Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

بالفعل نحن في المستقبل

يبدو أنه بالرغم من كل ما قرأنا عن مستقبل الأمم والامبراطوريات والأشياء لم يصل إلى علمنا أن المستقبل يمل الانتظار. ينتظر عاما أو مرحلة أو جيلا ولكنه لن ينتظر إلى الأبد البشر ولا حتى القدر و”المكتوب” والمحفور على الحجر. نراه الآن يحط الرحال في أكثر من موقع. يفاجئ في بعض المواقع بشرا لم يتوقعوا وصوله ويقابل في مواقع أخرى بشرا كانوا قد خرجوا منذ زمن لاستقباله في منتصف الطريق. بعض هؤلاء قضوا في انتظاره الوقت، طال أم قصر، يذبحون له القرابين ويمهدون الدروب ويتدربون على أنماط عمله ولغته وسد جاجاته.


لم أجد غير هذه الصورة أصف بها هذا الكم الهائل من تطورات ومعلومات تدفقت خلال السنوات، وأكثرها خلال الشهور الأخيرة، وأغلبها إن لم يكن كلها يقع تحت عنوان صغته متسليا قبل ربع قرن أو أكثر لأجمع تحته ما استطعت من شواهد توحي بسقوط نظام القيادة المنفردة وحلول نظام دولي جديد، وبمعنى آخر أتابع من خلالها علامات بزوغ قوة عظمى جديدة تفرض على الولايات المتحدة مشاركتها لها في قيادة العالم أو بكثير من الخيال تركلها فتنحيها جانبا وتنفرد هي بالقيادة المنفردة، فيتخلق عالم القطب الواحد الذي ظل حلما لم تحققه أمريكا على الوجه المرجو. أذكر أننا، أنا وزملاء بتوجهات متباينة، توصلنا إلى أن الصين لن تستعجل خطوات صعودها المتدرج نحو قمة منفردة أو متعددة وإن الولايات المتحدة لن تعترف بقدرة الصين على مواصلة الصعود باعتبارها في النهاية وفي حكم نظريات الغرب دولة نامية بسقف منخفض. توصلنا إلى أن الصين لن تسعى إلى الانتقال من مرحلة التعاون والاعتماد المتبادل ولكن الحذر مع الولايات المتحدة، القطب القائم، إلى مرحلة التنافس معها وربما الصراع إن لا بد منه إلا بعد فترة يحسن لمصلحة الصين أن تطول. بهذا المعنى، أو المعاني، لن يصل المستقبل في شكل نظام دولي جديد ويستقر قبل منتصف القرن. ففي ذلك الحين تكون الصين قد وضعت مع حلفائها، ربما في أوراسيا، منظومة قواعد عمل جديدة لتحل محل المنظومة الراهنة التي صاغتها الولايات المتحدة خلال سنوات الحرب العالمية الثانية والاستعداد لقيادة نظام دولي مختلف عن النظام الذي سقط بنشوب الحرب.

أغلب الظن أن الصين لم تلتزم التدرج الذي تمنته واشنطن أو أنها التزمت ولكن تراكم صعودها فاجأ الأمريكيين. أغلب الظن أيضا أن أوروبا الغربية خاب أملها جزئيا ثم نهائيا في سلامة العقل الذي اتخذ قراري حرب ضد أفغانستان والعراق. هذا العقل أصبح خطرا على أمن أوروبا ومستقبلها، ولخاصة أن في روسيا قيادة سياسية بطموحات توسعية وروح انتقامية وفي الصين قيادة لا تخفي نوايا توسعية عسكرية واقتصادية تختفي وراء بنى امبراطورية الهياكل والتنظيم. أغلب الظن كذلك أن تخبط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط خلال الشهور الأخيرة كشف للصين وروسيا وحلفاء أمريكا في المنطقة وخصومها، عن عمق العوار في استراتيجات الدفاع الأمريكية وأنه كان وراء انحسار الخجل الصيني التقليدي إزاء الإقدام على العمل الدولي في الشرق الأوسط بكثافة وجرأة غير معهودتين.


قبل أيام زار إسرائيل السيد وانج كيشان، الرجل الثاني ترتيبا وحقيقة في هيكل السلطة الحاكمة الصينية. سمعنا بعدها عن زيارة مفاجئة، قيل كالعادة إن الترتيب لها جرى من قبل، يقوم بها جون بولتون مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي. هنا أنا لا أبالغ حين أفصح عن اقتناع بأننا أمام دولتين تجاوزتا فجأة نمط صعودهما المتدرج ولكن الحصيف والمبرمج لنراهما يلعبان بعض الألعاب لا يلعبها ولا يقوى على التفنن فيها وتحمل أخطارها إلا الكبار جدا. خلاصة الأمر أننا عرفنا، مثل غيرنا، أن إسرائيل اكتشفت مؤخرا، أو قبل ذلك ولم نعلم به في حينه، أن الاعتماد الأسطوري الإسرائيلي على الولايات المتحدة لا يمكن أن يغطي وحده كافة احتياجات دولة كانت محاصرة بحكم موقعها وصراعاتها داخل موقع جغرافي محدد في إقليم لا تتمدد فيه. هذه الدولة تحررت، أو هي تستعد لإعلان تحررها من كثير من قيود فرضها موقعها وظروف صراعاتها، لتمارس علاقات أوسع ليس فقط في الإقليم ولكن أيضا خارجه وصولا إلى روسيا شمالا والصين في أقصي الشرق والهند في قلب المياه الساخنة، وعميقا في مستقبل يغلي.

عرفنا أن إسرائيل تعرض على الهند تجربتها الفريدة في إبادة سكان بمزيج من الحسنى والصبر والاستفادة من دعم حلفاء طبيعيين وخصومة أعداء أيضا طبيعيين. أظن أن باكستان لم تقدر التقدير السليم المدى الذي وصلت إليه العلاقات الهندية الإسرائيلية ولا عمق وأهمية التعاون التكنولوجي مع إسرائيل لدى كل من نيودلهي وبكين. أتصور أن إسرائيل في الوقت نفسه تسعى وراء استثمارات ضخمة لم تعد تقوى على توفيرها دول كثيرة وربما دولة واحدة أو لعلها مبادرة واحدة تضمنها وتنفذها الصين، وهي مبادرة الطريق والحزام. إسرائيل في حاجة ماسة لهذه الاستثمارات لتطوير مينائي حيفا واشدود، والصين في حاجة ماسة لتشييد هذين المينائين ومد خطوط مواصلات تزيد من ربط الداخل ببعضه والداخل بطرق مواصلات تاريخية تربط الداخل بالعالم الآسيوي. إسرائيل في حاجة أيضا ماسة إلى استثمارات صينية ضخمة من داخل قطاعات التكنولوجيا الرقمية المتطورة. بتلك الاستثمارت يمكن أن تحتل التكنولوجيا الصينية جانبا عريضا من السوق العالمية والصينية محل المواقع التي سوف يخليها قطاع وادي السيليكون نتيجة حرب الرئيس ترامب التجارية ضد الصين.


أتصور أن جون بولتون يحمل ضغوطا. أحدها منقول عن قادة في سلاح البحرية الأمريكية يعترض على احتمال أن تقوم الصين بتشييد ميناء حيفا. ترفض البحرية الأمريكية أن ترسو سفنها في مواني تديرها منظومة تكنولوجية من تصميم وإدارة خبرة صينية مشبوهة في أنشطتها التجسسية. سوف يزعم بولتون أن هذا التحذير مبلغ بالفعل إلى كافة مواني أوروبا الغربية التي تزورها قطع الأسطول الأمريكي بحكم عضوية دولها في حلف الأطلسي.

قد لا يجرؤ بولتون رغم ولاءاته الصهيونية المتطرفة أن يطلب من إسرائيل الامتناع عن قبول استثمارات طويلة الأجل من مبادرة الطريق والحزام تحت حجة كرر استخدامها في إفريقيا عن الهوية الاستعمارية الخفية لهذه المبادرة، ولكنه قد يستخدم حجة بديلة يجري استخدامها في أوروبا الغربية لتحرض الدول الحليفة ضد مشروع خط غاز نورد ستريم. تقول الحجة أن أمريكا تخشى على أمن حلفائها إن اعتمدوا في حياتهم على مصدر روسي للطاقة. نلاحظ بهذه المناسبة أن إسرائيل تسعى بالحماسة نفسها لتحصل على اعتماد روسيا عليها في قطاع التكنولوجيا المتطورة كما تسعى لربط قطاعها التكنولوجي بالمصدر الصيني. هكذا، إن أفلحت إسرائيل في خططها الجديدة، تكون قد وضعت الأساس لشبكة تجمع أهم مصادر التقدم التكنولوجي في المستقبل الموجودة في الولايات المتحدة والهند والصين وروسيا، فرصة قد لا تتاح لدولة أخرى في العالم في الأجل المنظور. إنه المستقبل وقد وصل إلى كل من خطط له واستعجله واستعد لمخاطر آتية لا ريب فيها.

تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *