّان، ونزار قبّاني، وأحلام مستغانمي، وجورج جرداق، وغيرَهم الكثير، لم يكتبْ قصيدةً على الوزن والقافية والبحر والرويِّ مثلهم، لكنّه كان يحترف صياغةَ اللغةِ المصفّاةِ التي تقطرُ بلاغةً وبياناً، فيأخذُكَ بالسَّهل الممتنع إلى جمالية الجاحظ، وسرديةِ نجيب محفوظ، وشمخةِ سعيد عقل، وعشقِ نزار، وتمرّدِ مظفّر النوّاب، وجَرأةِ غادة السمِّان، ودبابيسَ جورج جرداق، ويقظةِ أحلام مستغانمي. طلال سلمان، كتبَ الحبَّ بلغته هو، ففي زاوية “هوامش” في جريدته كنتُ ألمسُ الحبَّ يخرج من بين شفتي ريشته قصيدةً مجنّحة فوق غمامة “نسمة”، الذي لم يعرفْ مهنةً إلا الحب.
طلال سلمان، لا أستطيعُ في هذه العُجالة أنْ أفيْكَ حقّكَ بالكتابة عنك، فهل يُعقلُ أنْ يُحبسُ العطرُ المنتشرُ في أرجاء العالم العربي بحُقٍ من ورق؟ طلال سلمان، أيها الشمسطاري الوفيُّ الذي حمل رسالةَ المشروع الوطني العريق، الذي يهدف إلى خدمة المجتمع عن طريق الكلمة والرأي، أيُّها الأمينُ على أسرتكَ الشمسطارية وأسرتك السفيرية، لقد نجحتَ بأن تكون المعلّمَ القدوة، للصحافة وللحوار ولتعزيز الوعي في المجتمع ولتشكيل الرأي العام. طلال سلمان، لم ينجحوا في قتل “السفير” وإسكاتِ صوتها عبر محاولات الإغتيال والتفجير، لكنّهم نجحوا في حصارها مالياً، فتوقّفَ فيها إصدار الورق، لكننا نرجوك أن تبقي فيها على إصدار الحبر.

كلمة القيت في الاحتفال التكريمي للاستاذ طلال سلمان الذي اقامته بلدية شمسطار في 2017/3/26

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *