Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

التركة الأمريكية في الشرق الأوسط.. لمن؟

في وقت واحد، جيش صغير من الخبراء والدبلوماسيين الروس يزور دولا عربية في الخليج مدعوا وجيش صغير من العسكريين الأتراك يدخل أقصى شمال شرقي سوريا غازيا. أن تقع الزيارة الروسية في وقت تتوغل فيه القوات التركية في الأراضي العربية فهذه صدفة لا تتكرر كثيرا وينصحنا العقلاء الجدد من مواقع نفوذهم في عديد من العواصم العربية ألا نعطي هذه الصدفة أكثر مما تستحق من انشغال البال. في رأيهم، وقد يكونوا على حق، أن الحدثين، الزيارة “التاريخية” للرئيس فلاديمير بوتين لمنطقة الخليج والغزو التركي الذي يقوده الرئيس طيب أردوغان من أنقرة، غير مرتبطين تخطيطا أو تنفيذا. في رأيهم أيضا، أن أحداثا مختلفة من هذا النوع وأنواع أخرى سوف تقع، مرة بالتوازي ومرة بالتقاطع، ولكثرتها، كما يتوقعون، لن تجد من يتوقف عند وقوعها ليحلل أو حتى ليبرر أو يعاتب أو يعتذر.

قابلت في الآونة الأخيرة عددا من هؤلاء العقلاء الجدد ومن العقلاء الأقدم، وقد اتفقوا على الأقل في الآتي من التحليل ومن رؤية أراها ثاقبة. واقع الأمر في الشرق الأوسط يصرخ منبها كافة طبقات الحكم العربية وغير العربية وقادة الفكر وصناع الرأي إلى أن الولايات المتحدة خرجت من الشرق الأوسط. شكك المتشككون عندما كنا نقرأ هذه النية الأمريكية واضحة على مختلف قسمات وجه الرئيس السابق باراك أوباما ثم حين تجسدت سياسة معلنة في تصرفات مساعديه وتسريباتهم ثم في وثائق الدولة الرسمية ومنها خطط الأمن القومي الأمريكي وأجنداته وموازناته. وللمتشككين، وهؤلاء عنيدون في ثقتهم الفائقة بصدق شكوكهم، بعض العذر.
هناك في شارع بنسلفانيا، وبالتحديد في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض رئيس للولايات المتحدة مستعد تماما للتخلي عن التزام بلاده بسياسة أقرت أو بمبدأ استقر أو بعقيدة رسخت مقابل مبالغ نقدية أو صفقات تجارية تعود بنفع عاجل جدا على شعبية الرئيس شخصيا وحظوظه في الانتخابات الرئاسية القادمة. هذا الرئيس فاجأ الدنيا بموقف حين راح يبالغ في تأكيد التزام بلاده بسياسة تفضي إلى سحب قوات أمريكا المسلحة من الشرق الأوسط، ولعله الالتزام الوحيد أو بين التزامات نادرة ورثها عن سلفه ولم ينقضها أو يتنكر لها. راح يبالغ في تأكيد التزامه بأن قرر أن يتزامن الانسحاب العسكري الأمريكي مع الغزو التركي لشمال سوريا رغم التحذيرات التي نبهت إلى خطر العودة الداعشية، ثم عاد وفاجأها، وأقصد هذه الدنيا، بقرار إرسال جنود إلى منطقة الخليج وإن كان صريحا حين أرفق بقراره التأكيد تلو التأكيد بأنه لن يرسل جنديا أمريكيا إلى الخارج إلا بمقابل نقدي. لم ولن يخفي الرئيس ترامب استعداده القبول بسمعة الارتزاق العلني في مسائل التحالفات والعلاقات العسكرية رمزا للدولة الأمريكية الجديدة التي يحلم ويسعى بوضع أسسها.


لست متأكدا من أننا يمكن أن نجتمع على تلخيص واف للحالة الحادة التي يعيشها الشرق الأوسط هذا الصباح في اللوحة التالية، ومع ذلك تعالوا نجرب… أولا: أمريكا راحلة. أو لنكون أقرب إلى الدقة سعيا للتوافق المنشود على صيغة للحالة الراهنة سنقول أمريكا راحلة على وعد أن تعود كلما دعت الحاجة في الخليج إلى عودة رمزية مدفوعة التكلفة كاملا أو عودة عند الحاجة في إسرائيل لظرف طارئ.

ثانيا: وهو الأهم بالنسبة لنا الآن. روسيا تتحرك بتدرج محسوب لمليء فراغ خلفه الرحيل الأمريكي، ولكن ليس كل الفراغ. بعض الفراغ تحاول إيران ملئه رغم مقاومة مارستها بعض دول المنطقة. روسيا تفهمت. تفهمت مقاومة بعض العرب وتفهمت في الوقت نفسه جهود إيران لمليء بعض الفراغ وليس كل الفراغ في بعض المواقع وليس في كل المواقع.

بعض آخر شغلته بالفعل أو تحاول شغله دول ومصالح أخرى. لن تعترف، أو على الأقل لن تجاهر، دول في المنطقة بأنها سمحت لإسرائيل بشغل حيز من فراغ لئيم سربته الولايات المتحدة لتملأه مصالح إسرائيلية قبل الرحيل. هذا الجزء من الواقع تقبله روسيا شرطا من شروط الرضا الصهيوني عن استلام روسيا الجانب الأعظم من التركة الأمريكية في الشرق الأوسط. نعرف أن لإسرائيل عند روسيا البوتينية مكانة خاصة توضحها عبارة نطق بها الرئيس فلاديمير بوتين أثناء حوار أجرته معه قناة روسيا اليوم عشية انطلاق رحلته إلى الخليج. كان الرئيس الروسي يتحدث عن عدد الإسرائيليين الناطقين باللغة الروسية فقال إن سعادته كانت بالغة عندما شاهد إسرائيليين يتبادلون الحديث في المقاهي ومع أولادهم وأحفادهم باللغة الروسية. لعله أراد أن يقول ها هي الروح الروسية، دليل التجربة الروسية “الناجحة” في إقامة مجتمع متعدد الأعراق، ها هي الروح الإمبراطورية لروسيا تتجدد على شواطئ المتوسط الدافئة. بدت ثقته بارزة في أن إسرائيل قد تثبت نفسها في المستقبل امتدادا روسيا في الشرق الأوسط أقوى من كل إثباتاتها منذ نشـأتها على أنها امتداد للغرب في هذه المنطقة. بدت ثقته أيضا واضحة في أن روسيا الجديدة قادرة على أن تدير بكفاءة النزاعات الناشبة باستمرار بين مكونات لوحة الفسيفساء المعروفة باسم الشرق الأوسط.

نلاحظ بالاهتمام المناسب كيف تتعامل روسيا مع الدول الإقليمية في الشرق الأوسط، أقصد غير العربية. هدفنا من الملاحظة التوصل إلى قراءة أقرب ما تكون للواقع توضح لنا الأساليب التي تنوي روسيا انتهاجها خلال المرحلة القادمة من حكم الرئيس بوتين، مرحلة “هيمنتها” في الشرق الأوسط. اعتقد أن روسيا لن تستخدم أسلوبا موحدا يصلح للتعامل مع كافة أنظمة الحكم في دول الجوار غير العربي. يستند هذا الاعتقاد إلى وقائع التاريخ والثقافة السياسية. روسيا، كانت تحكمها تقاليد وقواعد إمبراطورية. بمعنى آخر تجيد روسيا قواعد التعايش مع أعراق متباينة وثقافات بعضها موغل في التقاليد وأخرى غاطسة في شعائر الدين وعشائره وطوائفه، نوع ثالث تعاملت معه روسيا مارس هو نفسه على مدى قرون أصول الحكم الإمبراطوري وعالم بأسراره وتعقيداته. وتبقى تركيا المثال البارز لهذه الحالة الفريدة في نظام الهيمنة الجاري حاليا صُنعه في الشرق الأوسط وفي نيتنا أن نخصص لروسيا مع تركيا حديثا مفصلا ومنفصلا.

تنشر بالتزامن مع جريدة الشروق

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *