Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

تفكيك الدول ومجتمعاتها على قاعدة الدين السياسي: طريقنا هو المجتمع المفتوح

يسيطر الدين على عقل مجتمعنا. يحاول أن يكون موجهاً للسياسة. أفرغنا المجتمع من السياسة، ولم يفدنا الدين في شيء لحل قضايانا الراهنة. أخرجنا السياسة من المجتمع، وأخرجنا المجتمع من السياسة. دخلنا في أرض التيه. نتوه في العصر ولا ندرك معالمه.

الدين علاقة مع السماء. السياسة علاقة مع البشر الآخرين. العصر معناه (بما فيه الحداثة) إلحاق العلاقة مع السماء (الدين) بالعلاقة مع البشر (السياسة). صار الدين جماعياً، ملأ المجال العام. لم يبق شيء للسياسة. لا يزودنا الدين السياسي بأي حل لقضايانا سواء فيما يتعلّق بتطوّر المجتمع أو بالتحرر من الاستبداد، أو بالتحرر من إسرائيل؛ لا يفيدنا في الاقتصاد، ولا في الحرب، ولا في علم الاجتماع، ولا في علم الأنثروبولوجيا، ولا في علم التاريخ أو الجغرافيا. ناهيك عن العلوم الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية، أو ما يسميه البعض تجاوزاً للعلوم الوثيقة. هي علوم غير دقيقة؛ جميعها تقوم النظريات فيها على الاحتمالات. لم تدخل الاحتمالات (علم الإمكانيات) الى عقلنا. نسحب يقينيات الدين على المجالات الأخرى. يمكننا القول إن الفقه أحد العلوم الدقيقة، رغم تحذير الفقهاء الكبار الذين اعتبروا اليقين غلبة الظن. يتشكّل الدين من ظنيات. الحل في الدين هو الإيمان أي الاعتقاد المطلق من دون الاستناد الى أي تجربة وأي محسوس. لا يفيدنا الإيمان في حل أي من قضايانا. يفيدنا الظن والشك والتساؤل، وما يعتبره أصحاب الدين السياسي كفراً إذا أدخلناه في المجتمع، وجعلناه قيمة وقياساً للأحكام السياسية والاجتماعية. دعاة تطبيق الشريعة في الدستور والقانون أحالوا السياسة الى الدين؛ طلبوا المستحيل؛ ولجوا طريق الهزيمة، طريق تهميشنا وإزاحتنا الى جنبات الطريق، على رصيف العصر.

الدين الفردي لا الجماعي هو الوحيد الذي يستقيم فيه الإيمان، أي الدين الحق. كتاب الله والعلاقة مع السماء هما الدين. ما عدا ذلك يدخل كله في باب السياسة. ما عدا ذلك يحال الى علم التاريخ أو التراث أو التقاليد أو الطقوس. حتى في الأخلاق: العلاقة تنبع من الضمير بما يساوي الإيمان؛ ما عدا ذلك من علاقة مع البشر، يحال الى السياسة. من دون ذلك نكون كمن يتآمر ويتواطأ ضد نفسه.

الدين السياسي تعبير متناقض في ذاته. الدين فردي والسياسة جماعية. يُقحم الدين السياسي نفسه في المجال العام مما يؤدي الى إفساد هذا المجال العام، وهو الذي يتوجب أن يكون للسياسة وحدها. وفي السياسة لا يفيدنا شيء من الدين. لا تناقض بين الدين والسياسة إذا حصرنا الدين في المجال الفردي وجعلناه علاقة بين الفرد والسماء.

الدين السياسي، على الأقل عندنا، يقفل العقل ويجعل المجتمع مغلقاً. المجتمع المفتوح هو الذي يتحرر من الدين السياسي؛ يخرج من يقينيات الدين الى إمكانيات السياسة. المجتمع المفتوح هو الذي ينفتح على السياسة؛ يجعل العلاقات بين البشر هي أساس الحوار والنقاش. لا فرق في ذلك إذا كانت السلطة استبدادية أو ديمقراطية. الايديولوجيا الدينية، كأية ايديولوجيا أخرى، تغلق المجتمع. تحررت مجتمعات أسيا الشرقية ومعظمها غير ديمقراطية من الايديولوجيا الدينية وغير الدينية، ومن الدين السياسي أو أية بنية ذهنية ترتكز على اليقينيات. فكان انطلاقها، أو بعضها على الأقل، على طريق النهوض.

ينوجد المجتمع المفتوح مع العقل المفتوح، الذي يعترف بالآخر ويتعلم منه وينسخ تجربته، خاصة في الغرب. المجتمع المغلق هو الذي يدور حول تاريخه، يجترّ الماضي، ويعيد أفكاره، رغم أنها ما عادت مجدية. يكرر التجارب الفاشلة. المجتمع المفتوح مفتوح على العالم، منخرط فيه، ويرى في معرفته مجالاً للتطوّر والارتقاء. المجتمع المغلق هو الذي يعزل نفسه عن العالم، ويرى تاريخه يدور حول نفسه، ويرى مستقبله في ماضيه. المجتمع المفتوح ينسخ تجربة الغرب وعلمه، ولا يكتفي بالتكنولوجيا المستوردة منه. المجتمع المغلق يحتفظ بأفكار الماضي، وربما استورد التكنولوجيا وأجاد استخدامها. المجتمع المفتوح يندمج في العالم. يدرس علم الغرب لا تقنياته وحسب. خريجوه لا يقتصرون على الهندسة والطب. بل يشمل علماء الإنسانيات، وبكثرة. المجتمع المفتوح يدخل في طريق المستقبل، يصنع المستقبل. المجتمع المغلق يعود الى الماضي. يدافع عن نفسه بأسلحة فات أوانها (يقاتل الدبابة بالسيف). المجتمع المفتوح يتعلم الإنتاج كي يستهلك. المجتمع المغلق يكتفي بالاستهلاك كيلا ينتج ولا يعمل.

المجتمع المفتوح يصنع حداثته. ترتبط هذه الحداثة بالعمل والإنتاج. المجتمع المغلق تُصنع له الحداثة. حداثة الاكتفاء بالتكنولوجيا التي تصدّر إليه، فيدفع من ثروته النفطية إذا كان لديه منها شيء. أو يستدين إذا افتقر إليها.

ليس الدين ملغياً في الممجتمع المفتوح، لأن لا شيء آخر مُلغى. يستفاد من الدين في التعامل مع الآخرين. الدين جزء من التراث والتاريخ. العلاقة مع الآخرين تحتّم الارتكاز إليهما والتبادل بشأنهما. إذا كان الدين فردياً لا جماعياً فإنّ ذلك لا يلغيه. بل يعمّق أثره في الناس. والتخلي عن الفردية واعتبار الدولة للفرد يدفع الى تخلي الفرد عن الدولة وعن العالم. ليس الدين الذي نشهده في بلادنا إلا عزلة اختيارية عن العالم. عزلة غير مبررة. العزلة طريق الهزيمة والتأخّر. التأخّر سبب حتمي للهزيمة. الهزيمة طريق الى الزوال. صفقة القرن وغيرها معالم على طريق الزوال. الغير يقرر مصيرنا. لا يقررها لصالحنا.

حين يحتل الدين الجماعي المجال العام، يصير المجتمع مغلقاً والعقل منفياً. يمتلئ الدماغ باليقينيات. لا يبقى متسع للسؤال والشك؛ مع اليقينيات يتقطع الحوار، وينقطع النظر الى أمور الدنيا. يتعلّق الفرد بالخلاص. ينقل عقله الى السماء. الأرض ليست دار قرار بل دار فرار. تتوالى الهزائم؛ الفرار يؤدي الى الهزائم؛ يهزم المجتمع نفسه. أولوية الدين السياسي ليست السياسة ولا الديبلوماسية بل هي الخلاص في السماء. ما يجري على الأرض ليس لخدمة الإنسان بل لخدمة السماء. الخلاص على هذه الأرض هو في حكم المؤجل لصالح الخلاص في السماء. تؤدى الطقوس الدينية في خدمة الخلاص. يعتقد أصحابها أن في ذلك مرضاة لله، وضمانا لمكان في السماء. تصير الحياة عبثية عدمية. تقاتل “القاعدة” دولة كبرى كالضفدع يقاتل فيلاً. تنشأ دولة إسلامية حتى ولو اجتمع العالم كله لمحاربتها. ليس المهم عندهم أن تنشأ الدولة بمقدار حيازة رضى السماء. ليس مهماً أن يعيش الإنسان كالآخرين؛ ليس مهماً بالأحرى أن يعيش. ربما فضّل الانتحار ونحر غيره. تتعمم الحالة. نصير الى حالة انتحار جماعي.

ليست مسألة التقدم فصل الدين عن السياسة، ولا مسألة إلغاء الدين. الدين لا يمكن أن يُلغى بل ينحسر من المجال الجماعي والمجال العام الى المجال الفردي. تنحسر الطقوس من المجال العام ولا تملأه. تصير فردية ولو أديت جماعياً. المسألة هي عودة السياسة الى المجال العام. يمتلىء الوعي بالحياة الدنيوية. يصير ما يجري على الأرض مهماً. ربما أدى الى ضمان المكان المأمول في السماء. الأهم أن المواجهة يجب أن تكون مع أنفسنا قبل أن نواجه العالم أو ننخرط فيه. يصير المجتمع فاعلاً في هذا العالم. تتغيّر موازين القوى. لا يتقرر مصير المجتمع في اجتماعات خارجه. ما يحدث هو أن دولاً أخرى تجتمع في الخارج لتقرر مصير دولنا ومجتمعاتنا.

مجتمعات أسيا الشرقية التي نهضت امتلأ وعيها بالحياة الدنيوية. جعلت السياسة ملء المجال العام. أساس السياسة هو التساؤل والشك في سبيل التخلي عن عادات قديمة. الحداثة هي القدرة على صنع حياة جديدة ومستقبل يؤكد هويتنا كصناع لهذه الهوية. لا يكون ذلك بالحفاظ على القديم تحت عنوان التراث، بل بإحداث نوع جديد من التواصل؛ التواصل بين البشر لا بينهم وبين السماء. إلغاء السياسة ساهم فيه الاستبداد السياسي. هناك استبداد أشد وأدهى هو سيطرة السلفية الدينية على بصيرتنا: إلغاء التساؤل بيننا وبين أنفسنا، إلغاء التساؤل في ضمير كل منا.

لم يكن الحديث عن “صفقة العصر” ممكنا لولا إغلاق مجتمعنا المتولد، وإغلاق عقلنا ووعينا. “صفقة العصر” التي يجري التداول بها تحت مسميات عدة ما كانت ممكنة ولن تكون ممكنة من دون الاستناد الى وهن في عزيمتنا. وهن ناتج عن إغلاق العقل والفعالية. لنكون فعالين في هذا العالم، علينا التحدث الى أنفسنا. على طريقة الخطيئة “أرى لي وجهاً قبح الله وجهه”. “صفقة العصر” هي الوجه الآخر لما نحن فيه.

تنشر بالتنسيق مع مدونة الفضل شلق

 

الردود: 1
  • Chérif
    21/07/2018

    لا يا أستاذ سلمان
    الدين ليس له علاقة بالسياسة الصهيونية.
    الصهاينة يستعملون الديانة اليهودية كبضاعة لتسويق إديولوجيتهم الصهيونية.
    في اعتقادي ماقام به الكيان الصهيوني حول يهودية الدولة إجابي للقضية الفلسطينية على عدة محاور.

    المحور الأول هو، من اليوم فصاعضا لن تستطع اسرائيل الإدعاء بأنها دولة ديمقراطية.
    المحور الثاني هو ان “السلطة الفلسطينية” لن يسمح لها ان تتكلم عن التفاوض مع الكيان الصهيوني بدون ان تعترف بخيانتها الكبرى وتواطؤها مع العدو.
    اما عن الأنظمة “العربية”، نستطيع ان نقارنها بعملاتها. يعني ليس لها قيمة عند الأمم على الإطلاق.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *