Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

“دور الإعلام: توعية وتثقيف أم حرية لا مسؤولة”

بداية التحية لهذه الجمعية التي تحمل اسم القائد الخالد كمال جنبلاط الذي سمحت لي الظروف أن اكون قريباً من مدرسته لأنني قضيت سنتين في تكميلية المختارة واكرمني زماني بان دعاني الى ترويقته صباح اكثر من سبت فاغتنيت ثقافة ومعرفة بالحياة.. هذا قبل ان تسعدني مهنتي بلقائه غير مرة والاستماع الى آرائه وتحليلاته العملية.

ولا يمكنني ان اباشر الكلام قبل توجيه تحية خاصة الى احد رفاق العمر غازي العريضي، بلا القاب..

…وقبل تقبيل رأسي شريكي في هذا اللقاء الزميل العزيز راجح خوري ونجم الاعلام الحزبي الذي يعرف كيف يلبس لكل حالة لبوسها المناسب رامي الريس..

أما بعد..

من بؤس الحياة السياسية وقصورها عبر مؤسساتها الشرعية، أي الحكومة والمجلس النيابي والمؤسسات المتعددة والمتضاربة، سواء منها السياسية والتشريعية، ومن ثم الاحزاب والجمعيات التي تُعنى بهموم الناس، ان تُلقى اعباء اضافية على الاعلام، تتجاوز قدراته وشرعية دوره كمنبر ووسيلة ابلاغ وكشف مطالب الناس واحتياجاتها.

لكن الاعلام، واساسا الصحافة باعتباري قد تشرفت بالانتماء اليها والعمل تحت رايتها لمدة تزيد على نصف قرن، فلا يمكن ان يتحول الى سلطة تنفيذية. انه قد يكون المبلّغ وقد يتجاوز دوره الى المحرض عبر النقد الموجه الى السلطة وتقصيرها.. ولكنه ليس بديلها، ولا يجوز ان يكون..

السؤال هنا: أين تبدأ حرية الصحافة واين تنتهي ان كان لها نهاية؟

الأساس ان تكون الصحافة، باعتبارها وسيلة إعلام واخبار وتثقيف عامة ان تحفظ استقلاليتها، فلا تكون مرتهنة لنظام، او لعدد من الانظمة، سواء بداعي الخوف، او بداعي المصلحة وتأمين اسباب الاستمرار والحصول على الاعلانات وهي بمعظمها تابعة لشركات ومؤسسات اجنبية كبرى ولها شروطها (السياسية حتماً) لنشر اعلاناتها في هذه الصحيفة او تلك..

وليسمح لي، هنا، ببعض الملاحظات الشخصية وهي ناتجة عن خبرة أكثر من نصف قرن، عملت خلالها في عدد من المؤسسات الصحافية المعروفة بينها مجلة “الحوادث” لمؤسسها الراحل سليم اللوزي، ثم في مجلة “الاحد” لصاحبها النقيب الراحل رياض طه التي كانت تصدر عن دار الكفاح العربي، ثم في “دار الصياد”، مدير تحرير الصياد ومراسلاً متجولاً في البلاد العربية.. كل ذلك قبل ان اتفرغ لإصدار “السفير” في 26 آذار 1974.

ولقد حُوربت “السفير” التي جاءت من خارج السرب، معززة بخبرات مميزة حملها معهم زملاء من مصر ومن سوريا ومن فلسطين، في حين كانت الكتلة الكبرى من العاملين، محررين ومحررات من الشباب الطامح والمخلص والعارف او المتشوق لكي يتعلم كيف تكون الصحافة في خدمة الناس، وتستحق بالتالي التعب والسهر والتدقيق في الخبر، والامانة في نقل الوقائع، والفصل بين الخبر والتعليق، فالأمانة هي الاساس في الخبر، بغير تهويل او تسخيره لأغراض المنتفعين، اما التعليق فهو رأي الكاتب ومن موجباته الاساسية ان يتحاشى الاسفاف والضغينة، وتسخير القلم لما ليس فيه نفع للناس.

أيها الاصدقاء،

الصحافة مخلوق سياسي، تصدر ـ مبدئيا ـ لهدف سياسي ـ اجتماعي ـ اقتصادي.

ليست الصحيفة نشرة عن اخبار الطقس، ولا هي منشور حزبي، وشرط النجاح ان ينسى الصحافي نفسه، بانتمائه الطائفي او المذهبي، بولائه السياسي لمرجعية او قطب او حزب او هيئة.

ومع صعوبة ان ينسى الانسان موقفه من الحياة ومجرياتها، السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فواجبه ان يكبت عواطفه وهو ينقل مجريات الامور والتطورات بحيدة وموضوعية في الاخبار والتحليلات، على ان يعوض النقص في الافتتاحيات التي تحمل توقيعه، او في العنونة والكاريكاتور واختيار الصور مع مراعاة الجانب الفني، وكثيراً ما قالت الصورة ما يعجز القلم، المحايد، عن اعلانه.

أما حين تدلهم الامور وينفخ في نار الحرب الاهلية، كما عشنا نصف عمرنا في “السفير”، ومثلنا سائر الزملاء في الصحف الاخرى، ويستحيل “الحياد” بالمعنى الحرفي، فواجب الصحافي الا يغيب وجهة النظر المضادة بمقاطعة مصادرها ومعاداة القيادات السياسية التي لها وجهة نظر مختلفة.

وعلى سبيل المثال وليس المباهاة، فقد ذهبت “السفير” مثلاً الى الراحلين كميل شمعون وبيار الجميل وصائب سلام وكامل الاسعد، محاورة ومناقشة ونشرت حواراتهم المثيرة للجدل بمنتهى الامانة.. ونشرت، بعدها، مقالات نقدية او محاورات مع هؤلاء الاقطاب.

أما في القضايا القومية المقدسة، مثل فلسطين، فقد تصرفت “السفير” مع الخائن بصفته وموقعه الذي قدم من خلاله نفسه للناس..

ولم يكن ممكنا على سبيل المثال، ان نتعاطى بالموضوعية التقليدية مع وقف السادات حرب اكتوبر متخلياً في منتصفها عن شريكه السوري، او مع زيارته للقدس المحتلة ووقوفه امام الكنيست الاسرائيلي كداعية سلام، قبل ان يتم دفن الشهداء، متخلياً عن شريكه في الحرب (كما في السلم المزعوم) الرئيس السوري حافظ الاسد.

ليس للخيانة اسم يزور الجريمة او يطمسها، بذريعة الموضوعية.

وليس انتخاب بشير الجميل رئيسا للجمهورية: في ظل بنادق المحتل الاسرائيلي، ومن ثم انتخاب امين الجميل ممارسة للديمقراطية بانتخابات شرعية.

أيها الاصدقاء،

الصحافة رسالة، يقولون. والصحافة امانة. ومخطئ من يفترض ان القارئ مجرد متلقٍ بلا رأي وبلا موقف. وانا هنا اتحدث عن القارئ المسيس وليس عن هواة الرياضة او الذين يفضلون آخر صرعات الفنانين، مطربات ومطربين، او الكلمات المتقاطعة، على اخبار السياسة.

ثم انها تكتسب اهمية استثنائية في محطات مواجهة الخطر على الوحدة الوطنية او على السلم الاهلي او في السكوت عن المظالم واحتقار الفقراء واهمال الاجراء، والقفز من فوق المؤامرة لتدمير التعليم الرسمي وتهميش جامعة الفقراء الجامعة الوطنية لحساب الجامعات الاجنبية او الجامعات الخاصة التي تنبت كالفطر وتجني الملايين من تجهيل الطلاب.. وتشريد الاساتذة المخلصين او اجبارهم على اختلاس بعض ساعات تعليمهم في الجامعة الوطنية مقابل ثلاثين من الفضة من الجامعات الخاصة او الاجنبية.

أيها الاصدقاء،

لعلني قد خرجت عن العنوان الذي اعطيتموه لهذه الندوة.

لكن الصحافة، بمعناها الاصلي، وأقله كما عشتها، رسالة، ومهمتها تنويرية والدفاع عن مصالح الناس، والتعبير، ما استطاعت عن وجدان الناس ومواقفهم من امور حياتهم، والمخاطر على مستقبلهم، واخطاء الحكم خصوصا والطبقة السياسية عموماً في حق الوطن وأهله.

هكذا عرفتها، وهكذا مارستها، ونجاح “السفير” ورصيدها الممتاز عند الناس، داخل لبنان وفي الوطن العربي عموماً، يدل على اننا قد أدينا مهمتنا على أكمل وجه استطعنا ـ بقدراتنا المتواضعة ـ تحقيقه.

وأصدقكم القول انني اليوم، وبعد سنتين ونصف السنة من اقفال “السفير” لعجزي عن تحمل اعبائها، اشعر بالفخر حين يستقبلني الناس حيث حللت بترداد شعار “السفير”: “صوت الذين لا صوت لهم”.

آسف لنبرة الحزن، وآسف أكثر لتحول هذه الكلمة الى رثاء لتجربة عمري التي لم يُقدَّر لها ان تعيش أكثر من ثلاث واربعين سنة.

وشكراً لجمعية كمال جنبلاط الفكرية عل تنظيم هذه الندوة، وتحية لهذا الجمهور في بيصور الذي جاورتها قبل مدخلها، ثم من فوق التلال المواجهة.

وشكراً للزملاء رفاقي في هذه الندوة، رفيق الاسفار الخائبة راجح خوري والمتحدث من غير ان يفتح فمه رامي الريس وان ظلت افكاره هدارة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كلمة القيت في “جمعية كمال جنبلاط الفكرية” في 28 حزيران 2019.

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *