Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

الديمقراطية (2)

في الديمقراطية شعب أفراده تخاف منهم السلطة، تخاف منهم الطبقة السياسية، تخاف منهم الاجهزة الامنية والبيروقراطية، وتخاف منهم النخبة الثقافية وكل النخب الاخرى. في الديمقراطية شعب تتشكل من افراده الدولة. الدولة اطار ناظم للمجتمع. ليست جهازاً غريباً يجثم فوق صدر الناس. في الديمقراطية شعب هو مصدر السلطة، ومن يمارس السلطة لا يفعل ذلك بالوكالة وحسب. ليست الولاية مطلقة كما في انظمة الاستبداد. من يمارس السلطة مكلف بذلك، ويعيش في قلق دائم خوفاً من انتزاعها منه. في الديمقراطية لا تنتزع السلطة بانقلاب عسكري بل بالانتخابات. الانتخابات في الديمقراطية ليست نظاماً لعدّ الاصوات وحسب، الانتخابات الديمقراطية هي نظام لحساب آراء الناس والتقيد بها. هي الرأي العام، هيبته في المجال العام، في الحوار والنقاش العلنيين. والسياسة هي فن التسويات المعلنة، التسويات الارغامية او الاضطرارية، بل التسويات من أجل مصلحة الجميع، ولا مصلحة فوق المجتمع. المصلحة في الديمقراطية ليست كياناً ميتافيزيقياً، ولا حتى تعبيراً عن مكاسب آنية لهذا الفريق او ذاك؛ المصلحة هي المجتمع كما يريد ان يكون. عندما تكون للمجتمع ارادة، تكون قرارات السلطة مأخوذة بالرجوع الى السياسة في المجال العام، تكون السياسة هي المجتمع والمجتمع هو السياسة.

في الديمقراطية ينتهي عهد الميتافيزيقيا. الشعب ليس مقولة. الامة ليست مقولة. المجتمع هو الناس في حياتهم اليومية وحاجاتهم الآنية أوطويلة الأمد. الديمقراطية ليست نظاماً انتخابياً وحسب، هي نظام المجتمع الحر المفتوح الذي تعلو ارادته على قرارات السلطة. شعب تتشكل منه الدولة التي تحيل نفسها الى اداة للمجتمع. في الديمقراطية يقول المواطن عن الدولة “نحن” ولا يقول “هم”. الدولة متجسدة في المجتمع، والشعب سيد في الدولة.

في الديمقراطية المجتمع ليس موضوعاً للسخرية؛ هو موضوع للقداسة. لا احد غيره يستحق القداسة؛ لا بواسطة الزعامة السياسية او الثروة المالية او الصفة الدينية. كل فرد في المجتمع يتعرض للسخرية، وربما استحقها. لكن المجتمع برمته هو المقدس الوحيد؛ قداسته تعلو على كل القداسات الاخرى. خلقه الله على صورته، ولم يعن بذلك انه خلق هذا الفرد او الزعيم او القائد على صورته. خلق الانسان على صورته. الانسان يعلو ولا يعلى عليه.

ليس الناس متساوين في المؤهلات. لكنهم متساوون في الحقوق والواجبات، او ما يسمى العدالة في ان تكون الفرص متساوية للجميع. الفرص هنا لا تعني اقتناص المغانم بل الحرية المدنية حيث الناس يعودون الى اصولهم في التعاون. ليس في الديمقراطية مقايضة بين الحقوق السياسية والحقوق المالية او الدينية. كل الحقوق للمجتمع، لأفراد المجتمع الذين يتشاركون فيها. حق الملكية الخاصة تضمنه سلطة الدولة، ويكفله المجتمع. تسيء الراسمالية توزيع الثروة، فهي تتناقض حتماً مع الديمقراطية. تستغل الراسمالية قوتها المالية في سبيل مزيد من التراكم المالي الذي يتناقض بطبيعته مع التراكم السياسي. تكره الراسمالية التسويات، السياسة تفترضها، وهناك صراع دائم بينهما: بين السياسة وسلطة المال.

طبيعة الانسان شيوعية. منذ ما قبل التاريخ يعيش الانسان في مجتمعات، تجمعات، قبائل، او اسماء أخرى. ارقى اشكال التجمع البشري هو الدولة، الدولة لا النظام. الدولة تنتمي الى الاشكال الاولى في الاجتماع والتشارك. النظام ينتمي الى التراتبية الاجتماعية، الى الطبقية التي ميزت بين الحقوق والحقوق، وبين الواجبات والواجبات. جعلت لأكثرية الناس واجبات ولأقلية الناس حقوق. حقوق الطبقات العليا دين على الطبقات الدنيا وواجب عليها. استعانوا بالدين لجعل الطبقة العليا تستوفي الدين (الفائض الاقتصادي ـ الاجتماعي، فائض الانتاج) بالنيابة عن الديّان. جعلوا الله يتخلى عن صورته في الانسان ليأخذ صورة اخرى اعارته اياها الطبقات.

نزّهت الطبقات العليا (على لسان العلماء والمشايخ ورجال الدين الاخرين) عن امكانية ان يعرف البشر الله. جعلوه معدوم الصفات كي يكون مطلقاً. وضعوه في خزانة معرفتهم؛ احتكروه. هم وحدهم الذين يخولون انفسهم التحدث باسم الله. اذا كانوا يتحدثون باسمه فهم يعرفونه. ما يعرفونه عن الله ممنوع على الطبقات الدنيا. هم وحدهم يؤدّون هذه المعرفة الى الناس. عملية تدجين تاريخية طويلة المدى.

الديمقراطية ليست الشعب. بالتأكيد ليست الشعب المتحول الى مقولة. المقولة يمكن السيطرة عليها واحتواؤها. الديمقراطية فوضوية الى درجة كبيرة، فوضوية تنتظم تلقائياً، وليست عرضة للاحتواء او المصادرة او الاحتكار. ليست حالة؛ هي تحوّل دائم الانفجار. في الديمقراطية-الحالة يمكنك ان تجري الانتخابات او لا تجريها؛ ويبقى تمثيل الشعب هو الحالة. في الديمقراطية ـ التحول يجب ان تجري الانتخابات كل يوم، لأن الشعب حالة متحوّلة. استطلاعات الرأي التي يجرونها في البلدان الديمقراطية، اعتماداً على عينات مختارة ومنتقاة او غير ذلك، ليست هي الانتخابات الديمقاطية؛ وليست الديمقراطية استطلاعات رأي بقدر ما هي ممارسة للحرية. ليست الديمقراطية استطلاع الرأي، بل هي الرأي العام؛ الرأي المدلى به في ساحة عامة ونقاش مفتوح ومجتمع على استعداد لتلقّي النقد، نقد أعز ما يملكه من الدين او التاريخ او التراث او الامجاد او البطولات او الانفس. عندما يجود المجتمع بنفسه على مذبح النقد والشك والتجريح يصير مجتمعاً ديمقراطياً، متحولاً، متجاوزاً لنفسه. يبطل كونه حالة، يصير متحولاً، يصير حراً. يحتفل بكل عيد ليس لاستعادة ما مضى بل ”لأمر فيه تجديد“؛ ربما أمر جديد لم يقصده صاحبه المتنبي. لا معنى للعيد اذا لم يكن لأمر مقصود. لا معنى لانفسنا اذا كررنا انفسنا. لا معنى لنا اذا بقينا في مستنقع راكد. بالاذن من الضفادع.

الديمقراطية هي الرأي العام الذي لا تحتال الطبقات العليا عليه. يكون ذلك في مجتمع مفتوح ومن خلال حوار صريح. الديمقراطية تضع حداً للكذب والنفاق والوعود الكاذبة. كل من لا يفي بوعوده من الطبقة الحاكمة يستبعد، ان لم يحاكم. الوعود المبالغ فيها تعتبر جريمة او هبلا. الاولى تستحق العقاب. الثانية تستحق الاستبعاد. لا يحاكم مواطن على رأي ابداه، بل يحاكم سياسي على وعود كاذبة، او وعود لم يستطع تحقيقها، او لأمر آخر. الميزان في الديمقراطية هو الرأي العام لا استطلاعات الرأي. صحيح ان الرأي العام يدلي بصوته كل 4 أو 5 أو 6 سنوات، لكن العملية السياسية لا تتوقف. المجتمع لا يتوقف والحوار لا يتوقف. السياسة عمل يومي. مهمة السياسة الاساسية ليست المنافسة على السلطة بقدر ما هي ادارة لشؤون المجتمع؛ ادارة الموارد وتوزيعها. ليس هناك اقتصاد بحت ولا سياسة بحتة، هناك اقتصاد سياسي. الاقتصاد البحت هو للراسماليين، والسياسة البحتة هي لطبقة الحكم؛ الاثنان يعبر الواحد منهما عن الآخر. ليس هناك سياسي لا “رأي” له في الاقتصاد، الاقتصاد ليس مسألة تقنية تترك للبيروقراطية والخبراء. هؤلاء يضعون سياسات للقطاعات، لكن انطلاقاً من سياسة عامة تضعها الدولة والنظام.

بالديمقراطية يتماسك المجتمع مهما كانت الانقسامات العمودية الطائفية او الافقية الطبقية مثلاً. يعتني بموارده الطبيعية وبقواه العاملة. الجميع لهم حقوق في المجتمع والدولة وفي الفكر والثقافة ، حقوقهم كانت ديناً عليهم يقتطع منهم، تصير حقوقهم واجباً على الطبقات العليا تجاههم. لا تمنح الطبقات الدنيا حقوقاً بل تستردها. ثروة الطبقات العليا هي في معظمها مصادرة لنتاج عمل الطبقات الدنيا. ما لهم (للطبقات العليا) ليس لهم، هو مصادرة لمن انتج هذه الثروات. الديمقراطية تسمح باعادة التوزيع، عن طريق الضرائب التصاعدية وغيرها لاستعادة الحقوق من أجل العدالة.

الديمقراطية ليست حكم الشعب. غالباً ما يتحدث اسياد السلطة عن الشعب وبالنيابة عنه. الشعب الذي يتحدثون عنه غير موجود. هو فقط مقولة في رؤوسهم. ما يوجد بالنسبة لهم هو الارقام الانتخابية. الشعب الحقيقي هو الذي يشارك كل فرد منه في المجتمع وفي السلطة وفي الدولة. هو الذي تتكون منه الدولة. وهو الغائب عن الدولة. لا يوجد الشعب من دون ارادة ورأي عام، وساحة عامة مفتوحة للنقاش. لا يوجد الشعب ان لم يشارك في السلطة، في جعل القرار مهيأ كي تأخذه السلطة. السلطة الشرعية التي تتمتع برضا الناس تصير دولة. الدولة اطار ناظم للمجتمع. تخلق الدولة من فوضى المجتمع، من تعدد الاراء وتضاربها، سياقاً عاماً يقود الى القرارات والسياقات والسياسات. على النظام ان يوفّق بين ” فوضى” المجتمع وانتظام الدولة كي يصير الحكم بالقانون والدستور ممكناً. لا بد من الفوضوية كي تبقى السلطة على حذرها من الشطط ومخالفة رأي المجتمع، ولا بد من الانتظام كي يكون للمجتمع سياق وانضباط من نوع ما.

الفوضوية للمجتمع والانتظام للدولة. تناقض لا بد من حلّه. الحل لا يكون الا بالسياسة. انتظام الدولة يمكن ان يصبح انتظام السلطة او النظام. يتحول التعاون في اطار الدولة الى تسلط في اطار النظام. يتحول التعاون البشري الى تسلط طبقي مغلف بالاجهزة الاستخباراتية والبيروقراطية والدبلوماسية. لا بد من فوضوية ما، لا بد من خروج المجتمع على القانون. من دون هذا الخروج لا يصير المجتمع شعباً. الدولة في مواجهة النظام. المجتمع في مواجهة الشعب. لا نفهم الدولة الا على اساس المجتمع، اما الشعب فهو المجتمع المتذرر الى أفراد، هو المجتمع المتلاشي الذي يتحول الى شعب. الشعب لا يمكن ان يتكون الا من افراد. الشعب فعل الحاضر. المجتمع يتكون من طوائف واتنيات ومقولات وذاكرة تاريخية. المجتمع يمكنه ان يتسلط ليصير ديكتاتوراً طاغية، حاكماً بأمره. لا يمكن للشعب ان يتسلط. يتسلط الشعب بأن يحكم نفسه بنفسه، وذلك منتهى الحرية، الحرية المطلقة. الشعب افراد، والمجتمع جماعات. المجتمع لا ضمير له، هو من دون اخلاق. الشعب هو مجموع الافراد اصحاب الضمير. وهل يمكن ان يقبع الضمير الا في الفرد. المجتمع نفي للاخلاق، عليك ان تتقيد بالذات، وهو اجتماعي. الفرد موضع القيم، موقع الضمير، موقع الارادة الحرة. المجتمع المتكون من جماعة (مجتمعات، طوائف) هو مجتمع حرب اهلية، حيث كل من فيها فاقد الاخلاق وعبد للنفاق. لا يتحرر المجتمع الا بتحرّر افراده. عندما يتحول المجتمع الى جماعة متكونة من افراد يصير حراً متحرراً بالتعريف، بل بالطبيعة.

تنشر بالتزامن مع موقع روسيا الآن

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *