Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

النظام العالمي الجديد وتبعاته الإنسانية والعربية ـ النيوليبرالية

منذ سقط الاتحاد السوفياتي سقطت الليبرالية. صعدت الليبرالية الجديدة، النيوليبرالية، تحت مسمى العولمة. الليبرالية وريثة القرن التاسع عشر حيث السيطرة للرأسمال الصناعي والتجاري والتعامل بالسلع المادية، سواء كانت مواد صناعية أو زراعية أو مواد أولية. كان الرأسمال المالي وسيطاً. في ظل الليبرالية كان للعمال الصناعيين والزراعيين والمنجميين قوة نسبية، بحيث يطالبون بحقوقهم في الحرية، والديمقراطية، ورفع الأجور، والتقديمات الاجتماعية. شكلوا نقابات كانت تضم أكثرية العمال. وكانت النقابات في القرن العشرين ذات شأن في التفاوض مع الطبقات العليا لاكتساب بعض المطالب أو فرض بعضها، بعد إضرابات يمكن أن تؤدي الى الكثير من القمع والضحايا. من جملة ذلك كانت برامج الإصلاح الزراعي، رغم نتائجها المتنوعة فيما يخص الأهداف المرجوة.

مع النيوليبرالية تراجع دور النقابات وتناقص عدد المنضمين إليها. معنى ذلك تراجع القدرة التفاوضية لدى الطبقات الدنيا. امتدت النيوليبرالية حول العالم من خلال ما سمي العولمة. في كل دولة من دول العالم شريك أو شركاء رأسماليون باسم النيوليبرالية. وفي كل العالم شريك مماثل هو العولمة. سياسات دول المركز يجب أن تنتشر عالمياً وأن يكون لها صدى في كل بلد من بلاد العالم، لتقنع هذه البلدان بالخصخصة وبما يسمى الشراكة بين القطاع الخاص والقطاع العام. الخصخصة هي بيع أموال الدولة بتقديرات يقررها القطاع الخاص، بأثمان تناسبه. الشراكة بين القطاعين معناها أن القطاع الخاص إذا استمر في مشروع من مشاريع الدولة، خاصة البنى التحتية، يكون ذلك ليس من ماله الخاص، بل بتمويل من المصارف (إيداعات الناس) وبضمانة الدولة. في حالة الربح يكون الأمر له، اي القطاع الخاص، وفي حالة الخسارة تتحمل الدولة الأعباء. في جميع الأحوال لا يقامر القطاع الخاص بأمواله الخاصة، وإذا فعل تغطي الدولة كل المخاطر.

صارت النيوليبرالية دين العصر الاقتصادي. الدفاع ضدها ممنوع. شرحها أيضاً ممنوع لأن ذلك يعتبر سخرية تفضح هذا التواطؤ. في عهد الليبرالية كانت الرأسمالية تخاطر لحد كبير بأموالها. في زمن النيوليبرالية تخاطر بأموال الغير مدعومة ومكفولة من الدولة. ليست النيوليبرالية تصغيراً لحجم الدولة في الاقتصاد بل تغييراً لهذا الدور، ليصير كله في خدمة الرأسمالية. وليس أفضل من الأشغال العقارية والبنى التحتية في بلدان العالم الثالث (البلدان النامية!!!). ينشئ المقاول مشروعاً بالشروط المذكورة، وبشروط أخرى يفرضها هو أو منظمات البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، وما يشبههما، ويهرب بأرباحه. ثم يأتي السواح الغرباء، يستهلكون خدمات الماء، والكهرباء، والصرف الصحي، والطرقات، ويعودون الى بلادهم بعد دفع تكاليف زهيدة.

ربما كانت هناك فائدة سنوية من قدوم السواح لاستخدام الفنادق والبنى التحتية، أما الأبنية الكبرى للدورات الأولمبية، وكأس العالم، وما شابه ذلك، فهي تستخدم لمرة واحدة. في بعض البلدان يزودونها بالتكييف (المكلف كلفة باهظة)، وكل ذلك من أجل مظاهر العظمة.

مع العولمة والنيوليبرالية يأتي دور “المحافظون الجدد”. مهمتهم تقديم ثقافة أو وعي مضاد للمثقفين؛ ثقافة مضادة. تعودنا منذ القرن التاسع عشر، خاصة في القرن العشرين، أن يكون دور المثقف يسارياً بشكل أساسي، وأن يكون على العموم معادياً للسلطة والايديولوجيا السائدة. مهمة المثقف أن يشكك ويتساءل حول كل ما يجري. وذلك يعرّض النظام العالمي للأخطار. يجب أن يبقى المثقفون إعلاميين مأجورين، يقولون علناً ما يتناسب مع سياسة السلطات، ومن غير المهم أن تكون لهم آراء شخصية. عليهم الانضواء في التيار العام.

مع انهيار الاتحاد السوفياتي، وتسلّم الولايات المتحدة سدة قيادة النظام العالمي، كان لزاماً على فريق ثقافي (المحافظون الجدد بخاصة، وغيرهم) التبشير بعظمة أميركا واستثنائيتها، مما يجعلها قادرة للعب هذا الدور. بالطبع يتطلّب ذلك زيادة الموازنة العسكرية. وهذا ما حصل على أيدي المحافظين الجدد بضغوطهم على الكونغرس (في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ارتفعت حصة العسكر في الموازنة من 2% من الدخل القومي الى حوالى 4%). سيكون الاعتبار لسموّ أميركا أخلاقياً من بين دول العالم، وضرورة وجودها من أجل ترتيب أمور العالم؛ سيكون ذلك مبرراً ومقدمة لتقديم الحجج لدى الشعبويين واليمين المتطرف في كل أنحاء العالم لتقديم حجج مشابهة أو نابعة من هذا الاعتبار في سبيل ممارسة سياسات فاشية وعنصرية تجاه شعوب الأرض. الثقافة التي قدمها المحافظون الجدد كانت أساساً ايديولوجيا للانحراف اليميني الفاشي الذي عمّ العالم لاحقاً. ما من شعب إلا ويعتقد نفسه استثنائياً وضرورياً تاريخياً، وذا سموّ أخلاقي.

أشرف على كل ذلك نوعان من البنوك: بنك التسليف المالي وبنك المعلومات. البنك المالي لفرض الاستدانة على الشعوب والبلدان والأفراد؛ طبعاً بالشروط التي يختارها البنك لصالحه. وبنك المعلومات لنشر ثقافة تعتبر أن ما يجري هو الأمر الطبيعي وعلى الجميع الموافقة والمشاركة. ضخ المعلومات الى أدمغة مليارات البشر، ومشاركة رسائل التواصل الاجتماعي يؤدي الى تشكيل ثقافة مضادة يكون فيها التسلسل العقلي متقطعاً، فيصير التحليل مستحيلاً. يستسلم العقل ويصير في موضع المتلقي. تُلغى الحقائق وتصير الأكاذيب هي الحقائق البديلة.

زحف البنك المالي وبنك المعلومات عمّ العالم؛ كل ذلك مدعوم بالقوة العسكرية. ايرادات البنك المالي في المركز تفوق التدفقات المالية الى الأطراف (أو ما يُسمى الاستثمارات). وبنك المعلومات يجعل ذلك مقبولاً، وشرعياً، وطبيعياً لدى الشعوب الأخرى. هو بنك الايديولوجيا التبريرية. والقوة العسكرية تضرب بيد من حديد على من يُعتبر خارجاً على إرادة المركز. يُعاد تشكيل العالم مادياً وثقافياً. خلال هذه العملية، يجري تدمير دول وبلدان بكاملها (أفغانستان، الصومال، والعراق، سوريا، يوغوسلافيا). تشنّ حرب عالمية على الإرهاب والفساد لا الجريمة. تفرض عقوبات على هذا البلد أو ذاك بقرارات من المركز الرأسمالي. ديكتاتورية من نوع جديد. كانت أحداث 11 أيلول 2001 ايذاناً بإطلاق برنامج لإعادة تشكيل العالم (شرق أوسط جديد مثلاً). خيضت عدة حروب من أجل ذلك. يخال المرء أن هناك حرباً عالمية مركزها في منطقتنا. يعاد نشر القواعد العسكرية في أماكن كان أهلها يعارضون ذلك. تلقى القواعد تأييداً او سكوتاً عنها، والأمر غيرما كان عليه منذ بضعة عقود. صار الوجود الكولونيالي في بلداننا مقبولاً شعبياً. تغيرت ثقافة هذه البلاد تجاه التدخلات الأجنبية. لم تعد السيادة أمراً ذا أولوية. الحروب الأهلية جعلت ذلك ممكناً. مع انهيار السيادة انهارت قيمة الإنسان، وساد عصر التفكيك. فقد الإنسان ذاتيته صار موضوعاً. الموضوع خاضع للذل والإهانة والعجز. مع سقوط الاتحاد السوفياتي سقطت الليبرالية. النيوليبرالية مختلفة كثيراً. ليس أمامها من يفاوض من الطبقات الدنيا ولا ممن يمثلها. وحدهم يعرفون المعنى وما يجب أن يكون. يتفكك المعنى ليصير عاكساً وجهة نظر السادة لا وجهة نظر الكاتب. اختفى الكاتب واختفى معه المعنى الأصلي. غاب صانع السلعة. لم يعد مهماً. صار هو أيضاً سلعة أخرى. في اللحظة التي كفّ فيها عن النضال فقد معناه، وفقد موقعه الاجتماعي. لم يعد له مكان على طاولة المفاوضات. وجوده له منافسون كثيرون في الشرق والغرب. الصراع الطبقي صار سباقاً بين أبناء الطبقة العليا لمراكمة الثروات. انحصر الصراع داخل طبقة واحدة: العليا.

انتصرت النيوليبرالية وتغيّر معها معنى المجتمع والكون. دخل إله المال الى المدينة، متوجاً بإكليل من الدولارات. انتهى التاريخ. ظهر الإنسان الأخير. هو على رأس العالم. جميع الآخرين في خدمته. فقدت الرأسمالية المالية تواضع الرأسمالية السلعية. صارت تعتبر نفسها مصدر الكون؛ الاستثمارات سبب الازدهار؛ على كل الشعوب أن ترضخ لشروط أصحاب الاستثمارات؛ عدم الرضوخ يستجلب العقوبات؛ لا تحتاج هذه الى محكمة؛ صاحب الاستثمارات هو الآمر الناهي. هو اقتصاد بالأمر. هو ليس اقتصاداً موجهاً أو مخططاً. هو اقتصاد يرضخ لأرباب المال الكبار. الديمقراطية فقدت معناها. بواسطة التكنولوجيا يستطيع أي فريق خارجي التلاعب بالانتخابات: بث المعلومات، الحقائق البديلة. أزمة 2008 أصابت “البنك” المالي. أزمة انتخابات 2018 أصابت بنك المعلومات.
(يتبع)

تنشر بالتنسيق مع مدونة الفضل شلق

 

 

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *