Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

الاستبداد ـ عندنا تنمية الى الوراء (٩)

في بلدان العالم التي كانت تسمى عالما ثالثاً نوعان من الاستبداد: الاول دفع شعبه الى الأمام وأحدث تنمية حقيقية تهدّد النظام العالمي وهيمنة القطب الواحد (الصين، تايوان، كوريا الجنوبية). امّا النوع الثاني يفسبب نمواً الى الخلف، بمعنى التراجع وتوليد أنواع الافقار والتهميش، فكأنما المراد إحالة المجتمع الى مزبلة التاريخ. بلادنا تنتمي الى النوع الثاني: استبداد مع تنمية الى الوراء.

ليس الفرق بين النوعين عائدا لوفرة الموارد الأولية أو كثرتها (عندنا المواد الأولية التي تمنحنا شبهة الثروة والغنى)، ولا في الموارد البشرية (بلدان النوع الأوّل كانت أقل تعليماً من بلادنا)، ولا في الثقافة (كل الشعوب متساوية في العراقة الثقافية ـ الحضارية)، ولا في الدين (كل الأديان لا تفيد شيئاً في إدارة الشأن الاقتصادي التنموي)، ولا في منسوب الذكاء عرقياً ووراثياً (كل الشعوب متساوية في الذكاء).

يبدو ان الفرق في السياسة، وفي العلاقة بين السياسة وكل من هذه العناصر. كيف تدير السياسة (السلطة ـ النظام) الموارد الطبيعية والثقافة والدين والتعليم؟ وكيف تكون العلاقة مع مجتمعها، وكيف تنظر الى المستقبل؟ وهل هي جدية في وعودها بشأن المستقبل؟ الأكثر ايلاماً: هل تعتقد أنه سيكون لهذه المنطقة مستقبل خاص بها؟ أم ستكون المنطقة مفتوحة لتديرها اسرائيل ومن وراءها؟

جميع البلدان التي انطلقت من تأخّر شديد (كانت بلادنا متخلفة في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين)، لكنها أحرزت تقدماً هائلاً منذ بداية الربع الأخير من القرن العشرين.أما نحن فقد أحرزنا تأخّراً في القرن العشرين، وحتى الآن؛ ووتائر النمو الآن هي أقل مما كانت عليه في القرن التاسع عشر.

كي نعلل الأسباب، يمكن القول أن مشكلتنا هي في الدين والثقافة. ليس في الدين والثقافة بحد ذاتهما، بل في السياسة وفي علاقة السياسة بالدين والثقافة. هذه العلاقة أساسها النخب الثقافية (بما في ذلك الدينية) والنخب السياسة الحاكمة.

اتجهت النخب الثقافية (والدينية) منذ أواسط القرن العشرين الى الإصلاح الديني لا الى الإصلاح المجتمعي. بعض هذه النخب اختصر الإصلاح الديني في مطلب تطبيق الشريعة الزائف. وهذا البعض لايستطيع الاتفاق حول ماهية الشريعة. لم يستمعوا جيداً الى الأصوات القائلة أن الشريعة ليست كلام الله، بل هي تفسيرات الناس بمن فيهم فقهاء كلام الله. الاختلافات بين أهل الشريعة هي أكثر من الاختلافات بين أي فريق منهم واتباع الأديان الأخرى. عملياً، الشريعة اجتهادات بشرية. وهي في جميع الأحوال لا تصلح لكتابة دستور معاصر. الأهم هو أن الشريعة لا تفيدنا شيئاً في تسيير الاقتصاد أو أي مجال آخر من مجالات النشاط البشري. الانكباب على التجديد الديني، وقد صار شائعاً بين المثقفين في العقود الأخيرة، هو عملياً تخلٍ بالكامل عن شؤون الاقتصاد والمجتمع، بالأحرى عن شؤون الدنيا.

الدين لا يحتاج الى تجديد، واذا فعلنا ذلك، فإنه يبقى متعلقاً بالإيمان، أي بالعلاقة بين الفرد والإله الواحد. الإيمان يبقى إيماناً سواء تجددت العقيدة أم لم تتجدد. لا أظن الله يرفض ايماناً على طريقة القرن الأوّل الهجري أو على طريقة القرن الحادي والعشرين.

نخبنا الثقافية (بما فيها الدينية) مسلوخة عن مجتمعها. هي لا تعرفه ولا تعرف حاجاته. كل ما تعرفه لا لزوم له. لذلك انهار التعليم بعد أن صار شعبياً شعبوياً. طلابنا يتعلمون عن الأصالة أكثر مما يتعلمون عن المعاصرة. انتجت جامعاتنا ومدارسنا أجيالاً من الجهلة معدومي الثقافة، بمعنى المعرفة على العموم. مثقفونا يجيدون الحديث عن زمن الفتوحات أكثر مما يجيدون الحديث عن المواجهة بيننا وبين جيوش الاحتلال الإسرائيلي، أو بيننا وبين من نصّبوا أنفسهم أعداءً من الجيران القريبين إلينا، والقوى البعيدة ذات القواعد في بلادنا؛ وأحيانا تمارس الاحتلال عندنا.

أما النخب السياسة والعسكرية التي تمارس الاستبداد، فقد تصرّفت بانتهازية زائدة حيال الدين خلال نصف القرن المنصرم. ما ان شعرت هذه النخب بفقدان الشرعية لدى شعوبها حتى حاولت التقرّب منها بالدين لا بل التنمية والاقتصاد، وبعلاقات اجتماعية سوية. وضع الطغاة كل المجتمع في معزل، وحاولوا إرضاء رجال الدين الذين لم يمنحوهم هذا الرضى، بل اتجهوا أكثر فأكثر نحو التطرّف والاصرار على خلافة ألغاها العثمانيون مرتين: الأولى أيام السلطان سليم الأوّل والثانية أيام مصطفى أتاتورك.

على مثال النخب الثقافية، اعتبرت نخب الاستبداد أن المشكلة هي في الدين. ولم تعرف أو لم تدرك أن الدين ليس بحاجة الى إصلاح. ما يحتاج الى إصلاح هو المجتمع. هذا ما على السياسة القيام به. الطرفان جعلا الدين محور الحياة الاجتماعية بدل أن يكون جانباً منها، ولو كان جانباً مميزاً. تخلى الطرفان عن النزاهة الفكرية (وكان هذا أساس الفساد الذي يدّعي الكل محاربته عوض محاربة الأساس). الفساد عندنا أساسه العلاقة غير الضرورية بين الأنظمة الحاكمة والدين. وهي علاقة انتهازية ليس لها عنوان إلا النفاق.

لم يدرك الطرفان أن في الموقف الداعي الى الإصلاح الديني (إصلاح الدين) إهانة للدين ذاته. استخدموا الدين أداة للسياسة بانتهازية معروفة: نستخدم الدين اليوم كي نتخلص منه غداً. استخدام الدين أداة لأهداف قريبة بدل أن يتركوا له المكان الجليل. نزعوا عن الدين قدسيته. جعلوا الله أحد حملة الرايات (رايات النظام) في المظاهرات الشعبية والمهرجانات الفاشية.

ليست المسألة (ولا العلمانية) فصل الدين عن الدولة. هي فصل الدين، أو بالأحرى عزل الدين في الحياة الاجتماعية ليأخذ حيّزه الخاص، فلا يُقحم في المحاماة أو الميكانيك أو الفيزياء، الخ… للدين مهامه، أولها الإيمان. الإيمان فردي. وهذا يكفي. لم يعد بإمكان الدين أن يكون اجتماعياً أو حركة سياسية أو محور الحياة الاجتماعية. هو جانب من جوانب الحياة الاجتماعية وليس مجملها. عندما صار الدين مجمل الحياة الاجتماعية، لم يبق للناس شيئ يفعلونه أو يفكرون فيه. صار هو الهوية الوحيدة. وبدأ المجتمع يفقد تعدديته. ليست المسألة تتعلّق بالاعتدال أو التطرّف. صار الدين (المجتمع ذو المزاج الديني) كله متطرفاً، اذ صار الدين مستغرقاً في كل حياتهم الدنيوية والآخروية. لم يعد الدين هادياً لمسار الحياة البشرية. صار هو الحياة البشرية. بذلك شلّ قدرات البشري الأخرى، القدرات العقلية والمادية.

ردة فعل المجتمع كانت، وما تزال، دفعة عالية من الدين، الطقوس الدينية والعقائد، حتى أغرقت السلطات الحاكمة. أغرق المجتمع المنظومة الحاكمة العربية، بحيث لا تعرف الخروج من مأزقها الذي كانت هي السبب في إنشائه.

يعني مطلب تطبيق الشريعة أن يصير الدين مجمل الحياة البشرية. لم تقدّم الأنظمة الحاكمة شيئاً على طريق التقدم. لم تحقق وعودها بالازدهار. أحدثت فراغاً ملأه شعار تطبيق الشريعة، وحل مكان جميع مطالب المجتمع الأخرى. السلطة صارت مهددة، غابت فكرة الدولة؛ تراجع المجتمع، تناقص النمو الاقتصادي. أفرغ الدين من المضمون الإيماني. صار مجرد طقوس. الطقوس أفعال وممارسات تحلّ مكان طقوس الإنتاج وأفعاله وممارساته.

أحدثت الأنظمة فراغاً روحياً ومادياً هائلاً في هذه المجتمعات. هذه هي مهمة القمع الأولى. لم تبحث الأنظمة العربية عن بدائل للسياسات التي اتبعتها منذ بداية الاستقلال. رأت الفشل أمام عينيها وأصرّت على الاستمرار في النهج ذاته، والشعارات ذاتها؛ والتفاهات المبتذلة مستمرة.

انتقل النظام الصيني، مثلاً، من شيوعية مزعومة الى ليبرالية أو نيوليبرالية لا يحبها الكثيرون منا. لكنه انتقل وغيّر نفسه من الداخل. أنظمتنا لم تغيّر شيئاً. حافظت على قديمها رغم إرادة الناس. كان لذلك أثر كبير على المجتمع الذي أفرغ من إمكانية التجدد والإبداع. لم يتأخر الدين كي يحتاج الى إصلاح. الدين هو هو. تأخر المجتمع. تأخر باحتلال الدين كل مجالات النشاط فيه. قد يتمكنون من إصلاح كل شيء في الدين ويبقى المجتمع على حاله من الركود. مجتمع راكد واقف مكانه، أو يرجع الى الوراء في عالم يتقدم.

ركود المجتمع الذي سببته الأنظمة كان، وما يزال، هو السبب في أن الاستبداد عندنا لم يستطع أن يكون، ولن يكون، عامل تقدم، كما في بلدان أخرى. يبدو شعار “إصلاح الفكر الديني” بريئاً. لكنه هو الأخطر في حياتنا المعاصرة، اذ هو يصرفنا عن أمورنا اليومية، وعن التنمية والحياة الاقتصادية. يصرفنا عن الدنيا ويفرغنا من العقل. اهتمت النخب السياسية والثقافية بهذا الشعار، وهي تعرف أو لا تعرف بأنه غير مفيد في شيء. شعار أدى الى انتشار النفاق مع الطقوس الدينية. نكذب على أنفسنا ونحن لا نفعل ما يفيد. نحاول اصلاح ما لا يحتاج الى إصلاح (الدين)، ونعزف عن إصلاح ما يحتاج الى الإصلاح (المجتمع).

التنمية ممكنة في جميع الأنظمة، الديكتاتورية والليبرالية، لكنّها غير ممكنة حين لا تكون هي محور الفكر والعقل.

(يتبع)

تنشر بالتزامن مع مدونة الفضل شلق

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *