Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

أيها المرتكبون “وراكم.. والزمن طويل”

كتب نصري الصايغ:

ثبت بالبرهان التاريخي، أن لبنان ليس واحداً، ولم يكن واحداً، ولا مرة، منذ تأسيس الكيان حتى لحظة 17 تشرين اول 2019. مشكلة أن شعوبه تنتمي إلى “أوطان” أصغر منه. على علاقة بأوطان اوسع منه. شعوبه كيانات تفيض عن حدودها. هي ليست احزاباً أو تشكيلات سياسية. انها شعوب تعبر عن نفسها بتبعية مستدامة، لقوى مدنية (عائلية او اقطاعية) تستمد شرعيتها من خلال “حقوق” الحمايات الدينية والمذهبية. وهذه الحمايات تجعل من الاتباع امناء مخلصين لقيادات، وارثة ومورثة، من جيل إلى جيل، والى يوم الساعة.

يستخف كثيرون ممن يصر على أن من عوائق توحيد لبنان، الانتماء الطائفي المبرم. لا تحلموا. لبنان لن يكون واحداً ابداً، ولم يكن كذلك وليس اليوم كذلك. واللبنانيون، ليسوا لبنانيين اساساً. هم موارنة وسنة وشيعة ودروز وكاثوليك وأرمن و… إلى آخر اقلية مصرة على أن تعامل كابنة ست، لا كابنة جارية ملحقة بطائفة ذات وزن.

لا أحد يحلم بلبنان الواحد. لا شبيه له. ولا أحد يحلم بنظام ديموقراطي. الديموقراطية، في أحط درجاتها في الدول المتخلفة. “ديموقراطيتنا منحطة ولا مثيل لها. ولا عجب أن تكون الطوائفيات متعادية او متصالحة، مؤقتاً. كل طائفة كيان تام. يلزم احترام حدود الكيان ديموغرافيا وسكانيا واقامة. الاختلاط، خطير جداً. في الاختلاط تخوف دائم من فتنة التهجير القسري. النقاء الطائفي يكتسح المناطق المتعايشة. انظروا إلى خريطة لبنان: هناك كيان جغرافي مسيحي، بأقليات بائسة ومغلوب على أمرها. هناك كيان شيعي مبرم، يستضيف اقليات تتحضر للإنقراض. الله غالب. وهناك كيان سني يتوزع مناطق مختلفة، مع تعايش شيعي مشبع بالمخاوف والخناجر. وهناك كيان درزي مشترك مع اكثرية مسيحية نازحة ومهجرة… لبنان بلد الكانتونات غير المعترف بها. ولكن المعمول بها، بدقة متفانية و”على الليبرة”.

الكيان هو كذلك منذ مئة عام، مع ملاحظة هامة جداً: كان المتوقع لدى آباء الكيان، أن يتطور لبنان بمسار التوحيد المتنوع. حدث العكس. لكل مكوِّن طائفي مسار مضاد، وحماية مضادة. طول عمره لبنان منقسم وموزع الولاءات، ومعظمها عابر للحدود. ثم. كان لكل طائفة اختصاص سياسي وانتمائي,. انعكس ذلك على بنية النظام نظام ما بعد “الميثاق الوطني” بين الخوري والصلح، لم يصمد الا لسنوات قليلة. لم تشفع الرئاسة المارونية القوية ابداً. لم تشفع تمتع رئيس الجمهورية بصلاحيات تامة ومبرمة تجعل من الوزراء (المنتمين إلى طوائف طبعاً) مجرد معاونين لسلطة الرئيس. انفجر لبنان قليلاً عام 1952. لمه فؤاد شهاب لأنه رفض أن يقمع التظاهرات. كان يدرك أن المشكلة سياسية ولا تحل بالأمن. حدث ذلك بعد انحياز كميل شمعون لغرب مشتبك مع عرب برئاسة عبد الناصر. انقسم البلد بين ايزنهاور وعبد الناصر. طلب شمعون من الجيش الحسم. رفض فؤاد شهاب مكرراً. هذه مشكلة سياسية تحل بالسياسة وليس بالأمن. فلت البلد في ما بعد. حضرت البندقية الفلسطينية، بعد نكسة حزيران. تكتل المسيحيون في حلف ثلاثي، قضى على الموارنة في ما بعد. تكتل الآخرون خلف جيش فلسطيني كحامٍ ومدافع عن المسلمين .

ولا مرة كان واحداً موحداً. اعداء يحكمون معاً ويحتكمون، لا إلى دستور، ولا إلى قوانين. يحتكمون لمرجعيات تمت بصلة إلى الشارع. والشارع هو مكان الصدام والقتال والفتنة، المسيحية الاسلامية، ثم الفتنة السنية الشيعية. وعندما قرر سليمان فرنجية استعمال الجيش فرط الكيان. صار مشلعاً، بين عوكر وعرمون. الموارنة في عوكر والمسلمون في عرمون، والشارع مخضب بدمائهم جميعاً. تدخل الجيش، ففرط. وتوزعت وحداته إلى وحدات مارونية بحتة، إلى درزية بحته، إلى سنية بحتة، والى شيعية بحته. واستعاض الجميع عن الجيش في ما بعد، بعد استدعاء الجيوش المجاورة. اسرائيل حضرت. سوريا حضرت. الامارات و… وتدفقت الاموال وازداد العتاد وتطورت وسائل القتال. فقتل عشرات الالوف، وتدمر أكثر من نصف لبنان.

نعم، حتى اتفاق الطائف، لم يكن لبنان موحداً. الغبن هو الفائض السياسي، وهو المحرض لأركان الاقليات، او ممن غدر به الزمان، أي عندما صار ضعيفاً بعد ما كان قوياً. ذاقت المارونية السياسية طعم الهزيمة ومارست الحيط الواطي، طوال فترة ما بعد الطائف حتى اغتيال الحريري، وافول ” الحماية” السورية المنحازة.

لم يتوحد لبنان، ولا توحدت سياساته، (باستثناء الحقبة الشهابية) ولا توحدت سلطته، ولا كان نظامه شاملاً وعاماً. أفضل الصيغ، مهزلة المشاركة: أي هذه لي وهذه لك وتلك له. وفي النهاية، لا أحد يرضى.

وحدث ما حدث. صار ما صار. خضع لبنان لثنائية عجيبة. اختصاص السلطة، بمن فيها ومن يحميها، “الانماء والاعمار والاقتصاد”، بقيادة سنية صارمة ومدعومة من حليفين قريبين، سوريا والسعودية، ومن تحالف عربي اميركي ايضاً. واختصاص التحرير، من الاحتلال الاسرائيلي، لقوى المقاومة الاسلامية، الشيعي، بدعم سوري ـ ايراني حاسم المارونية السياسية لم تعد وازنة. رئيسها في السلطة من وزن الريشة. زعماء المارونية السياسية اما في المنفى او في السجن.

لم يتوحد لبنان. قيل، الحق على السوريين وعلى الايرانيين. خرجت أو اخرجت سوريا، بعد مقتل الحريري، وانقسم اللبنانيون قسمة مرعبة. تساكن الاعداء اعتصاماً في ساحة الشهداء. العداء معمد بالدم من جهة، والاتهام بالقتل موجه إلى الشريك والبقية معروفة.

هل كان الطائف محترماً. لقد نفذته سوريا بلغة الأمر. ثلثا مجلس الوزراء لها، والثلث شاهد زور او “شاهد ما شفش حاجة”. كانت تجربة فاشلة، بعدها. لم يستطيع ارباب الطوائف والمذاهب أن يتعايشوا في وزارة. اتفاق الدوحة، خرق الفتنة بهدنة. سقطت في ما بعد، ولاتزال ساقطة.

أفدح الاخطاء، ارتكبت في عهود الطائف وما بعده. وأعظمها فشلاً نظرية الرئيس القوي. والقوي في كل طائفة. حكموا معاً. رأينا البدائع والفواجع. لم يتفقوا على شيء. نصبوا الكمائن. قتلوا ابرياء اتباع. تقاسموا البلد. ضاعفوا من عدد المشكلات. كانوا يدبكون على سطح نظام متداع. أوصلوا البلد إلى حافة الافلاس. تضاعفت الازمات. ازمات من كل نوع، فيما الكهرباء والماء والبيئة والتربية والعدالة والنهب والسرقة والهتك والفتك والتشبيح والاثراء غير المشروع وزرع الاتباع في الادارات، وهو السائد والدائم. والأفدح من كل الفوادح، شعار الميثاقية الأخرق، الذي دل على أن لبنان مزرعة مساهمة لبنانية، بقياس شركات استقدام العاملات الاجنبية إلى لبنان. ليس هناك أرخص.

في السابع عشر من تشرين الاول 2019. ولأول مرة، نعم، لأول مرة منذ مئة عام، يتدفق سيل شعبي، لبناني حقاً. لبناني جداً. لبناني منفتحاً. وملأ الساحات والشوارع. كانت لحظة رأينا وسمعنا فيها كلاماً صادقاً وجديداً وغير مألوف. صوتهم واحد أحد، بتلاوين مختلفة، لا تمت بصلة إلى اصول طائفية وأعراق مذهبية… لأول مرة، في مئة عام، يطل على لبنان الوطن، شعب وطني غير طائفي. قالوا كلاماً واضحاً لا للمزرعة، لا للنهب. لا لسلطة تكذب وتسرق وتنهب وتغش وتفتك وتهتك، وترتكب الكبائر… لا لنظام طائفي يمعن في تفكيك وتفتيت الدولة والشعب. لا لمن في السلطة. لم يتسامحوا مع أحد، كائنا ما كان دينه ومذهبه واصله وفصله. كلن يعني كلن. صدحوا في الساحات.. سمعت السلطة كل ما قيل. اختبأت. اختفت. راهنت على تعب المليون لبناني. خوَّفت المعتصمين الذين حرروا الساحات، بشارع مقابل شارع. فعلوها. انزلوا الشارعين: الاول رفع شعار: شيعة، شيعة. الثاني لحق به بشعار: سنَّة سنَّة. انهم يلوحون بالرعب الطائفي، في الوقت الذي يبذلون الجهد الجهيد، لتأليف حكومة جديدة، على الطراز القديم، كأن شيئاً لم يكن.

الساحات موحدة. السلطة مفتتة. لبنان اللبنانيين في الساحات. واحد أحد. لبنان الطغمة السياسية، موزع على ازقة وشوارع، ويقطع الطرقات. توحدت السلطة، مع المصارف، وحاولت زج الجيش في مواجهة النخبة اللبنانية العارمة.

اليوم، يتصرَّف قادة الطوائف ويقاتلون بعضهم باللحم الحي. كأن شيئاً لم يكن. يقلدون ماضيهم. يتحاصصون. يتمرنون على ملء المقاعد بالأزلام، ولو كانوا تكنوقراط. يسخرون من الحراك. يحاولون الكذب عليه. لكن الحراك ليس لعبة بيد أحد انه حراك اصيل. لا ينتمي إلى الحراكات السياسية القواتية والجنبلاطية والحريرية وسنة سنة وشيعة شيعة.

الحراك عائد. يا جهلة. لن تعرفوا أن في لبنان شعباً، يختلف عنكم وعن اتباعكم. حذو الجبهة بالنعال. ولا خوف أن تأخرنا. وراكم والزمن الطويل.

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *