Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

النظام العالمي الجديد وتبعاته الإنسانية والعربية ـ وحدة البشرية وتنوعها

ما يجمع البشر أكثر مما يفرقهم. تتشابه الثقافات والممارسات أكثر مما تتمايز فيما بينها. تشابه الأديان على اختلافها أمر يثير العجب. صدق من قال إن البشرية سمفونية واحدة بألحان متعددة. لكن نظام البشرية، النظام العالمي، الدول والإمارات، قائم على الاختلاف. إن لم يوجد الاختلاف يخلقه اختلاف الدول. في كل دين إله وبشر وأنبياء. تختلف الأديان في تحديد طبيعة كل منهم وفي طبيعة الاتصال بين كل منهم.

ليس أدل على وحدة البشرية من تنوعها؛ تتنوّع في التفاصيل؛ تفاصيل العيش؛ أما أساسيات العيش فهي واحدة. كل البشر يمشون على رجلين، ويستعملون يدين، ويأكلون، ويتخلص بدنهم من بقايا ذلك بعد هضمه، ويتوالدون، ووسائل التوالد واحدة، الخ… أما في الثقافة والحضارة، فما من شعب أعرق من شعب آخر. كل الناس يتساوون في العراقة. الأهم أن البشري لا يستخدم إلا جزءاً قليلاً من دماغه. استخدام هذا الجزء، كبر أو ضغر، هو نتيجة ظروف بيئية واجتماعية ونظام سياسي وظروف طارئة. الذكاء يكتسب، وما الفطرة أن نكون أذكياء أو أغبياء.

يوجد الناس شعوباً وقبائل وطبقات. في بعضها بلغ التقدم والحداثة مبلغهما، زالت العشائرية وسادت الفردية. الفرد في مواجهة السلطة. في البلدان المتأخرة ما زالت القبيلة واخواتها، والطائفة، والعائلة، والعشيرة، والإثنية هي الوسيط بين الفرد والدولة. لكن التقسيم الأهم للمجتمع هو الطبقية. الطبقات العليا الأقرب للسلطة هي التي تحكم فعلاً. هي أكثر ثروة وعلماً؛ وبالتالي أعلى مواقع في البيروقراطية. لم يكن تعلمها بسبب ذكائها وحده بل بسبب مالها أساساً. الطبقية عموماً هي التي تقرر موقع الفرد الاجتماعي.

تتقاتل الدول بقرارات من السلطات العليا. الجنود الذين يموتون في القتال هم أبناء الطبقات الدنيا (غير المتعلمين أو المتعلمون قليلاً). تحتاج الطبقات الدنيا الى ايديولوجيا كي يسير إليها الحقد وتكره الشعوب الأخرى. ويشتد عزمها في القتال. النشيد الوطني، والعلم، والمارش العسكري، والتلقين في المدارس، والتدجين في السجون، والمستشفيات. ما إن يشبّ الإنسان حتى يصير مشبعاً بحب الوطن الذي يتطوّر، حسب الظروف، الى عنصرية وفاشية وشتى أنواع العصبية. تحتاج الرأسمالية في صراعاتها الى مشاعر من هذا النوع لدى شعوبها، ولدى جماهيرها الواسعة. الأغنياء يهرّبون أموالهم الى الجنات الضريبية، ومنها سويسرا. الفقراء يدفعون كلفة الحرب، ويدفعون ثمن الحرب بأجسادهم وأموالهم.

دَيْن الدولة ضروري لتمويل نشاطاتها ومنها الحرب. هذا الدَيْن يدفعه الفقراء، ويستفيد منه الأغنياء الذين لا يقاتلون. لكنهم هم معظم الدائنين. غريب أن ديون وأموال الدول المتناقضة أو المتحاربة توضع في أمكنة واحدة من جنيف الى غيرها من الجنات الضريبية.

حروب القرن العشرين، وهي أكثر الحروب في التاريخ إماتة وتخريباً، كانت بين متشابهين، لا بين ناس مختلفي الثقافة والدين. طبقة واحدة في أعلى العالم تدير شؤون الحرب والسلم. لا تنفصل هذه الشؤون عن المال واكتنازه، وكل ما يُحكى عن المصالح هراء. لا يشنّ بلد حربا إلا لأنه يريد شن الحرب؛ لأن الطبقة الحاكمة تريد شن الحرب. لا يشن بلد حرباً في سبيل المصلحة. يقال عن المال إنه مصلحة. هو شكل آخر من السلاح. هو سلطة، هو دَيْن على الناس منذ أن يولدوا. المال خارج إطار المصلحة. المال تطويع المصلحة، بما فيها الاقتصاد، والسيطرة، واكتناز المال، والسلطة، ومصادرة الثروة. ليس في مصادرة الثروة مصلحة. المال دَيْن، والدين أداة نهب ومصادرة وسرقة. هو شيء لا بدّ منه، لكن ذلك يعني أنه خير أو شر. هو شر في هذا النظام العالمي لأنه أداة بيد القوى المسيطرة. يمكن أن يكون غير ذلك في ظروف أخرى. نعرفها أو لا نعرفها.

تُعاقب الولايات المتحدة دول العالم. تشترك بعض هذه الدول في التلاعب بالحواسيب التي يتقرر فيها نجاح هذا أو ذاك من مرشحي الرئاسة. لأول مرة يدخل (البورنو) في مصير الرئاسة الأميركية. زعماء ورؤساء الدول المتخاصمة يهرّبون أموالهم الى المصارف نفسها في الجنات الضريبية. طبقة واحدة. يتفقون ضد الناس ويختلفون على بعض المكاسب الفردية. يرتحلون حول العالم بطائرات من نوع واحد وتصميم داخلي متشابه. اينما حلوا ينزلون في فنادق متشابهة ويتناولون طعاماً واحداً. الطبقة العليا التي تشكّل أقل من 1% من السكان متجانسة في أسلوب المعيشة والمصالح والرؤى. ماذا يمنع أن تكون خلافاتها حول السلطة كذلك كي تحكم العالم؟ وماذا يمنع أن تكون التزاماتها وانتماءاتها أقرب الى الطبقة العالمية العليا مما هي الى شعوبها وفقراء شعوبها؟ وماذا يمنع أن تكون سياسات العالم هي من أجل الاقتتال بين الشعوب في حين تنعم الطبقة العليا بما عندها؟ يتنافس حكام العالم في الفساد والإفساد. الفرق بين المجتمعات هو الفرق بين حكام فاسدين يعملون شيئاً للناس (بنى اقتصادييه، بنى تحتية، صناعات، تجارات، الخ…)، وحكام فاسدين لا يعملون شيئاً للناس. نحسب أن هذا المجتمع متقدم وأن ذاك مجتمع متأخر. نجتهد كي نجد الأسباب التاريخية وكيف تطورت المجتمعات لتصل الى هذا التقدم وذاك التأخر. ونحسب أن لدى بعض الشعوب ميلا، بسبب جوهرها وجيناتها، الى التقدم أو التأخر. لا ندري أو لا نريد أن ندري أن التقدم أو التأخر عرضُ يصيب الناس ويزول عنهم بالسياسة؛ تقدّم شعوب وتأخّر أخرى رهن بنوع فساد الطبقة الحاكمة هنا وهناك. شكل الفساد هو الذي يقرر مسار المجتمع والدولة وليس غيابه أو وجوده. الفساد لا يغيب. كل من التقدم والتأخر نوع من أنواع الفساد. الفرق بينهما هو الوقع على الناس. الفرق الزمني بين التأخر والتقدم بضع سنوات. بلدان عديدة (ماليزيا، وكوريا، وتايلاند، والصين، واليابان، الخ…) اجتازت المسافة بين التأخر والتقدم في ما يزيد عن عقد من السنين بقليل. تقسيم العمل الدولي هو الذي يفترض (وربما يفرض) أن يكون هذا البلد أو المجتمع متأخراً أو متقدماً، ومتخصصاً بهذا الإنتاج والاستهلاك أو ذاك. عالم اليوم المعولم هو أشبه بامبراطوريات الماضي. مهمة الدولة فيه تشبه الاقطاعات التي مهمتها مصادرة الضرائب كي يموّل الحاكم بلاطه وحروبه. الحرب مهمة أساسية. بالنصر الخارجي يفرض الحاكم هيبته على شعبه. الأمر معكوس، كما كل شيء عندنا نحن العرب. بالهزيمة يفرض الحاكم هيبته. يكفي أن ينتصر الأخ الأكبر في مكان آخر في العالم، كي يثبّت دعائمه عندنا وينتصر له الحزب الحاكم أو العائلة الحاكمة. لدى الحزب ـ العائلة الحاكمة في كل بلد برنامج مشابه متمثّل في جشع العائلة والحاشية. هذا لديه عقيدة من نوع ما (ربما تُسمى اشتراكية، ليبرالية، أو أي شيء آخر). وهذا لديه عقيدة آخرى مشابهة (دينية، إثنية، أو ما يشبه). الطائفية حزب، والحزب طائفة. العصبية العمياء هي التي تتحكم بالأفئدة والعقول لدى الجميع. في جميع الأحوال، عندنا يتعصّب الواحد، أو يُجبر على التعصّب، لفريق برفع عقائد وشعارات لا يفهمها. الغباء سيد الموقف. الغباء مفروض. هو تعطيل العقل والتفكير والشك والبحث والتمحيص. لدى كل بشري إمكانية دماغية تتجاوز 90% من الإمكانات التي تستخدم. الجزء المستخدم من العقل مجيّر لهذا الحاكم أو ذاك. صادرته العصبية العمياء. هذه نسميها أحياناً الهوية. أنا ما أنا، أنا على ما أنا عليه، لأنني يجب أن أكون على ما أنا عليه. أنا أكون كما يجب أن أكون لأنّ الحاكم يفترض ذلك ويفرضه. تقسيم العمل الدولي قائم على هذا الأساس. أهم صادراتنا هو التخلّف. أهم وارداتنا هو الاستهلاك الذي ننفقه من دون أن نعرفه ومن دون أن ننتجه. هبة العائلة الحاكمة نفط من الله. هبة الحزب (التقدمي الاشتراكي الحاكم) من ربي. ألهة سماوية وألهة أرضية تتبادل منافع تقسيم العمل.

الوطن العربي قائم في جنوب المتوسط، ويمتدّ الى المحيط الهندي. أرض قاحلة وعقول كالحة. ممنوع إعادة تجربة الميدان. ممنوع إسقاط النظام. الدين السياسي والشريعة، وحاكمنا حتى الأبد، يتصارعون بالنيابة عن غيرهم من الدول الإقليمية والدولية. هذه تخوض حرباً عالمية عندنا. يجتمعون لتقرير مصير المنطقة في غياب حكام المنطقة. ليس مطلوبا أن يوجدوا. لا لزوم لهم. يكاد الحاكم العربي لا يستطيع حمل القلم للتوقيع. ليس المطلوب من أي حاكم عربي إلا التوقيع. فليبق شبحاً. هذا هو المطلوب. لسان حالهم برز، تبرّز. برز يعني ظهر. تبرّز يعني اختفى في المرحاض. لغة الأضداد تجيز هذا الاستخدام للتعبير عن حالة حقيقية.

لا نعتقد أننا ننتخب رؤسائنا ونوابنا. يؤتى بهم إلينا. يختارهم ولاة أمر العالم من بين الأنسب لهم من أهل البلاد. يُنتقى الأقل إزعاجاً حتى لو كان مُقعداً لا يستطيع تحريك أعضائه المادية والفكرية. هذا هو عنوان ديمقراطيتنا. حكامنا لا يمثلوننا بل يمثلون سادتهم. نحن جزء من نظام عالمي. نحاول أن نتجاوز أنفسنا، نحاول أن ننخرط في العالم. نحاول أن نتعلم، نحاول التخلص من دين سياسي يجثم فوق صدورنا. مكتوب لنا أن نبقى كما نحن، كما يراد لنا أن نكون. مهاجرونا مصدر الإرهاب والجهاديين والمهجرين. من لم يأت من بلادنا يعبر منها. يجب إعادة خلق وترتيب هذه البلاد. مساحتها تحتل جنوب المتوسط. تشكل خطراً كبيراً على أوروبا وعلى الغرب عامة. تستفيق كل ذكريات الصراعات في المنطقة. تستعاد ذكريات الصليبيات بأشكال أخرى وحديثة. مطالب المنطقة تشكل خطراً على أوروبا (الجزء الشمالي من المتوسط) والغرب. انتهى التاريخ كما زعم البعض، وتصاعدت الديمقراطية في العالم، إلا في هذه المنطقة. قامت المنطقة بثورة 2011 فإذا بوادر الدين السياسي من جديد. انتخب الأخوان المسلمون. لا بدّ من تغييرات جذرية. شعب المنطقة مزعج. تثير الإزعاج كل يوم بواخر المهاجرين. لم يقل لنا أحد من يملك هذه البواخر ويموّل إداراتها. أم أن الأثار النفسية في أوروبا هي المطلوب إخراجها لتتصاعد الفاشية والشعبوية؟ جهادية ضد جهادية. جهادية أوروبا منظمة في دول قوية منظمة العتاد والعديد. جهادية جنوب المتوسط لا تنظيم لها إلا بدائياً. التمويل سهل. يأتي من أي مصدر يريد إقحام نفسه في صراع المنطقة.

تريد منطقتنا الخروج الى العالم والانخراط فيه حاملة دينها السياسي، ولا تدرك أنها تريد الانخراط في عالم تخلى عن دينه، أو بالأحرى، دفع دينه الى هامش الحياة السياسية، وقد نظل طويلاً للوصول الى ذلك عبر مئات السنين. نريد أن نتعرّف على العالم بعقل مغلق. نحسب الاندماج في السوق الأوروبية أو الشراكة معها يتم بعقل مغلق. ما زالت لدينا شعارات “الحل هو الإسلام” وما شابه ذلك، فلماذا الاندماج في الاتحاد الأوروبي؟ لدينا الحل في الدين. هنيئاً لنا به. الحل يعني أن الأمور على ما يرام ولا يلزمنا الغير ولا نحتاج الى العالم. ننفخ صدورنا غطرسة ونذهب إليهم. غطرسة كانت من جملة العوامل التي أدت الى بروز الفاشية عندهم. نحن مشروع مشكل لنا ولهم. سكان شمال المتوسط منتظمون في دول؛ دولنا أقل من أن تكون دولاً. هي مواجهة بين دول بما تملكه من جيوش واقتصادات ومجتمعات منتظمة في مواجهة مجتمعات من دون دول، واقتصادات غير منتظمة؛ مجتمعات لم يعد لها غير النفط، الهبة السماوية، والصحراء المفتعلة المصطنعة. أنهارنا الكبرى، النيل ودجلة والفرات مهددة. زراعتنا البعلية مهددة بفعل التأخر التقني والتنظيمي والسياسي. أراضينا تتحوّل الى صحراء، وهي لم تكن كذلك عبر التاريخ. كانت تاريخياً مراكز للحضارة. هي الآن نفايات التاريخ. لم يبق لدينا إلا الاستكبار بالتاريخ وأمجاد الماضي.

ليس الاختلاف عن الغرب عقدتنا أو معضلتنا، بل هو الاعتداد بأنفسنا، وكأننا جزء من هذا العالم. الدار الذي يسكنه العالم نحن في فنائه الخلفي: مرمى النفايات، كما توقع أحدهم منذ أكثر من أربعين عاماً.

ما يوحد العالم هو اختلاف أجزائه. الاختلاف نسبي والوحدة مطلقة. لا تختلف في عناصرها المضمونية بل في تركيب هذه العناصر. هل كان يمكن الترجمة من لغة الى لغة، أي من ثقافة الى ثقافة، لو لم يكن المضمون واحداً في عناصره؟ أمام وحدة البشرية يصرّ الدين السياسي وأصحاب شعار تطبيق الشريعة على جعلها أساس الدستور. يصرون على الاختلاف. هو إصرار على عزل أنفسنا عن العالم. الإصرار على ما هو مختلف يتجاوز مسألة الاختلاف الى فرض العزلة على أنفسنا بأن ندعي أننا غير العالم، وأن ما نملكه من أمجاد وتراث هو غير ما يملكه بقية العالم، وهذا ما يجعلنا غير العالم. الدستور في كل العالم وضعي. يضعه البشر. يصوغونه حسب حاجاتهم؛ أما نحن فإننا نصر على أن يكون الدستور ملبياً لمتطلبات غير حاجاتنا وواقعنا. نصر على جعل الدستور أو ما يقرر سلوك الناس ذا مصدر خارجي. إقرار بالهزيمة سلفاً أمام الواقع، أما واقعنا، علماً بأننا لو اتفقنا حول شعار تطبيق الشريعة، وفي حال الاختلاف سيكون الدستور وضعياً، والقانون وضعياً، إذ سيكون معبراً عن وجهة نظر أحد الأطراف في تفسير الوعي. الأمر ينطبق على أتباع جميع المذاهب بما في ذلك السنة والشيعة.

وضعنا أنفسنا خارج العالم لأننا وضعنا أنفسنا في غير خدمة أنفسنا. كرّسنا مجتمعنا للمقدس. والمقدس لا يعنيه أمرنا. هذا يقودنا الى حتمية الاستبداد في العدد المقبل.

تنشر بالتنسيق مع مدونة الفضل شلق

 

الردود: 1
  • جمال البرغوثي من بير زيت
    03/09/2018

    هذا تعليقي على مقال الأخ الفضل شلق…. والنظام العالمي:
    قبل أن أفتح فمي بكلمة أرجو من الكاتب والقارئ ألاّ يسارعا في تصنيفي علماني أو متدين أو قومجي أو إخونجي أو يساري أو ماركسي لينيني إلى آخر أطياف قوس قزح الفكري فأنا خليط من كل هذا وذاك حسب “خصوصيتي” من بيئة إلى الجينات إلى مقاعد الدراسة إلى موارد الرزق فاضت أو نضبت… كلها دخلت في “عجنة” إنسانيتي. فعندما أقتبس من القرآن لا يعني أنني على وضوء أو جالس على سجادة الصلاة ومسبحتي “نازلة طقطقة” ولا اقتباسي من لينين يعني أنني للتو دفعت “البريزة” للعضوية…. موضوعيتي هي ضالتي المنشودة لي وعليّ.
    “ما يجمع البشر أكثر مما يفرقهم…..” و “ليس أدل على وحدة البشرية من تنوعها؛ تتنوّع في التفاصيل؛ تفاصيل العيش؛ أما أساسيات العيش فهي واحدة.”
    “ما يوحد العالم هو اختلاف أجزائه. الاختلاف نسبي والوحدة مطلقة. لا تختلف في عناصرها المضمونية بل في تركيب هذه العناصر. هل كان يمكن الترجمة من لغة الى لغة، أي من ثقافة الى ثقافة، لو لم يكن المضمون واحداً في عناصره؟ أمام وحدة البشرية يصرّ الدين السياسي وأصحاب شعار تطبيق الشريعة على جعلها أساس الدستور. يصرون على الاختلاف.”
    أعتقد أن الجانب الميتافزيقي للدين لا يزيد عن جزء من سبعين جزء للدين ولكننا للأسف علماء ومثقفون نتلقف هذا الجزء ونجعله الطاغي على كل ما سواه فيخرج النقاش عن جادة الصواب وتتفرق بنا السبل لأننا نفقد القصد من النقاش ونقطة النقاش المحورية.
    “وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا…. إن أكرمكم عند الله أتقاكم” …. “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين”…. “وأن ليس للأنسان إلا ما سعى…” “وكلهم آتيه يوم القيامة فردا…” “فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا…” كل هذه الآيات الكريمة تؤكد على ما كتب الأخ الفضل ولا خلاف فيه. ألأصل في الرسالة المحمدية منذ أول يوم وهو يسرّها في قلبه ومع الأقربين كان الأصل هذا “ألحرية” التامة من الخوف ومن السلطة ومن الأستبداد وسيقوم على هذا الأمر “حتى يسير الراكب من صنعاء الى حضرموت لا يخاف إلا الله….”
    وقد جاهد محمد لتقنين كل أمور الحياة من تجارة وزواج وطلاق وعدالة اجتماعية ومساواة في الحقوق والواجبات….. فإذا تلقف الرسالة بعده أناس همّهم “تبويس” القنادر وتقصير الثوب وتطويل اللحية فليست المشكلة في الأسلام… مثلما لم تكن المشكلة في اللينينية عندما احتكرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في كل أقطار الأتحاد السوفياتي كل ما لذ وطاب إن كان مطعما أو مسكنا أو منكحا …. أولاد آخر سلاطين الكرملين كانوا مثل “أولاد الأمراء” أو أكثر بذخا وهمالة. جورباتشوف في كتابه “بيريسترويكا” طال عويله من كثرة ما رأى من تقارير كاذبة من المدراء والمسؤولين وفساد في الإنتاج والتوزيع والأستبداد العميق ناهيك عن مجازر “ألأخ الكبير يوسف ستالين”. أمن أجل هذا قامت الثورة البلشفية؟
    وحتى لا نأسى على لينين ورسالته البلشفية فقط …. فلنذكر هنا مبادئ توماس جفرسون في وثيقة إعلان الأستقلال وما هو منقوش على نصبه التذكاري في واشنطن:”لقد أقسمت أمام الله أن أحمل عداءً أبديا ضد كل شكل من أشكال الأستبداد والطغيان ضد العقل الأنساني!”
    فأين هذا من الحاضر الذي تسيطر فيه أموال بضعة أفراد على صناعة وغسل مخ كل أمريكي (والعالم) ؟ ناهيك عن ال 1% الذين يملكون ال 90% من أمريكا… وأين الدولة التي تقوم على مبدأ أبراهام لنكولن ” حكومة الشعب من الشعب لأجل الشعب؟” عندما وصلت الى ما عليه الآن من احتكار البنوك وأصحاب المال والنفوذ لكل قرار يمس العالم أو يكاد ولا يمضي عقد منذ الحرب العالمية الثانية حتى الآن إلا والبسطار الأمريكي على رقاب شعب بائس لا يطلب إلا ما طالب به “الآباء المؤسسون” للدولة ألأمريكية…. مما يزيد عن المائة تدخل فعلي “عالأرض بالبسطار” حسب ما كتب غور فيدال.
    “الوطن العربي قائم في جنوب المتوسط، ويمتدّ الى المحيط الهندي. أرض قاحلة وعقول كالحة. ممنوع إعادة تجربة الميدان. ممنوع إسقاط النظام. الدين السياسي والشريعة، وحاكمنا حتى الأبد.”
    يا أخي الكريم: أين هو نظام الدين السياسي والشريعة القائمة التي تنادي بإسقاطها؟ أين هذا النظام الذي نعلق عليه ضياع كل شيئ من حريات إلى أوطان ومن استبداد وطغيان إلى الفساد والمفسدين وتخريب المؤسسات التعليمية والقانونية والطبية والأقتصادية والأخلاقية حتى المساجد يا زلمي تم تخريبها عندما جعلوها مؤسسات حكومية وأصبح المؤهل الأسمى لأمامة الحرم هذا وذاك أو دار الأفتاء في مصر أو في فلسطين هو أن يكون الإمام حمارا لنقل وحمل رسالة الحاكم وتسويقها للمسحوقين وتهديدهم بالأفعى “ألأرقط” منذ دخول القبر إلى الأستقرار في سقر إذا “طلع” عن خط الحاكم. أكان هذا بسبب نظامإسلامي كرّس الشريعة الأسلامية؟ لو كان ذلك لرجع الرئيس ترمب بخفّ من خفيه بدل طائرة بنصف ترليون دولار من أموال العرب والمسلمين… ونام ممولوه بدون غطاء في الربع الخالي. ألم يصرخ عبد الرحمن الكواكبي ضدهذا الأستبداد باسم الدين؟ أين لنا من كواكبي جديد على هذا الكوكب ولو على شرحة جنوب المتوسط؟
    “انتهى التاريخ كما زعم البعض، وتصاعدت الديمقراطية في العالم، إلا في هذه المنطقة. قامت المنطقة بثورة 2011 فإذا بوادر الدين السياسي من جديد. انتخب الأخوان المسلمون.”
    “كمان مرة؟” لو قلت هذا بعد مائة سنة مثلا لمسحناها بهاللحية وخلصنا! لكن كنا نحن حاضرين المولد ونعرف أن حكم الأخوان مات في السرير ولم يصل للحضانة…. هذا لا يبرر شيئ فالجماعة بالغوا في غباءهم إلى ما بعد الحمق ولكنهم لم يبرهنوا على استبدادهم أو خيانتهم ولا اغتصبوا السلطة بقدر تفريطهم في ثقة الشعب الذي منحهم الفرصة. كم مرة وصل الديمقراطيون للسلطة وأخذها الجمهوريون منهم بعد اربع أو ثماني سنوات…. وكذلك الحزب المسيحي الديمقراطي ومنافسوه في ألمانيا ودول أوروبية أخرى حتى اكتسبت الأحزاب كلها خبرة السياسة وإدارة المؤسسات وطعم النجاح وطعم الفشل….؟
    “لدينا الحل في الدين. هنيئاً لنا به. الحل يعني أن الأمور على ما يرام ولا يلزمنا الغير ولا نحتاج الى العالم”
    “وضعنا أنفسنا خارج العالم لأننا وضعنا أنفسنا في غير خدمة أنفسنا. كرّسنا مجتمعنا للمقدس. والمقدس لا يعنيه أمرنا. هذا يقودنا الى حتمية الاستبداد.”
    ” يعني مش قادر تغيّر النّفَس …جرّب ألأسكيدنبا بدل التفاح…” وكأن الرسالة المحمديّة هي أساس البلاء وكأنها هي وأصحابها هم حكّامنا وليس المفسدون الفاسدون اللصوص لكل ما خف وزنه وغلا ثمنه. أي مقدس وأي غراب البين الذي كرسنا أنفسنا ومجتمعنا له؟ إللي بسمع بقول أن المنطقة جنوب المتوسط حتى تصل أطراف الصحراء الكبرى ما هي إلا مسجد وساحات تموج كما كانت ساحات أثينا بالفلسفة والفلاسفة والأفكار والجدل بالمنطق بين مدارس فكرية وآراء تقارع الحجة بالحجة وأن المسؤول عن بيت مال المسلمين قد تم اعتقاله لأنه أعطى من لا يستحق من ذويه “كيس طحين زيادة…!”
    والله لا ينشرح صدري (ولا صدرك) ولا تمتلئ رئتاي بالأوكسجين إلا بعد إعلان قبطان الطائرة أننا على ارتفاع يسمح لنا بفك الأحزمة…. ولا تنقبض وينحسر تدفق الأوكسجين إلا عندما يقول أننا بدأنا بالهبوط في مطار قمعستان جنوب المتوسط أو شرقه.
    وخلاصة الحديث : أنا أدّعي ان الحل يكمن في بناءالمعطل والخربان من المؤسسات وإقامة القانون على العربي والأعجمي والكبير والصغير والمؤمن وغير المؤمن والمدخّن وغير المدخّن والعالم والجاهل والفحل والمخصي بالعدل والمساواة حتى لو ان القانون كتبه شمبانزي متفق عليه. وهذا لا يحتاج لأيديولوجيات ولا عقائد ولا ميتافيزيقا! دعونا “نشحد” من النرويج أو الدنمارك أوكوريا الجنوبية قوانينهم و”نفصلها على قياسنا” ونحضر من هؤلاء من يعيننا ويرشدنا في عملية التطبيق ونقلنا من التخلف الى التقدم ومن الظلم الى دولة القانون. “شو فيها؟” ألم ننسخ من كل مكان أسوأ ما فيه؟ فلماذا يعز علينا أن ننسخ بعض ما هو جميل من عندهم؟
    لكل فرد الحق أن يعبد ربه كما يراه ويصلي أينما أراد ويصوم ويفطر كما تملي عليه عقيدته فهذه أمور بينه وبين ربه لا تضر ولا تنفع إلاهو ذاته…. أما ما يتعلق بينه وبين الناس والشجر والحجر فهذا أمر الناس تحكمه قوانين وضعية شرعية دينية علمانية لا تفرق بينه وبين أي إنسان آخر…. لكل حقه وعليه واجباته….
    هذا السبيل الوحيد لبناء وطن… بخلق إنسان محترم أولا. هذا الأنسان سيدافع عن وطن أعطاه ما يستحق وكرّم إنسانيته! فحتى لو بلغنا البليون نسمة فلن نبلغ الكتلة الحرجة لبناء وطن محترم ومنيع…. كما لو أردنا بناء “برج خليفة” وكل طابوقة فيه مكسورة.
    لماذا لم تجد الشيوعية من يبكيها عندما انهار الأتحاد السوفياتي؟ سبعون عاما ولم تجد خدّا يُلطم حزنا على فراقها ولا جيبا يُشقّ على خسارتها؟ ألأنسان المقهور المكتوم النفس المحروم من العدل والمساواة ليس إنسانا كاملا ولا مؤمنا كاملا.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *