Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

رسالة متأخرة إلى قلب يوزع الفرح وإرادة تأخذ إلى النجاح

لأن لهذه الزاوية التي يستضيفها “السفير الثقافي” طابعها الشخصي، فقد سمحت لنفسي بأن أوجه عبرها رسالة خاصة إلى من لم أتمكن غالباً من مشافهته، مكاشفاً بعاطفتي التي تختلط فيها مشاعر أرق من أن تقال، ربما لأنها أعمق من أن تحملها الكلمات ولو بالهمس، أما المخاطبة بصيغة “المجهول” فيمكن أن تحررها من الحرج الشخصي، وتفسح لها في أن تكون علنية ومعروفة العنوان ذهاباً وإياباً.

***

لم نتعوّد التخاطب كتابة إلا في حالات الغياب التي تتجاوز المألوف… ولكنها كانت تقرأني دائماً في صمتي، كما في ثرثرة الصباح التي غالباً ما كان يغيب عنها الطابع الشخصي، مفسحاً في المجال لنقد لغة التوجه أو مضمونه الذاهب إلى “العامة”. أما همسات الليل فكانت تصدر ملوّنة بفجر نهار التعب الآتي، والذي غالباً ما نسينا بداياته ولم نهتم بأن نعرف نهاياته بقدر ما كان يشغلنا السؤال المفتوح بالقلق: هل أنجزنا ما كنا نفترض في أنفسنا القدرة على أدائه وبالمستوى اللائق بالطموح إلى المختلف لأنه أفضل وليس لمجرد التباهي بلغة أكثر أناقة وأقل إيضاحاً؟!

ولقد كنا نكابر فلا نعترف بالحب الذي يظللنا بوصفه مصدر المعنى في حياتنا، ونقرر أن علينا أن نكمله بالجهد والعرق والقلق، حتى نعطي أفضل ما يمكننا أن نقدمه لمن هم مصدر النجاح في إنجاز المهمة المفتوحة دائماً على المزيد من فرح التعب بالإنجاز.

لقد ذاب كل منا في الآخر حتى صرنا واحداً، أغرق في التفكير فتنطق بما يجول في خاطري، وأهم بالاعتراف فأقرأ في عينيها ما يغني عن الكلام الحميم.

كانت “السفير” ثالثتنا في أي حوار، فارضة ذاتها كمنافس قوي على أولادنا.. ثم سلّموا بأنها خامسهم ولو أنها في تطلعاتهم وفي رغبتنا تكاد تكون أولهم.

والسؤال: هل جاءت ساعة الاعتراف الحميم الذي طالما أرجأنا البوح به خجلاً أو بافتراض أن إعلانه لن يضيف إلى ما نعيشه من الحب وفيه؟!

***

* أشهد أن “الأم” فيها ظلت على الدوام أعظم حضوراً من رفيقة عمري، أما الحبيبة فكانت غالباً ما تتوارى خلف خجلها الريفي الذي جاء معها من البيت المحافظ، وخلف شعورها بأنها أعز من أن تقربها الغيرة، وأعظم ثقة بشريك العمر من أن تشغلها ثرثرات المتفرغات لمراقبة رجال الأخريات، غافلات عن أزواجهن المتباهين بفتوحاتهم العاطفية عبر القارات.

وأشهد أنها غالبتني فغلبتني في إيمانها بدور “السفير”، حتى وهي تأخذني منها ومن أطفالنا الذين تولّت رعايتهم جميعاً وحدها في الحرب التي التهمت أعمارنا: بداية في كيفون المسوّرة طريقها بالنار، أحاول أن أجتازها بين يوم وآخر… ثم في المنفى الأنيق الذي لم نتعرف خلال ست سنوات إلى مصادر الجمال فيه لأننا كنا مشغولين بهمّ الوطن… وأخيراً في المنفى الجميل بعنوان بهجت وبدر في “مصر يمه يا بهية”.

وكان مطلبها في المنافي أن أهتم “بالمشروع” لأنه يعنيهم بقدر ما يشكل حماية لهويتهم ولحقهم في وطن، ما دمنا اعتبرناهم “مواطنين” يرتبطون بأرضهم ولا يقبلون أن يغادروها بذريعة تأمين مستقبل مشرق يتعذر تحقيقه حيث يجب أن يكونوا وحيث يحبون أن يكونوا… ولو في قلب الخطر.

* وأشهد أن قلبها ظل يتسع للناس، قريبهم والبعيد، ويكبر كلما وزع المزيد من الفرح على الآخرين، كل الآخرين حتى أولئك الذين في قلوبهم وقر.

* وأشهد أنها كانت على الدوام أقوى صموداً وأعظم صلابة في مواجهة المخاطر وأثقال الأيام مني… وكيف لي أن أنساها وهي تجهّز لي حقيبة سفر صغيرة، وتودعني عند الباب وهي تدعوني للذهاب إلى الفندق، حتى لا يروّع العسس أطفالنا إذا ما جاؤوا لاعتقالي تتويجاً لاعتقال بعض زملائي في “السفير” مع نهاية العام 1976.

* وأشهد أنها قد قست على نفسها وحمّلت أعصابها فوق ما تطيق، وهي تعيش “منفية” مع فلذات الأكباد في المنفى البعيد، الذي كنا من قبل نتمنى أن تتاح لنا فرصة زيارته في إجازة صيف… وأن تقديرنا لفترة النفي قد أسقطه الاجتياح الإسرائيلي فمدها من ستة أشهر إلى ست سنوات قاسية، سرعان ما أعقبتها سنة إضافية في القاهرة، نتيجة الحربين بين الإخوة ـ الأعداء.

* أشهد أنها كانت أقوى دائماً من خطر الموت الذي لف بيتنا مرة بالسيارة المفخخة، ومرة أخرى بالصواريخ.
فذات فجر من بداية تشرين الأول 1980، أيقظنا الدويّ الذي مزّق صمت الليل والاطمئنان إلى غدنا، في وطننا الأصغر من أن يُقسّم والأكبر من أن يُلغى.

هتفت وهي تنهض متحدية الخوف: إنها المطبعة! لقد أضاعوا عليك احتفالك بتحديث الطباعة وإخراج “السفير” بصيغة أكثر أناقة.

اجتزنا عتمة الخوف التي كان يمزقها اللهب مصحوباً بتفجرات متتالية، حتى بلغنا المبنى من مدخله الخلفي حيث بوابة المطبعة.

كان الجيران الذين خلع الانفجار نوافذ بيوتهم، وأطلق صرخات أطفالهم المذعورين، يتجمعون في قلب العجز والرعب من توالي الانفجارات، مترقبين وصول سيارات الإطفاء قبل أن تلتهم النار بيوتهم بالكامل.

حاولتُ منعها من التوغل في قلب اللهب، لكنها كانت أقوى مني ومنه، واقتحمت الركام الذي صار مجامر أسطورية الحجم، بينما الدخان يعمينا، مؤكداً هول الدمار الذي حطّم الحديد وجعل آلة الطباعة الجديدة قطعاً مبعثرة بمساحة بيدر من جمر الصلب المتوهج.

دارت على الجيران تتفقدهم مواسية ومعتذرة عما لا ذنب لنا فيه، ولا خطيئة ارتكبوها هم، إلا مصادفة اقتحامنا مجالهم الحيوي كجيران.

* ذات عصر من يوم صيفي أواخر آب 1981 سَمِعتْ رفيقة العمر أصواتاً تصرخ بضرورة الابتعاد عن سيارة مفخخة رُكنت قبالة البيت، وكنت على سفر… وقد هبّ للنجدة بعض شباب الحي الذين لم يفزعهم انفجار الصاعق، وتمكنوا من إنقاذ الحي بتعطيل المتفجرة.

* … وذات عصر آخر من بدايات كانون الأول 1981 سمعت صيحات تنبيه بضرورة إخلاء الشارع، قبل أن تعرف أن بعض المتطوعين ممن لديهم خبرة “حربية” قد اعتلوا سطح البناية المجاورة، حيث كانت مجموعة من الصواريخ موجهة نحو بيتنا. وكان عليها أن تتحمل غضبة الجيران ومطالبتهم لها بالرحيل لأنهم غير ملزمين بأن يدفعوا حياتهم ثمناً لمواقفنا التي لا يقرونها.. بل حتى لو كانوا يقبلون فإنهم ليسوا مستعدين لأن يكونوا شهداء لها.
وكان على أحد ما أن يتصرف في غيابي، فتصرف صديق وزميل كان يتولى المسؤولية في إدارة “السفير”، وصحب العائلة إلى المطار، وخابرني ليطلب مني ملاقاتها في باريس.

كنا في الثلث الأخير من كانون الأول 1981.. وافترضنا أن ستة أشهر من البعاد قد تأتينا بالأمان، فسعينا إلى تسجيل أولادنا في المدارس، وظلت الثياب في الحقائب، لأن موعد العودة قريب.

وكان أن باغتنا شارون باجتياح لبنان بعسكر الاجتياح الإسرائيلي، واستطالت الهجرة القسرية ست سنوات كاملة، كان عليها أن تتحمل فيها مواجهة ظروف وحدتها ومسؤولية الأولاد بأعباء دراستهم وقلقهم واستعجالهم العودة إلى البيت في بيروت الذي صار فندقاً للهاربين من المناطق التي استقر فيها جيش الاحتلال.

هل من الضرورة أن أستذكر أن بعضهم قد طلب، بعد العودة بفترة، أن يذهب في إجازة إلى باريس، كي يتعرف إلى وجوه الجمال فيها والإبداع في متاحفها كما في أبنيتها ذات التاريخ.

***

* ذات فجر آخر لليل تموزي (1984) كان عليها أن تهرع مفزعة إلى باب البيت، تفتحه من الداخل لأنين “فؤاد” المضرج بدمه وهو يلوّح بيديه مشيراً إلى ضرورة طلب النجدة لإنقاذ الجرحى النازفين في الخارج وأنا بينهم، وليت ساعة منقذ.

اندفعت يتبعها نحيب الحاجة الوالدة، فاصطدمت عند المدخل بالحارس الذي ذهبت إحدى عينيه، نتيجة استقرار شظية فيها، من رخام البوابة الذي حطمه الرصاص فنثره في مدى المدخل.

وكنت قد اندفعت لاجئاً إلى حضن السيارة المصفحة تحسباً من رصاصات أخرى، غير تلك التي مزقت وجهي وجبيني وإن هي لم تذهب بوعيي، فترجلت لأحتضن رفيقة العمر، بينما هي تصرخ في طلب نجدة من أي عابر سبيل في الثالثة بعد منتصف الليل.

ولم يكن في قلب ليل الخوف من ينجدنا… لكن صوت الرصاص جاءنا بجندي من الجيش فوضوي الهندام، من البعيد، فاندفع بالنخوة نحو مصدر الصوت ليجدنا ثلاثة من الرجال ينزفون دماءهم، وثلاثاً من النساء يحاولن ضبط عواطفهن في قلب العجز عن التصرف.

أوصلنا عبر طرق ملتوية إلى مستشفى الجامعة الأميركية، فأدخلنا الطوارئ، لكن الأطباء المتمرنين كانوا أعجز من أن يتصرفوا.. وعبر الاتصال مع الجريدة، أمكن تغيير الصفحة الأولى لنشر خبر محاولة الاغتيال مع الصور، وتم استدعاء بعض أطباء الجراحة.

ورأيتها في صورة “القائد”: متماسكة، حاضرة الذهن، ترسل من يبلغ الأهل في البلدة البعيدة ما جرى بهدوء وقبل أن يسمعوا الإذاعات، حتى لا يؤذيهم وصول الأخبار مفاجئة ومضخمة… ثم تتابع حركة وصول الأطباء ملحة على المساواة في معالجتنا معاً نحن الثلاثة.

ولقد عوّضها الجمهور العريض من الناس الطيبين الذين حوّلوا المستشفى إلى حديقة ورد وفل، ثم حوّلوا مستشفى شيراتون في دمشق إلى حديقة ياسمين، أما الطريق إلى شمسطار، فكان الناس المزدحمون على جنباتها للتحية تقديراً واستنكاراً للجريمة أعظم وسام يمكن أن يناله واحد منهم اجتهد في أن يؤدي واجبه في خدمتهم، فحاول “العهد الميمون” أن يتخلص من قلمه، ومن “السفير” التي غدت بعد هذه المحاولة قلعة وطنية أكاد ألمح على بابها صورتها بأجنحة “الملاك الحارس”.

من قال إن الشجاعة من صفات الرجولة، وإن على النساء التفرغ للتفجع والتشكي وبكاء العجز بصمت، حتى لا يكون استفزاز لحمية الرجال الذين غالباً ما يتوجهون إليهن بالعتاب لإظهارهن الضعف؟

وماذا لو اعترفنا بأن النساء طالما أثبتن أنهن أشجع من الرجال، في مواجهة الشدائد ومخاطر الموت، نسفاً بالصواريخ والسيارات المفخخة، أو برصاص الاغتيال يوجهه قتلة محترفون بدم بارد.

هل تُرى اكتسب الفجر لونه الأرجواني من دماء الشهداء، سواء من قضى نحبه أم من ينتظر، وما بدّلوا تبديلا؟!

***

أكتب هذه الشهادة المتأخرة، معتذراً عن النبرة الشخصية، لكنني أفترض أن سيرتها “شأن عام”. يكفي أنها لعبت دوراً خطيراً في حماية “السفير” والإصرار على استمرارها، حتى ونفقاتها تستنفد الرصيد الشحيح، وتفتح أبواب المجهول أمام هذه المغامرة في المشي فوق الألغام، من دون سند أو حماية أو رعاية سياسية، بينما البلد الذي كان آمناً عند صدور “السفير” أخذ يتحول إلى غابة مفتوحة أمام كل القوى الخارجية، وضمنها الداخلية الطامحة إلى أدوار تتجاوز قدرات الطامحين، وإن عززوها بالسلاح والاغتيالات وتحويل العاصمة ـ الأميرة بيروت إلى أرملة بائسة تشكو امتهان كرامتها ودورها العربي ـ الدولي المشع.

هو اعتراف صريح ومباشر بأنها قد حمتني من الغواية، ومن الضعف أمام احتمالات الانحراف المذهّب، وهي كثيرة ومتعددة المصدر، وكان قبولها انحرافاً عما نؤمن به، أما رفضها فكان في حالات عديدة مواجهة لخطر يصعب رده.

كانت تهتف بي دائماً: احم تاريخك. احم مستقبل أبنائك، ليفخروا بأنك حاولت فأعطيت أقصى ما يمكنك أن تعطيه، فإذا تعذر عليك إكمال المهمة خرجت مرفوع الرأس، موفور الكرامة… وهذا أعظم ما يمكنك أن تورّثه أبناءك. لقد أحاطنا الناس باحترامهم ومعه الحب، فلا تخيّب آمالهم. أن تقرر وقف إصدار “السفير” وهي في ذروة نجاحها يحفظ لك رصيدك مضاعفاً. سيظل الناس يتذكرون أنك حاولت وبأقصى الطاقة فحققت نجاحاً مميزاً، لكن النجاح المهني المرتبط بالموقف الوطني والقومي لا يأتيك بالذهب. وها أن وجهك يحمل الشهادة بأنك لم تفرّط ولم تضعف ممّا رفع “السفير” إلى الصدارة.

لقد غفرت لي الكثير من الأخطاء، وتجاوزت عن العديد من الخطايا. وهي حتى اليوم تعطي من حبها ولا تطلب المبادلة بمثله. الحب لا يقبل المقايضة.

***

أعتذر مرة أخرى، عن هذه الرسالة التي قد تبدو شخصية جداً لكنها “عامة” بقدر ارتباطها بمشروع “السفير” ونجاحه.

إنها شهادة متأخرة عن تضحيات متقدمة كي يبقى هذا القلم، يجتهد في السعي لأن يزكي الصح ويكشف الغلط، وأن يكون في خدمة قضايا الأمة وحقوق شعوبها في أرضها وفي حكم صالح، وأن يتصدى ـ وسلاحه الكلمة ـ لحماية كرامة المواطن وكرامة الأرض.. من هنا، إن فلسطين ومقاومة الاحتلال الإسرائيلي والهيمنة الأجنبية تتصدر اهتماماتنا.

إنه اعتراف متأخر بفضل من أعطى الحياة بهجتها وهوّن من مصاعبها، وأنشأ أربعة من أبناء الحياة على الإيمان بالأمة وحقوقها والاستعداد لخدمة أهداف نضالها، بالكفاءة والكلمة الحق وفضح الزيف، ومواصلة الدرس للحاق بالعصر من أجل خدمة أكمل في المجال الذي نقدر على العطاء فيه.

إنها شهادة متأخرة عن التي لولاها لما كنا، أسرتنا جميعاً، على ما نحن عليه، ولما كانت “السفير” ما هي عليه.

مع الاعتذار تكراراً عن استغلال نفوذي في “السفير” للإدلاء بهذا الاعتراف المتأخر لمن ترفعت عن متع الحياة جميعاً كي نكون ما أردنا أن نكون.

هي تحية متأخرة لمن ترفعت عن متع الحياة جميعاً كي نكون ما أردنا أن نكون.

وها نحن الآن وحدنا نمارس حبنا في صمت الكهولة وقد انتثرنا في خمسة بيوت يغمرها دفء الحب، حب الناس وحب الأرض وأهلها.

السفير 2 آب 2013

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *