Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

الاستقلال والاستبداد والنيوليبرالية

تحالف الدين السياسي والنيوليبرالية والاستبداد

تؤدي النيوليبرالية في زمن تفاقم سلطة المال الى الحكم بالأمر. يؤدي الاستبداد الى حكم الطاغية بالأمر. يؤدي الدين السياسي الى تبرير الحكم بالأمر.

يتمتّع الدين التقليدي بوداعة لا يعرفها الدين السياسي الجديد. هو ليس دين الاطمئنان الى الله والاعتقاد أنه هو وحده الذي يُدين، ويكفّر، ويعاقب، أو يُثيب، هو دين المجتمع الذي يبغي التعايش بجميع أشكاله. مجتمع تعددية. يعتبر البعض أن ذلك رجعية. يسعون الى تبديله بدين جديد يختصر الحياة الى بضعة أحكام مستندة الى نصوص من الحديث واجتهادات فقهاء محدودي الرؤية أكثر من الاستناد الى الكتاب المقدس: الكتاب المؤسس.

تصاعدت النيوليبرالية مع تعاظم سلطة المال وطغيانها على الإنتاج والمنتجين. من يملك المال يملك كل الأشياء الأخرى. يملك الناس بمن فيهم العامة والبورجوازية الوسطى والصغرى والكبرى. البورجوازية المالية غير هؤلاء. أُدخلت في وعي الناس أن الاستثمار هو سبب الاقتصاد، ومصدر معيشة الناس. الاستثمار يقرّر مصير المجتمع والدولة. ايديولوجيا الاستثمار هي ايديولوجيا المال. إنتاج المال أهم من أي إنتاج آخر.

المستثمرون لا يستخدمون أموالهم في المشاريع. هم يودعون أموالهم في مكان ما، شرعي أو غير شرعي. ويلجأون الى المصارف للاستدانة وتمويل المشاريع. وكل ذلك يحدث بالدَيْن، أي الاستلاف من المصارف. الأمر لأصحاب المال أي أصحاب المصارف، لأنهم يستطيعون توجيه الاقتصاد والمجتمع والدولة في أي اتجاه يريدون. أموال البنوك مكوّنة في معظمها من الودائع. وهذه أموال الناس، سواء المودعين الكبار أو المتوسطين أو الصغار. لم يعد المجتمع قادراً على الاستمرار من دون الإيداع في المصارف والسحب منها. المدّخرات تودع في المصارف. وهؤلاء يتحكمون بها. شبكة الدائنين والمستدينين هي كل المجتمع. مركزها المصارف. أزمة المصارف إذا حدثت هي أزمة المجتمع. يصعد هذا القطاع الإنتاجي أو ذاك، أو يهبط، أو يمكن الاستغناء عنه. إلا المصارف، فهي لا يمكن الاستغناء عنها. إذا أصابتها أزمة يصاب المجتمع بالهلع.

في زمن ما بعد الحداثة تطغى الذات على الموضوع. يتوسّع إطار التواصل الاجتماعي. جميعها تتواصل من الذات مع الذات. في جميعها احتقار للحقائق الموضوعية. ما تمثّله الذات بالنسبة للموضوع. ما تمثله إرادة الأفراد بالنسبة للطبيعة، والبيئة، وإحترار المناخ، ألخ… هو ما يمثله المال بالنسبة للإنتاج وقوى الإنتاج. المال سلطة على الإنتاج. ويحاول، أو يتوهّم، أنه سلطة على الطبيعة. يمكن تلخيص ما بعد الحداثة بأنها انتفاخ الذات. بعد أن كانت الذات متواضعة أمام الظروف الموضوعية، والاقتصادية، والبيئية، والطبيعية، في زمن الحداثة. مع انتشار تعبير “الحقيقة الافتراضية” يتوهم الناس أن الواقع حقيقة افتراضية تعتمد على من افترضها، بالأحرى على من أمر بها. مع الحقيقة الافتراضية يشيع تعبير الحقائق البديلة؛ هذه تعني أنه ليس مهماً ما هو الواقع، الأهم هو الواقع الذي نفترضه. يجلس المرء ساعات طويلة أمام التلفزيون أو الهاتف الذكي: كل منهما يبث معلومات، صحيحة أو غير صحيحة. تصير هي الواقع. لا يعرف المرء الواقع إلا من خلالها. تتدفق المعلومات، من حقائق وحقائق بديلة، لتصير هي الواقع أو الواقع البديل. الواقع الذي تريده الذات. تحل التصوّرات مع الوقائع لسبب بسيط، هو أن المرء يضطر الى أن يختار من بين سيل المعلومات ليقرر أياً منها يشكّل الواقع بالنسبة له.

مع الهاتف الثابت يعرف المتكلّم بالضبط مكان الذي يتحدث إليه. مع الهاتف الخليوي لا يعرف مكانه. أول سؤال يبادره به: أين أنت؟ تتدفق الأمكنة. تتدفق الأمكنة إليك على شاشة التلفزيون ومن خلال اللوحة الالكترونية. أنت مركز الكون. تتوهم ذلك. الذي يقبض على مركز هذه التلفزيونات والهواتف الذكية. يقبض عليك. يعرف أين أنت وبماذا تفكر (نسبياً). أنت بعض التدفقات. الأمرة لمن يجلس في الغرفة المركزية، غرفة الكونترول. يبث الى دماغك سيلاً من المعلومات وبالتالي يقرّر ما تفكر به. بالأحرى ما تفكر به يعتمد عليه.

تفكيك النص، بالأحرى تفكيك المعنى، حرفة من حرف ما بعد الحداثة، معنى الدولة، ومعنى الوطن، ومعنى السلطة، ومعنى القومية، ومعنى الإثنية، ومعنى القبيلة، ومعنى الهوية. كيف يتحدد الإنتماء؟ تحت أية شروط يتغيّر الإنتماء؟ لا يمكن الاتفاق على المعاني من دون السياسة. السياسة الحقيقية لا توجد في الساحة العامة، بل يجري تداولها في غرف سرية تكون أقنية الديبلوماسية التي تمارسها الدول. لا دخل للبرلمانات، حيث يجلس ممثلو الشعب إلا في الموافقة أو عدم الموافقة. يستطيعون مناقشة السياسة الخارجية، أما المعاهدات حين تُعقد، فلهم حق الرفض أو القبول، وحسب.

تضخم حجم المال بشكل غير مسبوق. أكثر بألاف المرات من حاجات التجارة الدولية والمحلية. أزمة الرأسمالية العالمية استعصت على الحل في الستينات والسبعينات. صار ضرورياً إعلان الهزيمة في فيتنام (هزيمة في الداخل الأميركي) والتصالح مع الصين (نيكسون وكيسينجر في الصين عام 1972). وتصدير المال الفائض بشكل ديون واستثمارات لدول العالم الثالث. كل ذلك تطلّب الانتقال من عالم يمكن أن تفهمه (الحداثة) الى عالم يبدو فهمه مستحيلاً (ما بعد الحداثة والتفكيك). مع أزمة الديون صار ضرورياُ إطلاق موجة الإثنيات المطالبة بحق تقرير المصير المؤدية الى تفكيك الدول. الشعوب المطالبة بالحرية والمساواة تدخل في حروب أهلية فيما بينها بسبب الإثنيّات. عالم استعصى على الفهم والتحليل. على الأقل الأدوات المفهومية التي بين أيدينا لم تعد صالحة لفهم العالم الجديد. هناك فائض في إنتاج المال. الدول المستدينة ليس مهماً إذا كانت ديمقراطية أو ديكتاتورية. ضربوا عرض الحائط بحقوق الإنسان. تسديد الديون فاق القدرة. إذن أزمة ديون دولية. الأزمة التي حدثت في 2008 هي أزمة ديون محلية. هذا لا يعني أنها لم تكن دولية. ما يُسمى العولمة كان أدخل المصارف الكبرى والشركات الكبرى الى جميع البلدان. بالكاد صرنا نعرف قومية هذا المصرف أو هذه الشركة. بعضها وضع المكتب الرئيسي خارج البلد الأم.

بعد ثورات الغذاء في العام 1977 في العديد من الأقطار، تسابق الطغاة ليغرفوا من الاستثمارات المعروضة، كي يدعموا استهلاك شعوبهم. غرقوا في الديون. فرض الدائنون نوعاً من الاستعمار الجديد. كل بلد يعجز عن التسديد يذهب الى نادي باريس لإعادة الهيكلة. هناك تُفرض عليه وصفة ثابتة جوهرها التقشّف في البلدان المدينة. معنى ذلك رفع الدعم عن المواد الاستهلاكية، ثم الجباية من الطبقات الفقيرة والوسطى لسدّ الديون. لم تعد البلدان مستقلة سواء خاضت حروب التحرير الوطني أو غيرها. فقط بعد بلدان أسيا التي عمل أصحابها، وشاركت فيها فعاليات السلطة، والرأسمال، والعاملون، هي التي تفادت أزمة 1997. حتى هذا الأمر لم يمر من دون مشاكل.

وعادت القواعد الأجنبية، غربية ثم روسية. البلدان التي لم تسدّد حسب متطلبات إعادة الهيكلة صارت مهدّدة. تستطيع اليونان أن تفاوض لأنها عضو في نادي أرستقراطية الدول، أي الاتحاد الأوروبي. غيرها لا يستطيع أن يفاوض. عليه أن يدفع. لكي يدفع، عليه أن يجبي من فقرائه، لأن أغنياءه لا يدفعون. لم يعد للاستقلال معنى. السيادة لا تعني إلا الوقوف للعلم وإنشاد بعض النشيد الوطني. كل مسؤول في دول العالم الفقير له مربط ومعلف في دولة غربية. المعنى الموروث في حروب التحرر الوطني صار مفقوداً، بالأحرى مفككاً. المشكلة قائمة أبدياً بين أنظمة تفقّر شعوبها وجماهير تنشد الحرية والعدالة. بين الحكام وشعوبهم ليس هناك إلا القمع. إذا لم ينفع ذلك، يصير ضرورياً نشوب الحروب الأهلية. إذا كان هناك تنوّع ثقافي وإثني، تُثار مشكلة الهويات. وإذا لم يكن التنوّع حاصلاً، وهذا ما ندر، تُخلق طوائف للسلطة معادية لطائفة الشعب. ويصير الاستقلال عقوبة عن طريق نوع من الحرب الأهلية.

آلية ذلك النيوليبرالية. الدين السياسي يوقد النار، وما بعد الحداثة تجعل الفهم مستعصياً. يقاتل الناس ويقتلون في عالم لا يفهمونه من أجل طغاة يظلمونهم. الاستغلال الداخلي يخدم الاستغلال الخارجي. الاستقلال في خبر كان. الثقافة المحلية أبيدت. لم يعد لدى الشعوب المقهورة وقت لممارسة ترف الذات في أوقات الفراغ. إذ صار الفراغ معدوماً.

(يتبع)

تنشر بالتنسيق مع مدونة الفضل شلق

 

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *