Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

حل قضية المهجرين السوريين في لبنان

النازحون السوريون في لبنان هم مهجرون. يتحدث النظام السوري عنهم وكأنهم لا يريدون العودة. كذلك النظام اللبناني يعتبر أنهم يجب أن يجبروا على العودة التي لا يريدونها. ففي لبنان تغريهم مساعدات المنظمات الدولية، وكذلك فرص العمل والتجارة. يشكل الغريب دائماً خطراً علينا. هذه سمة عامة عند البشر. أُخترع تعبير احترام الآخر من أجل التسامح مع الأجنبي أو الغريب.

في الذهن الشعبي اللبناني، يلعب السوري دوراً كالفلسطيني. يريد أن يحل مكاننا في الوظائف المتاحة، وفي تشغيل الدكاكين، ناهيك عن الأعمال الأخرى التي لا يعمل بها اللبنانيون أصلاً.

الغريب هو فينا، في قرانا ومدننا. هو أقرب من ذلك إلينا. يتكلم لغتنا. لا نستطيع أن نميزه. ينفرد عنا بالجنسية وحسب. هو من دولة أخرى. في الدولة الأخرى حرب أهلية. الأمور عندنا تبدو منتظمة. نحن عرفنا كيف نتخلّص من حربنا الأهلية. هو لم يعرف كيف. ربما لن يعرف كيف. الديمقراطية متجذّرة في ثقافتنا رغم الانقسامات الطائفية. ثقافتهم جوهرها المستبد. هو متخلّف بطبعه. صحيح أنه قادر أكثر منا على تسيير الأمور اليومية والصيانات، أما الشعر والمسرح، فهذه يمتهنها النخبة منهم. معظمهم يسكنون المخيمات، ويرتكبون الجرائم، ويغتصبون نساءنا. من طبعهم أن لا يكونوا كما نحن. لا تسري عليهم القوانين التي تسري علينا.

فجأة نتذكر أن لدينا دولة. عليها أن تعيدهم من حيث أتوا. لبنان بلد صغير. لا يستطيع مادياً وجغرافياً أن يستوعب هذا العدد الكبير منهم. وجودهم هنا دليل على نيتهم بالبقاء. نصنفهم كنازحين أو لاجئين، ولا نقول أنهم مهجرون، وأن التهجير قسري خوفاً من النظام، ونصف دزينة من الجيوش الأجنبية للدول الكبرى والإقليمية، ومئات الميليشيات التابعة لهذه الدولة أو تلك، وحتى أن بعضها يتبع لدول ليست مشاركة في الحرب السورية مباشرة.

ما يتحدث به وزير الخارجية اللبنانية يلهج به اللبنانيون عموماً في السرّ، أو في جلساتهم في المقاهي والبيوت. لا نرى أنهم لا يريدون أن يكونوا بيننا، كما نحن لا نريدهم أن يكونوا بيننا. الغريب لا يستحق الإقامة عندنا إلا إذا كان كثير المال (مرسوم التجنيس الأخير) أو إذا كان مستعداً للقيام بالأعمال الخسيسة (عمال زراعيون، عمال بناء، عمال صيانة، إلخ…)؛ وهؤلاء كانوا وما زالوا موجودين عندنا لأسباب لبنانية. لبنان يحتاج الى أيد عاملة والى استعارات. اللبنانيون لا يكفيهم ما في المصارف، ويأنفون العمل في المهن الخسيسة. ربما كانوا يكرهون العمل عموماً.

يتشكّل لبنان من طوائف. أُضيفت طائفة السوريين (السنّة أيضاً لا يرحبون بهم)، وهي طائفة من نوع خاص. لا علاقة لها بمذهب ما، بل بالخوف الدفين من الغرباء. هم الغرباء في ذواتنا. يعبّر وجودهم عن الخوف الدائم من المصير. لا تقابل لبنانياً إلا ويكون السؤال الأوّل: الى أين ذاهب البلد؟ ما هو مصيرنا؟ الطائفة السورية تعبير عن خوفنا من مصيرنا، خوفنا من أنفسنا، مع قلقنا الدائم.

لا نعرف إذا كانت الدولة (السلطة) السورية تسيطر على أراضيها. يُقال إن هناك مناطق “آمنة” تحت سيطرة النظام تفوق مساحة لبنان بعشر مرات. ولا نعرف إذا كانت الدولة (السلطة) اللبنانية تسيطر على كامل أراضيها. التهجير حصل لأنّ كلاًّ من الدولتين لا يسيطر على كامل أراضيه. النازحون هجّروا من أرضهم، لكن الدولة السورية لم تستطع منعهم، ولا الدولة اللبنانية عرفت كيف تستقبلهم وتحتويهم. يتعرضون للإنكار، إنكار الوجود من كلا الطرفين. دور الأمم مرغوب/غير مرغوب به من قبل الطرفين. المساعدات الإنسانية تتدفّق الى مناطق الحروب الأهلية، والى مخيمات المهجّرين. لكن المساعدات (التي يعتبرها الكثيرون مشبوهة) ليست الحل وليست المشكلة.

المشكلة هي وجود دولة مستقلة ذات سيادة (على الأقل حيث تدّعي السيطرة). يتحدثون عن الدولة القوية لأنهم يفتقدونها. يتحدثون عن السلطة، وهم يمارسونها. لديهم سلطة محدودة ودولة معدومة. يتصرّف كل منهما وكأنه دولة، كي يوهمنا ويوهم نفسه بذلك. لا يريد أي من الطرفين الاعتراف أنّ الأوضاع تغيّرت، وأنّ العلاقة بين السلطة والناس تغيّرت منذ 2011، وأنّ ما حدث في ذلك العام ثورة، وأنّ الثورة ينتج عنها تغييرات عند السلطة وعند الجمهور. هل استطاعت داعش وأمثالها النفاذ الى التسلّط على بعض الأرض لو كانت هذه قادرة فعلاً. حالة الإنكار لما حدث في 2011 ونتائج ذلك، هي حالة إنكار للواقع. يعيش الجميع في أوهامهم. من الدارج اليوم القول إن الأوهام تولّد واقعاً افتراضياً. أوهام السلطة لا تقل عن أوهام داعش وأخواتها. كلهم يفترضون المستحيل واقعاً.

الواقع أنهم كلهم مشاركون في إنتاج مشكلة المهاجرين (المهجرين): الدولة استقبلت جيوشاً متعددة وميليشيات متعددة، بإرادتها أو بالرغم عنها، وبقيت تصر على أنها دولة ذات سلطة. حتى عندما تسيطر في منطقة ما تكون السلطة الفعلية لغيرها. سلطة تحكم لا بالنيابة عن الشعب بل تمثيلاً لدور تقوم به، مرسوم لها من الجيوش الأجنبية. الدولة التي استقبلتهم، وهي رفضت تنظيم أمورهم منذ البداية، وبشكل قاطع، تزعم الآن أن ليس لديها (في هذه الوزارة أو تلك) لوائح إحصائية كاملة عنهم. انتشارهم عشوائي؛ عشوائية السلطة (الدولة) تنعكس فيهم وعليهم. حقيقة الأمر أن السيطرة الفعلية في البلدين هي للجيوش والميليشيات الأجنبية. السلطة في كل من البلدين تسعى الى السلطة. يبدو الكلام متناقضاً. وهو كذلك.

مهمة الدولة، إن أرادت أن تكون كذلك، هو أن تسيطر على أرضها، والأهم من ذلك، أن تحل مشاكل من يسكن على هذه الأرض بالحسنى أو بالإكراه. العجز كامل لدى السلطتين. المشكلة في لبنان وسوريا أن السلطة لا تستطيع (وربما لا تريد) أن تكون سلطة؛ أن تحكم من دون سيطرة؛ أن تكون السلطة من دون سلطة.

مشكلة المهجرين في البلدين هي مشكلة الدولة في كل منهما؛ الدولة العاجزة عن حل مشاكل شعبها (عن إرادة أو بدون إرادة)؛ الدولة ذات السيادة المفقودة؛ الدولة التي لا تستمد سيادتها من شعبها؛ الدولة التي لا تعتبر شعبها ضرورياً لها، وتعمل على اختراع شعب آخر (نركض وراء المغتربين الذين هاجروا طوعاً، ونعزف عن إيجاد ما يلائم المقيمين لايجاد فرص عمل والبقاء في البلد). هنا وهناك، نريد شعباً على قياس التخيلات لدى من يحسبون أنفسهم ذوي سلطة.

في النقاش العلني الدائر حول المهاجرين (المهجرين) السوريين، يخلو الأمر من حسن النية. لو توفر ذلك لدى السلطتين اللبنانية والسورية، مجتمعتين أو متفرقتين، لكان حل قضية المهجرين السوريين سهلاً. كل ما يتطلبه الأمر قرار. هم يريدون العودة الى قراهم. لا يحتاجون الى مشاريع إعمار. يستطيعون بناء بيوتهم. البنى التحتية شأن الدولة. كذلك بعث الإطمئنان لدى هؤلاء أمنياً وحمايتهم من البلطجية والشبيحة.

يتطلّب الأمر أن تتحرر كل السلطة في لبنان وسوريا من التأثير الأجنبي، وأن تكون صاحبة قرار، وأن تعتبر أن انتماءها هو لشعبها لا لغيره، وأن لديها واجبات تجاه شعبها لا تجاه غيره من الجيوش والميليشيات المحتلة والتي تقاتل بالنيابة عن دول عربية وغيرها. المهجرون هم الضحية. النقاش العلني السائد يجعلهم سبباً لا نتيجة. وجودهم في لبنان ناتج عن عجز الدولتين. على كل حال، هذا كان مطلب الجماهير في 2011، واستعيض عنه لدى السلطة بالقوى الأجنبية.

يدل النقاش الدائر أن قليلاً منا تعلم الدروس المطلوبة. نتعلم من التاريخ أننا لا نتعلم من التاريخ، كما قال أحدهم. تكشّر البورجوازية عن أنيابها. ترى حل مشاكلها في النفط (سمك في بحره)، أو مشاريع إعمار سوريا (أيضاً سمك في بحره) من دون انتهاء الحرب الأهلية. آن لنا أن ندرك أننا أنفسنا، بما في ذلك السلطات في بلدينا، رهن بأيدي غيرنا. متى نصبح أصحاب القرار في تقرير مصيرنا؟ على الجواب يتوقف حل القضية.

تنشر بالتنسيق مع مدونة الفضل شلق

 

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *