Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

حكاية “الجمهورية” قبل استقلال “الدولة”: من الامارة إلى المتصرفية فإلى الانتداب

أما وقد ثبت، شرعاً، وبالمليون مشارك في التظاهرات الراقية التي تدفقت جماهيرها إلى الشوارع وملأت الساحات في مختلف انحاء لبنان، فإنني أعلن اعتزازي بهويتي اللبنانية وبانتمائي إلى هذا الشعب العظيم.

علمونا، في المدارس، أن لبنان “كيان” استولدته الدول الاستعمارية، وبالتحديد فرنسا وبريطانيا مع انتهاء الحرب العالمية الاولى.. وان سند وجوده كدولة ورثت المتصرفية هو التفاهم الذي تم بين وزيري خارجية فرنسا وبريطانيا، أي ما عُرف باتفاق سايكس ـ بيكو (مع مداخلة من البطريرك الحويك الموجود آنذاك في باريس، لمتابعتها..)

وعلمونا، في الشارع ـ بعد المدرسة ـ أن اللبنانيين “شعوب” و”قبائل” شتى ليس بينهم من روابط من الاخوة والنسب والمصاهرة، والاخطر من وحدة الحياة فوق ارض صغيرة واحدة، ما يجعل منهم شعباً واحداً.. وعلى هذا فلا بد أن يكون نظامهم طائفياً، تتوزع مناصب “دولته” على طوائفه بحسب اعداد رعاياه، (ولم تكن هذه الارقام وهذه الاعداد واضحة او قاطعة)، لا سيما وقد اعتمدت المتصرفية اساسا لهذا الكيان… في حين أن بيروت والشمال والبقاع والجنوب لم تكن ضمن المتصرفية، بل كانت موزعة على الولايات المبتدعة ايام العثمانيين، ثم ايام حكم “تركيا الفتاة” بقيادة اتاتورك، بعد سقوط السلطنة واقامة الجمهورية فيها.

وعلى قاعدة التوازن الطائفي “المزعوم” بنيت هذه “الدولة” التي لم يكن لها وجود حقيقي عبر التاريخ.. على انه كان علينا أن نصدق الحكايات التي تم ابتداعها على عجل عن إمارة الامير فخر الدين الثاني ومعركته الاسطورية في عنجر حيث هزم جيش السلطان، ثم امارة الامير بشير الذي لم يمانع في تغيير دينه وولاءاته من احمد باشا الجزار إلى الانكليز ثم إلى الفرنسيين ليعود إلى احضان السلطنة بعدما اصطدم بمختلف الزعامات المحلية (بين الاساطير معركة عين داره التي هزم فيها الشيخ بشير جنبلاط، مطلقاً مقولته الشهيرة “الامارة لا تتحمل بشيرين”).

معروف انه مع تهاوي السلطنة وابتذال السلاطين وانشغالهم بالحريم ومواجهة مؤامرات اخوتهم وابنائهم بالسلطة والرشاوى والطمع بالاستيلاء على العرش، تحولت بعض المناطق إلى “امارات” وكيانات مستقلة، وظهرت امارات ودوقيات وممالك صغيرة واقطاعيات ظلت على ولائها الشكلي للسلطان، ولكنها كانت تمارس سلطتها على “الرعايا” في بعض المناطق: بربر آغا في الشمال وصولاً إلى بعض جبل لبنان (كسروان وجبيل اضافة إلى البترون) الخ..


لعل الولادة الشعبية للكيان اللبناني تمت في 22 تشرين الثاني 1943، حين قامت سلطات الانتداب الفرنسي (المنتهية ولايته رسميا) باعتقال رئيس الجمهورية آنذاك ـ الشيخ بشاره الخوري ـ ومعه قيادات سياسية بارزة بينها رياض الصلح وعبد الحميد كرامي وسليم تقلا وكميل شمعون…)

ولقد تم “تحضير” انتفاضة برعاية بريطانية واضحة (وكان سبق أن تدخل المبعوث او السفير البريطاني سبيرز لتزكية بشاره الخوري لرئاسة الجمهورية بدلاً من اميل اده الذي كان “بحوزته” اكثرية نيابية واضحة).

طلب آنذاك من سائر الزعامات أن تلتقي في منزل سليم سلام (والد الرئيس صائب سلام)، فاجتمع النواب والوزراء برئاسة صبري حمادة في صباح يوم 11 نوفمبر عام 1943 وطالبوا بإلغاء الإجراءات التعسفية التي مارسها المفوض السامي الفرنسي. وأحاطت جماهير الشعب اللبناني بمجلس النواب، وهتفوا بإطلاق سراح المعتقلين، مرددين شعارات الحرية والاستقلال. كما قام صبري حمادة ورفاقه بتغيير علم لبنان الذي وضع في ظل الاحتلال بعلم لبناني جديد يحمل مفهومًا وطابعًا لبنانيًا، فصار علم لبنان مؤلفًا من ثلاثة أقسام أفقيّة: الأحمر، والأبيض، والأحمر، وفي الوسط أَرْزَة خضراء داخل اللون الأبيض. ورفع رئيس مجلس النواب صبري حمادة ورفاقه مذكرة شديدة اللهجة إلى ممثل الحكومة الفرنسية في لبنان، وإلى الدول العربيّة الشقيقة المجاورة استنكروا فيها أعمال البطش التي يمارسها الجنود الفرنسيون والشرطة اللبنانية المساندة للمفوض الفرنسي. وأرسلوا مذكرة أخرى إلى سفيري بريطانيا والولايات المتحدة في لبنان، وإلى حكومتي مصر والعراق، شرحوا فيها الوضع المتردي في لبنان، وسوء تصرف المفوضية العامة الفرنسية في لبنان، والإجراءات التعسفية وغير القانونية التي مارسها المفوض السامي الفرنسي في لبنان والمسؤولون الفرنسيون فيه. وقد أيد الشعب اللبناني بكل طوائفه وفئاته الإجراءات الوطنيّة التي اتخذها صبري حمادة، وما قام به أعضاء مجلس النواب من إجراءات أثناء اعتقال رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة ورئيس حكومته وغيرهما من الأحرار. وعمت الفوضى والاضطرابات في كل أرجاء لبنان، خاصة في بيروت. وفي اليوم 12 تشرين الثاني (نوفمبر) تجمع النواب في منزل النائب صائب سلام حيث قرّروا منح الثقة للحكومة المؤقتة التي كانت تواجدت في بشامون، ومن ثم انضم إليها رئيس مجلس النواب صبري حمادة، وراحت تشهد بشامون تدفق مئات المتطوعين من كل أنحاء لبنان اتوا ليدافعوا عن رجال الاستقلال، وفي صباح الخامس عشر من تشرين الثاني (نوفمبر) تقدمت مصفحات الجيش الفرنسي بجنودها السنغاليين فتصدى لها الحرس الوطني. وبعد ثلاث مواجهات دامية ادى الغليان الشعبي والضغوط التي مارستها بريطانيا بشخص الجنرال سبيرز إلى جعل فرنسا تتراجع وتفرج عن رجالات الدولة المعتقلين في راشيا بتاريخ 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 1943، وهو التاريخ الذي ثبت يوما وعيدا للاستقلال.


بعد ست سنوات من الاستقلال قرر رئيس الجمهورية الشيخ بشاره الخوري، ومعه شقيقه الشيخ سليم (الذي شبه بالسلطان) تجديد ولايته، وهكذا اقر المجلس النيابي هذه الرغبة، وجدد له.

لكن الشعب سرعان ما انتفض ضد حكم “الطغيان” فاستقال الشيخ بشاره الخوري، وتوارى شقيقه “السلطان” وانتخب كميل شمعون رئيس جديداً بعد انتفاضة شعبية كان ابرز قادتها كمال جنبلاط، وابرز محطاتها المهرجان الشعبي الحاشد في دير القمر.

والباقي معروف..

الردود: 1
  • رضوان
    29/10/2019

    شكراً على هذا النص التاريخي القيم.
    نتمنى أن تتفضلوا بمقالة مختصرة حول الأمير فخر الدين والأمير بشير وحقيقة معاركهم ومن كانوا يوالون أو يعادون.
    مع خالص الشكر والتقدير.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *