Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

الاستبداد ـ مصادرة اللغة (١١)

كما يصادر الاستبداد أملاك الناس وأموالهم وحرياتهم وحيواتهم ومستقبلهم وماضيهم، هو أيضاً يصادر لغتهم. يحوّل اللغة من أداة إخضاع الى أداة كذب وتدليس. يعتقد أنه بذلك يسيطر على أدمغتهم فيجعلهم يرون بعقلهم ما يراه أهل السلطة. ويشعرون بما يريده أهل السلطة. ينزع الاستبداد البصيرة من العقل والروح والمشاعر والقلب والعواطف. يحوّل الأشياء والأفعال والمصائر الى عكس حقيقتها، ويريد أن نرى الحقائق معكوسة. كما يريد أن يصير الأخ ضد أخيه وأمه وأبيه في سبيل قضية كبرى. يحوّل كل القضايا الصغرى الى كبرى كي تكبر جريمة المخالفة عند كل مواطن، عفواً عند كل الرعايا. الإشارة بالاتهام الى مسؤول ارتشى تصير تهديداً للروح القومية. مخالفة سير تصير مخالفة للخط الوطني. كل من على أرض الوطن مهدد في وجوده، الى أن يُثبت العكس. وهيهات أن يفعل ذلك. ما هو محفوظ عند أجهزة المخابرات لا يمكن محوه بسهولة. يحتاج الأمر الى قدرة الخالق في الناسخ والمنسوخ.

من المحيط الأطلسي الى المحيط الهندي يفعل الطغاة العرب الأمر نفسه. لا غرابة، فهم منظومة واحدة. يجلسون على منصة الظلم والاضطهاد والقمع. ويتعلمون من بعضهم الكذب والنفاق والتعذيب والقتل من دون مبرر، ويساعدون بعضهم، ويدركون أن مصير الواحد منهم مرتبط بالآخرين؛ وان اختلفوا فذلك يكون أمراً عابراً يتعلّق بأيّهم أقدر على القيام بمهام سلطة الاستبداد بكفاءة أكبر.

في القضايا القومية الكبرى يهربون من المواجهة ويسمّون ذلك ممانعة. يقترفون الهزيمة ويسمّون ذلك نصراً. يختلفون على رسم الحدود ويسمّون ذلك أخوة عربية. يفعلون كل بوسعهم لترسيخ التجزئة العربية وزرع الحقد بين الشعوب العربية ويتظاهرون بالعمل من أجل الوحدة.

يتحدثون عن أرض فلسطين المحتلة ولا يقولون هل المعنيّ بذلك فلسطين كلها أم ما بعد هدنة 1948، أم ما بعد هدنة 1967 وقرار مجلس الأمن 232، أم ما بعد كامب دايفيد، أم ما بعد اتفاق أوسلو، أم… يحبون فلسطين (هكذا يدّعون) ويكرهون شعب فلسطين. لا عجب في ذلك، كل منهم يحتقر شعبه ويكرهه. يخافون المجتمع ويكرهون الشعب، ففيهما ما يشكّل خطراً على سلطتهم ونظامهم. الشعب وجد ليكون محكوماً لا ليكون حراً. مطلب الحرية هو أدهى الأخطار بالنسبة لهم.

يتحدثون عن التقاليد ويحتقرون التاريخ. التقاليد فيها أوهام وذاكرة مصنوعة، والتاريخ فيه حقائق أو هو علم يتوخى الحقائق. يدمّرون الدولة ويتحدثون عن الوطن والوطنية. الدولة فيها دستور وقوانين، وهم فوق الدستور والقوانين. يمارسون العشوائية ويدّعون أن في ذلك انتظام الوطن. “دولة” الواحد منهم تستحق البقاء (يعنون السلطة أو النظام) ويعتبرون كل الأقطار العربية الأخرى دولاً مصطنعة لا تستحق الاعتبار أو البقاء. علماً بأن كل الدول مصطنعة لأنها من صنع الإنسان.

يذكّرون المواطن، وهم يعنون الرعايا، بأنه شريك في الدولة. الرعايا قطعان يخضعون للسلطة. ينضوون تحت عنف السلطة ويُمنع عليهم المشاركة في الدولة. يوزّعون لقب العمالة على كل من يخالفهم في أمر السلطة وسياستها، ويدركون أن حق المواطن أن يخالف وأن يعارض. حرية المواطن نوع من العمالة للأجنبي في نظرهم.

يحدثونك عن الدستور وأنه شأن سيادي، بينما السيادة منتهكة بوجود العديد من الجيوش الأجنبية على أرض الدولة. وحدة الدولة مقدسة (في أشخاصهم) وأرضها مشلّعة بين عدة قوى وجيوش دولية ومحلية. أما تعبير الولاء فهي أن يكون للعائلة، للزعيم، للحاشية، لا للوطن والدولة. الزعيم الطاغية هو البلد وهو الدستور وهو الوطن.

يحاربون الغزو الثقافي الغربي متجاهلين أنّ تقدم مجتمعاتنا مرهون بتقليد الغرب والخروج على الثقافة الموروثة وإنكار المسلّمات التي كانت بديهيات وصارت مؤشرات للتخلّف. يحاربون الغزو الثقافي لأنهم في الأساس ضد الثقافة والمعرفة والترقّي. مع مواجهة الثقافة يواجهون اللغة، لغتنا العربية.

لم تعد اللغة المتداولة حاملة للمعاني، لأنه لم يعد للحياة معنى أو مغزى. لا يعقل أن تتخلى اللغة عن مهمتها إلا إذا اعتبر المجتمع والسلطة أن العلاقة بينهما لم تعد لازمة أو مجدية. السلطة تنتج واقعاً لا تريد أن يظهر وأن يُفصح عنه.

والناس يرون الواقع غير ما تقوله السلطة، ولا يجرؤون على التعبير عنه. لذلك تتخذ اللغة منحى يتلافى الإفصاح، أو منحى فيه الكثير من التوريات التي يمكنها المرور من خلال الأجهزة من دون حرج. لا ينتج من ذلك إلا لغة تصنع الجهل، أو تنقل الجهل. الواقع مأساوي لا أحد يريد التعبير عنه أو الإفصاح عنه أو نقله. ذلك يعرّض كل من تعاطى به للخطر. يضطر الجميع الى أن يتبنى خطاباً لغوياً مختصراً، ذا مفردات قليلة لا تعبّر عن الواقع بمقدار ما تعبّر عمّا يفترض قوله، أي ما تفرض السلطة قوله. التعبيرات التي تفرضها السلطة قليلة بسيطة مسطّحة تكاد تخلو من المعنى. كثرة التكرار تجعل المواطن لا يأبه لما تقوله السلطة. لا أحد تقريباً يصغي لنشرات أخبار التلفزيون الرسمي، إلا عند الكوارث. ما تقوله السلطة لا يعني أحداً. لسان حال الناس هو: فلنسمعهم ولنفكر فيما نريد بغضّ النظر عنهم. بالطبع سيكون ما يفكّر فيه الجمهور قليلاً بالقياس بمناطق العالم الأخرى المزودة عن طريق الانترنت بفيض من المعلومات التي لا يحظى بها أهل بلادنا على الأقل.

طبعاً، تبادل المعلومات في عصر الانترنت كثيف. لكن تبادل المعرفة ضعيف. الكل يحاول أن لا يعرف. الفرق بين المعلومة والمعرفة، الأولى هو أنها تبدو بريئة. هي معلومة يبثّها من لا يفترض معناها. المعرفة طبقة فوق المعلومة ليس فيها حياء أو مجرّد نقل. يصعب أن لا تتحوّل المعلومات الى معرفة. تعرف ذلك السلطات حول العالم. لذلك يزودون الناس بمعلومات بديلة-معلومات كاذبة، من أجل إنتاج معرفة خاطئة. عصرنا هو عصر المعلومات البديلة أو الكاذبة؛ هذا ما يقوله الأميركيون على الأقل. المعلومات الكاذبة تجرّ الى واقع افتراضي يتشكّل في رؤوس المزوّدين بالمعلومات ولا يكون تطوراً موضوعياً، بمعنى أنبتته ظروف تاريخية خارج أدمغة البشر. يراد لنا في عصر النيوليبرالية أن نعيش واقعاً يسيطر عليه أصحاب القوة في العالم. وأن نخضع له، وأن نتشبّع بالايديولوجيا التي ينشرها. الواقع الافتراضي هدف يراد منه تكوين وعي مسيطر عليه. وعي يقررونه هم الذين يسيطرون على العالم، ولا يقرره الناس الذين يعيشون حياة واقعية.

الواقع الواقعي موجود حولنا وفي كل مكان. يُراد لنا أن نعيش واقعاً مفترضاً. يُراد لوعينا أن يرى هذا الواقع الافتراضي ولا يرى غيره: أن لا نرى الواقع الواقعي وأن لا ندخله في وعينا. الذين يشكلون الواقع الافتراضي يريدون أن يشكّلوا وعينا. الواقع الافتراضي هو البديل الكاذب. هو ما يفرضونه ليخدم أهدافهم؛ سادة العالم.

تفقد التعابير التباساتها. لا تستطيع فهما من السياق. السياق قصير جداً. جمل قصيرة متقطعة مليئة بالأخطاء اللغوية وأخطاء المعنى. الأخطاء مطلوبة ومفروضة. تتسطّح المعاني التي تصل للناس. تُفرّغ من إيحاءاتها. لا تحمل مكنة “الأي باد” لأكثر من معنى واحد لكلمة واحدة. وكلمة واحدة لمعنى واحد. عصر النيوليبرالية هو عصر القضاء على الليبرالية. عصر القضاء على تنوّع اللغة وتنوّع ألفاطها وتنوّع معاني كل لفظة من ألفاظها. المعرفة المسطّحة هي بمثابة أوامر توجّه الى المجتمع. لا ينال الناس غيرها. هي القول الوحيد الموجّه إليهم. هي بمثابة الأمر، إذا لا خيار آخر لدى الناس.

ليس غريباً أن تتحالف النيوليبرالية، تحالفاً طوعياً، مع أنظمة الاستبداد، وأن تجد فيها بيئة حاضنة لها. استطاع ترامب أن يؤطّر الجماهير وراءه عن طريق “تويتر” والجمل القصيرة والقليلة المفردات والفارغة المعاني إلا ما ندر.

ينسجم حكم الاستبداد في بلادنا مع النيولبرالية، بغضّ النظر عن المناورات الدولية والصراعات على مراكز القوة.

في عصر النيوليبرالية يصبح القطاع العام ملكاً لكبار أصحاب المال من الرأسماليين، ويصبح البلد بكامله ملكاً للطاغية. لا بمعنى أن يحوز صك ملكية الأملاك والناس، بل بمعنى أنه يفرض إرادته على الناس وممتلكاتهم. وهو يفرض الخطاب ومفردات الخطاب. بعد انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، كثرت كتابات وتوقعات الليبراليين عن انتشار الديمقراطية. لم يدم الفرح طويلاً إذا ازداد عدد الديكتاتوريات في العالم ومعها الفاشية والشعبوية وأشكال جديدة من العنصرية. توقّع الكثيرون نهاية الايديولوجيا وزوال اليوتوبيا. فإذا بنا نشهد انتشار أسوأ أنواع الايديولوجيا واليوتوبيا. ايديولوجيا قائمة على احتقار البشر والاستعلاء على البشرية واعتبار تفوّق بعض الأعراق على الآخرين. ينال هؤلاء الآخرون نصيبهم من الإفقار والتهميش. مزيد من تحويل الناس الى قطعان ورعايا.

تطوّر يحتاج الى خطاب مناسب والى مفردات ومصطلحات مشتقّة منه. وضع يحتاج الى تطوير مناسب للّغة. أفقار الناس يستدعي إفقار لغتهم وتسطيح أفكارهم وتقليل عدد المفردات المستعملة، كما يستدعي التعمية والتشويش وإخفاء الواقع وطغيان المتخيّلات عليه.

(يتبع)

تنشر بالتزامن مع مدونة الفضل شلق

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *