Sign up with your email address to be the first to know about new products, VIP offers, blog features & more.

أحلام دولية: أمريكا ومصر نموذجان

أعادت صورة لرئيس الوزراء الصيني في ألمانيا وصورة للرئيس فلاديمير بوتين في فرنسا إلى الذاكرة أحلاما كثيرا ما راودت حكام  الصين وروسيا وأوروبا في الماضي. كان من أغلى أحلام امبراطوريات الصين في أوج عظمتها الوصول بتجارتها إلى أوروبا. جربت فأقامت منظومة اتصال ومواصلات وأمن إقليمي. الحلم نفسه راود كثيرين من تجار أوروبا منذ عودة ماركوبولو يحمل خريطة للطرق وعينات من منتجات الصين ومعلومات عنها. بدت أوروبا دائما الحلم الأعظم في المخيلة الصينية بالرغم من المآسي التي تسببت فيها أوروبا الاستعمارية والخراب الذي أصاب الصين بسبب جشع ووحشية المستعمرين الأوروبيين. غريب جدا أن  تحظي  أوروبا باحتلال مكانة في خيال الصين وواقعها الاستراتيجي لم تحتلها اليابان ولا كوريا، وهما الأقرب إلى الصين حضاريا وثقافيا والأهم أمنيا.

كذلك احتلت أوروبا الغربية في الخيال الروسي مكانة سجلها المؤرخون والأدباء والسياسيون. اختلف حلم الروس عن حلم الصينيين. كان الأمن وتوازنات القوة العنصر الغالب في تكوين هذا الحلم، إلا أن هذه الغلبة لم تمنع قياصرة القرون الماضية وقادة الحزب الشيوعي في معظم عقود القرن العشرين، بل وقادة ما بعد بريستيرويكا، من الاستغراق في التمني أن تكون مدن روسيا ومزارعها وجامعاتها في أناقة وتميز مثيلاتها الأوروبيات. سقط  النظام الشيوعي في روسيا وقام نظام حكم جديد  قصير عمره دعمته أمريكا وشجعته على خصخصة مؤسسات الدولة  بعد هدمها وتغيير معالمها.

اتفق الحلمان في أشياء واختلفا في أشياء أخرى. اتفقا في  الأمل أن تكون أوروبا مزدهرة اقتصاديا. ففي ازدهار أوروبا فرصة لتجارة أكبر وتكنولوجيا جديدة لتقليدها أو تطويرها ومواقع وفيرة لاستثمار الفوائض والأموال الهاربة. واتفقا في التمني أن تكون أوروبا مستقلة عن أمريكا. اختلفا في رؤية لمستقبل الاتحاد الاوروبي. الصين تريد الاتحاد الاوروبي كتلة موحدة ليس فقط لحاجتها ذات يوم إلى من يشاركها وضع قواعد لنظام اقتصادي عالمي جديد ألمح إليه الرئيس تشي في خطابه الشهير في مؤتمر دافوس في مطلع العام الجاري، تريدها أيضا لاحتمال ظهور حاجة صينية لاقامة تحالفات مصالح في نظام دولي بات من المؤكد أنه الآن في مرحلة النشأة أو قبل النشأة بقليل.

أما الحلم الروسي فيطمع في مستقبل يكون فيه الاتحاد الأوروبي مفككا. معروف للكثيرين أن الصين لا تمانع في منظومة أوروبية تقودها ألمانيا منفردة أو يقودها ثنائي ألماني فرنسي قوي. روسيا، على العكس، لا ترى هذا المستقبل. روسيا ترى، أو تعمل من أجل، مستقبل لا تكون فيه ألمانيا قائدا لتجمع أوروبي أيا كان اسمه وشكله، وهي بالتأكيد لا تريد أن ترى ألمانيا وفرنسا وقد توحدتا في منظومة قيادة جديدة لأوروبا.

كلاهما، ولا شك، سعيدان بمشاهدة أمريكا تخرج تدريجيا من معادلة علاقتيهما بأوروبا. روسيا بطبيعة الحال أسعد كثيرا. انسحاب أمريكا من أوروبا كان دائما حلما روسيا، ولعله الآن دخل حيز التطبيق بشهادة التحقيقات الجارية في واشنطن حول قضية التدخل الروسي في انتخابات الرئاسة الأمريكية لصالح المرشح الانعزالي دونالد ترامب. يؤكد مراقبون عديدون أن جهدا روسيا هائلا بذلته موسكو البوتينية خلال العام المنصرم  والعام الحالي في كل من أمريكا وأوروبا بغرض تشجيع تيارات انفصالية وانعزالية وشعبوية تتصدى لمبادئ اساسية في الفكر السياسي الغربي وتطبيقاته. تتصدى مثلا لمبدأ حرية التجارة متجسدا في اتفاقيات التجارة الحرة وقواعد منظمة التجارة العالمية وغيرها من المؤسسات الاقتصادية، وتتصدى لمشاريع ومؤسسات الأمن الغربي ممثلة في حلف الناتو وبرامج  توسعه في شرق أوروبا ثم في الشرق الأوسط. تتصدى أيضا لحملات التبشير بالديموقراطية الغربية وغيرها من الأفكار الليبرالية. هنا، تلتقي الصين وروسيا مرة أخرى في مواجهة هذا العدو المقيت، ليبرالية الغرب.. للصين، كما نعرف، مصلحة مؤكدة وتاريخية في العولمة الاقتصادية ولعلها تحلم للقرن القادم بعولمة على النمط الصيني تحل محل العولمة على النمط الغربي أو بالأصح النمط الأمريكي، وهو النمط الذي تجاهل تماما جانب العدالة الاجتماعية ونهضة افريقيا.

***

“وصول دونالد ترامب للبيت الأبيض يحقق للصين وروسيا أحلامهما”. أخشى أن تكون هذه العبارة قد أسيئ فهمها حتى صار الناس يستخدمونها في غير محلها وبأكثر مما تستحق. التطورات الجارية عند القمة الدولية تذكرني بما ذهب إليه صديقي الراحل السيد ياسين من أن بعض التطورات الدولية تتجاوز كونها مجرد تغيرات هنا وهناك بل ترقي إلى مستوى تغيير “البارادايم”. أظن أننا نقترب من هذا التوصيف. النظام الدولي الذي عايشناه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ما زال “يرفس” كما يقول الانجليز، أي ما زال يتنفس ويعمل. لن يسقط تماما ويختفي إلا إذا سقطت تماما أو اختفت إحدى القوى الأعظم القائدة فيه. سقط نظام توازن القوى عندما سقطت ألمانيا بل واختفت كدولة موحدة وقام نظام دولي آخر. بهذا المعنى لا نستطيع الادعاء بأن تحولا جوهريا حدث في منظومة القيادة الدولية.

أمريكا لم تسقط حتى نسارع فنقول إن النظام الدولي يتحول أو يتغير. أمريكا كقائد هي الأقوى بين آخرين في مجموعة القيادة. صحيح أنها تنحدر ولكن بتدرج أظنه محسوبا ومعترفا به عند الخبراء والمسئولين. لا يهم الآن القول بأن الانحدار لا يعود فقط لظروف وأسباب ذاتية وهو ليس انحدارا بالمعنى المطلق، ولكنه انحدار نسبي، أي انحدار بالنظر إلى صعود آخر أو آخرين. وفي كل الأحوال، ولأنه متدرج وسلمي الطابع إلى حد كبير، فإنه لا يبرر ادعاء الحاجة إلى نظام دولي جديد. بمعنى آخر، الانسحاب الأمريكي من أوروبا وخروج انجلترا من الاتحاد الأوروبي وانسحاب واشنطن من اتفاقية باريس للمناخ وموقف أمريكا من حلفها العسكري، كلها أو أغلبها تطورات وإن أسعدت الرئيس بوتين في موسكو  وشجعت الرئيس تشي في بكين إلا أنها لا تمثل بعد السبب الكافي والضروري لإعلان سقوط نظام دولي.

***

يذكرني هذا النقاش الدائر بعيدا عنا بنقاش خافت الصوت دائر قريبا منا ومنذ فترة غير قصيرة. يناقشون، بالهمس، مظاهر سقوط نظام إقليمي عربي وأسباب هذا السقوط وشكل البديل المحتمل. السؤال الجوهري الذي يلف حوله ويدور المتناقشون يتعلق بتوصيف حال مصر كقائد منفرد أو عضو في منظومة قيادة. مصر لم تخرج من النظام وبالتأكيد لم تسقط ولكنها انحدرت في القوة بكافة أشكالها وفي المكانة وفي النفوذ. تختلف عن أمريكا في أن انحدارها لم يأت متدرجا بل على فجاءات وبتراكم ملحوظ. شاهدنا وتابعنا تداعيات هذا الانحدار وفقدان المكانة على أمن وتكامل النظام العربي، ونشاهد ونتابع بالاهتمام الممكن صراعات دائرة بقسوة أحيانا وارتباك في أحيان أخرى واستدعاء الدعم من قوى من خارج الإقليم العربي، صراعات من أجل احتلال مواقع على قمة نظام إقليمي لا يوجد إلا في مخيلات وأحلام قادة ومفكرين.

أتمنى أن أكون مخطئا، ولكني أكاد أكون واثقا من أن العنف الذي نشهده ويعيشه بعضنا أو كلنا ممتدا ومتمددا من الريف المغربي غربا إلى سواحل هورموز شرقا ومن اليمن جنوبا إلى الموصل والرقة هو أحد أهم مظاهر صراع الصعود نحو القمة، قمة نظام اقليمي مجدد أو نظام اقليمي جديد تماما. لهذه الثقة الكبيرة في صحة ما أقول ولأن أمورا كثيرة ومنها قيادة النظامين الدولي والاقليمي وحروب الارهاب، ما تزال بعيدة عن الحسم، أتصور، وللأسف، أن المنطقة مرشحة لعنف أشد وصراعات أكثر.

ينشر بالتزامن مع جريدة الشروق

لا تعليقات.

شارك رأيك

Your email address will not be published. Required fields are marked *