Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

أحمد بهاء الدين: الأستاذ يهمس افكاراً

لم أعرف كاتباً يتمتع بثقافة احمد بهاء الدين ودماثته وخلقه الرفيع.

كان خفيض الصوت، خجولاً في ممارسات صلاحياته كرئيس لمجلس ادارة “دار الهلال” التي احدث فيها “ثورة” حين تولى قيادتها وبث الحياة فيها.. فاستعادت مجلة “المصور” شبابها، وأعيد إلى الصورة اعتبارها.. ولأنه متذوق لفن الكاريكاتور فقد اقطع الرسام المبدع بهجت عثمان الشهير ببهاجيجو صفحتين كاملتين من “المصور” للسخرية من الاوضاع السياسية والاجتماعية في الوطن العربي وإن بعنوان مصري.

تعددت زياراتي إلى دار الهلال، حيث أسعدني زماني بمجموعة من الاصدقاء المبدعين، اولهم المخرج + الرسام ـ الفنان حلمي التوني الذي كلما تقدم في السن أبدع مزيداً من الانتاج لوحات تضج بفرح الحياة، وأغلفة لكتب مختارة تقرأها في عنوانها، أما الثاني فهو بهجاجيجو، والثالث فهو الذي عاش بالمحبة والصداقة وعشق المعرفة لدرجة اننا نسبناه إلى “حركة الفضوليين العرب”، مصطفى نبيل… واما الرابع فهو الروائي المعروف يوسف القعيد.

ولقد تيسر لي أن اشارك في بعض اجتماعات مجلس التحرير، حيث كان يتوجب على الجميع أن يحسن الاصغاء، لان “الأستاذ بهاء” خفيض الصوت بما يؤكد لك أن القيادة لا تستوجب رفع الصوت والصراخ وتمزيق الصفحات، وان الهمس يمكن أن يستوعب من الغضب الكثير الكثير.

ذات يوم، وبعد انتهاء الاجتماع الاسبوعي في دار الهلال، دعاني الأستاذ “بهاء” كما كان يناديه بهاجيجو، إلى غداء في مطعم شعبي في حي بولاق، قائلاً: ستأكل أطعم لحمة! اخترقنا “الجماهير” إلى باب المطعم الذي يزينه حاجب من الخرز، ولم يكن فيه الا زبائن معدودين.

ولقد دعاني احمد بهاء الدين، مرة ثانية، إلى بيته، وعرفني إلى السيدة عقيلته “ديزي” التي روت لي كيف خجل “بهاء” من ذكر اسم الفندق الياباني الذي انزله فيه القيمون على المؤتمر الذي دعي اليه، لان للفظه ايحاءات جنسية.

كان لأحمد بهاء الدين اصدقاء اعزاء في بيروت، اشهرهم الراحلان امين الحافظ (النائب عن طرابلس لفترة طويلة) والكاتبة الروائية الممتازة ليلى عسيران.. ولقد كانا رحمهما الله “أجمل ثنائي” عرفته، خصوصاً وانه يجمع بين الشمال والجنوب، السنة والشيعة، في إطار ثقافي راقٍ.

كذلك فقد كان لبهاء اصدقاء من الفلسطينيين المقيمين في لبنان، وبعضهم يعمل في الكويت في المناصب التي كانت تحتاج خبرات وكفاءات مميزة، من بينهم الراحل محسن قطان.

ولقد اضطر احمد بهاء الدين بعد انقلاب “خماشر مايو” ـ 15 ايار 1971 ـ الذي اسقط فيه انور السادات الناصرية، إلى ترك مصر والسفر إلى الكويت، رئيساً لتحرير مجلة “العربي”، وجاء إلى دار الهلال منتقما، مصطفى امين (رئيس مجلس ادارة دار اخبار اليوم الذي اعتقل بتهمة التخابر مع جهات اجنبية، ثم افرج عنه السادات).. فخلع جميع المسؤولين عن تحرير “المصور” ومجلة “الهلال” الشهرية وكتّاب الهلال، وابدلهم بجماعة من مناصريه، محاولاً التبرير بأنه انما ادخل رايات التطرف إلى الداخل وأعاد راية الاعتدال إلى الواجهة.

وكان هذا التبديل اسوأ انتقام من احمد بهاء الدين، بل من الصحافة والثقافة، كما من الكفاءة والنزاهة والخلق الكريم.

وحين عاد “بهاء” إلى القاهرة، ارتضى أن يكتب عاموداً مضيئاً في “الاهرام” ضيفاً على صديقه الكبير محمد حسنين هيكل.

رحم الله هذين الراحلين الكبيرين وعوض مصر والوطن العربي كفاءتين على هذا المستوى المتقدم، ابداعاً وخلقاً وتوكيداً للقدرة على الانجاز.

 

 

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *